نحن مجتمع منهك. تتكالب علينا الأزمات، ويعجز بين ظهرانينا الحكام ومعارضوهم عن صياغة سياسات متوازنة وتطوير حلول متكاملة تنشر الأمل في قرب تحسن الظروف المعيشية التي تئن منها أغلبية المصريات والمصريين وفي فرص التعافي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

نحن مجتمع منهك. تنهكنا حكومة قد تبدي قدرا من الشجاعة في تطبيق بعض الإصلاحات الاقتصادية، غير أنها تواصل صناعة الظلم بانتهاكاتها الممنهجة للحقوق والحريات وتسفيهها للسياسة وحجبها للعديد من منافذ الإعلام الحر والموضوعي وفرضها لهيمنة المؤيدين على الفضاء العام. تنهكنا معارضة لا تملك رؤية اقتصادية حقيقية، وتكتفي بعموميات الرفض باسم الفقراء والمطحونين، وتخفق في الانتقال من كشف انتهاكات الحكومة إلى طرح «البديل المدني والديمقراطي» المنتظر، وتتورط في استخدام مقولات وطنية شوفينية ومفردات التخوين لحشد الناس في حراك زائف عوضا عن البناء على احتجاجات العمال والموظفين وضحايا عنف الأجهزة الأمنية والمهمشين وتطويرها إلى قوة سياسية دائمة الحضور.

نحن مجتمع منهك. تنهكنا أجهزة أمنية واستخباراتية تظن، ومن خلفها الحكومة، أن ممارسات كالتعقب العنيف للمحتجين والمعارضين وأصوات الحرية وكذلك خنق المجتمع المدني المستقل وإنزال العقاب بمنظماته الحقوقية تمثل أدوات رئيسية للحفاظ على الاستقرار وللإبقاء على الحاكم في موقعه ولمنع حدوث انتفاضة جديدة على غرار انتفاضة يناير ٢٠١١. فجنرالات الأمن والاستخبارات لم يروا في يناير ٢٠١١ سوى مؤامرة لنشر الفوضى وهدم الدولة، وشوهوا جوهرها الديمقراطي والتقدمي الذي ظل حيًا بين ٢٠١١ و٢٠١٣ على الرغم من الخطايا الكثيرة التي وقعت بها القوى السياسية التي انتسبت إلى يناير صدقا أو زيفا، وسعوا بجميع الطرق إلى الانقلاب عليها وهندسة ثورة مضادة ما كان لها أن تأتي في صيف ٢٠١٣ لولا خطايا منتسبي يناير.

يظن جنرالات الأمن والاستخبارات أن إنفاق الأموال الطائلة على شراء أحدث تكنولوجيات التنصت والتتبع واستخدامها لتعقب وعقاب المحتجين من العمال والموظفين والنقابيين والشباب والطلاب كفيل بنشر الخوف بين صفوفهم والحيلولة دون تصاعد الاحتجاجات. يظنون أيضا أن ممارسات كإنزال العقوبات السالبة للحرية بالأعلى صوتا والأكثر حركية من المحتجين وتعريض أعضاء المنظمات الحقوقية المستقلة لعقوبات مشابهة (كالمنع من السفر) وتجريدهم من القدرات التنظيمية والمالية ستحول دون عودة مشاهد ما بين ٢٠٠٣ و٢٠١١، تلك السنوات التي تشكلت بها حركة كفاية وحركة ٦ إبريل وحدث بها إضراب موظفي الضرائب العقارية وتوالت بها احتجاجات عمال المحلة ووثقت بها المنظمات الحقوقية بعض جرائم التعذيب التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية بحق مواطنين من عماد الكبير إلى خالد سعيد. يظن جنرالات الأمن والاستخبارات، ومن خلفهم الحكومة، أن استصدار القوانين السلطوية كقانون التظاهر وقانون الإرهاب وقانون الجمعيات الأهلية سيرتب تهجير المحتجين والمعارضين وأصوات الحرية والمنظمات الحقوقية بعيدا عن الفضاء العام ويفرض عليهم العزوف عن الاحتجاج وعن السياسة كوسيلة وحيدة للنجاة من التعقب والعقاب. يظنون وعبثا يظنون، فلا «نجاحات» التعقب والعقاب ستدوم طويلا ولا «العزوف خوفا من الظلم والقمع» مرشح للاستمرار مع تواصل تدهور الظروف المعيشية وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. غير أن ظنون الجنرالات وما يترتب عليها من مظالم وممارسات قمعية تنهكنا كمجتمع، وتجردنا كمواطنات ومواطنين من الانفتاح بإيجابية وحيوية وحرية على العمل العام.

نحن مجتمع منهك. تنهكنا التناقضات الأخلاقية بين ادعاء الأغلبية التدين والورع والزهد والتزام الفضيلة واجتناب ما حرم الله، وبين الشيوع الكارثي للفساد والغش والجشع واستغلال الأقوياء للضعفاء. تنهكنا التناقضات الأخلاقية بين احتفاليات التدين العلنية وأحاديث القيم الدينية السامية، وبين جرائم العنف الجنسي التي يرتكبها الرجال ضد النساء والعجز المجتمعي الفاضح عن حماية النساء (في المجال العام كما في المجال الخاص الذي تحدث به جرائم عنف منزلي مروعة) والهوس بمواد الإثارة الجنسية الذي توثقه محركات البحث على مواقع الانترنت ووسائط التواصل الاجتماعي.

تنهكنا التناقضات الأخلاقية بين ادعاء حب الآخر وزعم تقديسنا جميعا لوحدة «عنصري الأمة» ورفضنا القاطع لخطابات التحريض الطائفي ولجرائم الإرهاب والعنف ضد الأقباط، وبين تورط جماعي في الترويج الواعي أو غير الواعي لخطاب كراهية الآخر. نعم، يتورط كثيرون بين صفوفنا في الاستخدام اليومي لمقولات طائفية (من مصريين مسلمين) ولمقولات طائفية مضادة (من مصريين أقباط)، وفي استبدال الاشتباك الصريح مع واقع الطائفية والتمييز والتفكير في الأدوات القانونية والسياسية والمجتمعية المتاحة لتغييره بإدانات رسمية محدودة المضمون لأحداث العنف المتكررة وبمظاهر زائفة يصنعها عناق رجال الدين الإسلامي والمسيحي الذين تجمعهم الرغبة في الدفاع عن مصالح مؤسساتهم ومكتسباتهم الشخصية، كما يجمعهم اضطهاد أصوات الحرية داخل مؤسساتهم والعداء لمجموعات ذات تفضيلات دينية أخرى كالبهائيين ولمجموعات ذات تفضيلات قيمية مغايرة كالمثليين جنسيا.

تنهكنا التناقضات الأخلاقية بين حكومة تدفع بعزمها على «إصلاح الخطاب الديني»، بينما هي من جهة تتجاهل أن الإصلاح الديني لا يفرض من على ولا ينزل واقعا مجتمعيا جديدا بفعل سياسة حكومية معلنة، ومن جهة أخرى تستتبع المؤسسات الدينية الرسمية لتقضي على استقلاليتها وتفرض عليها تأييد الحاكم والاحتفاء ببطولاته ودعوة الناس إلى طاعته والامتناع عن معارضته.

نحن مجتمع منهك، غير أننا لسنا ضعفاء. قد تعجز الحكومة والمعارضة عن صياغة سياسات متوازنة لإخراج البلاد من أزماتها، إلا أن الاحتجاجات العمالية والنقابية والشبابية والطلابية ستصنع حتما السياسات البديلة. قد تسيطر مقولات الوطنية الشوفينية ومفردات التخوين على الحكام ومعارضيهم، غير أن مبدعات ومبدعي مصر من الأدباء والفنانين والسينمائيين والموسيقيين الذين لم تفسدهم السياسة ينتجون مقولات ومفردات أخرى تحل بها قيم الجمال والانفتاح على الآخر محل الشوفينية والتخوين. قد تتورط الأغلبية في خطاب كراهية الآخر وفى تمرير الطائفية المقيتة وفى النفاق الجماعى بشأن التفضيلات الأخلاقية ومعايير الحلال والحرام المتصورة، إلا أن بمصر نفر من مواطنات ومواطنين يسعون لنشر الحب وثقافة التسامح وقبول الآخر دون شروط مسبقة.

منهكون نعم، ضعفاء لا.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.