لأن ثقافة التعددية الحقة بمضمونيها الرئيسيين، التوافق على أهمية التنوع في الرؤى والأطروحات والبرامج بهدف تحقيق صالح الناس والتسليم بضرورة إدارة نقاش علني بين المختلفين يستند إلى قاعدة قبول الآخر، غائبة عن مصر، فإن القليل المتبقي من فضاء عام ومن نقاشات عامة صار يتسم بتشوهات بالغة وخطيرة. نخبة الحكم، ومعها مؤسسات الدولة والأجهزة الرسمية، راغبة بالأساس في فرض وتمرير أجندة سياسية واقتصادية واجتماعية وضعت هي بنودها بمفردها واستبعدت منها ما لا يناسبها وحالت بين القوى المعارضة وبين المشاركة الفعالة في مناقشتها. أما قوى المعارضة فتعيد إنتاج جوهر الاستبعاد هذا فيما بينها إن على أرضية خلافاتها السياسية والإيديولوجية أو بالاقتصار على مقارعة أجندة نخبة الحكم (على النحو الذي أظهره مؤخرا السجال الذي دار بشأن قضية جزيرتي تيران وصنافير، حيث قارعت المعارضة شعبوية الحكم بشعبوية بديلة ومقولاته الوطنية الشوفينية بشوفينية وطنية بديلة) وتهميش قضايا مركزية تستحق الاهتمام كأوضاع المواطنين المعيشية والتدهور المستمر فيما يحصلون عليه من خدمات أساسية وانتهاكات حقوق الإنسان المتراكمة.

ولأن تشوهات القليل المتبقي من فضاء عام ومن نقاشات عامة أضحت بالغة وخطيرة، فإن العديد من المفاهيم والمقولات المتداولة في مصر تظل إما غامضة أو خالية من المضمون أو سيئة الوقع على مسامع الناس. على سبيل المثال، تسجل نخبة الحكم وقوى المعارضة على حد السواء الرفض القاطع للإرهاب والعنف والإقصاء والكراهية دون إدراك العواقب الكارثية لسلطوية الحكم ولعدم اعتداد المعارضة في فعلها اليومي بقيمة الفرد / الإنسان / المواطن وحقوقه المتكاملة. البديل الوحيد للإرهاب والعنف والإقصاء والكراهية هو الإدارة السلمية للاختلاف في مجتمعنا، والديمقراطية هي في الجوهر منهج وإجراءات الإدارة السلمية للاختلاف التي تسمح بتعددية الرؤى والفاعلين وبتداول السلطة بينهم في إطار من حكم القانون والمشاركة الشعبية.

والتغلب على الإرهاب وتوابعه يبقى مرهونا بتجاوز نخبة الحكم والمعارضة لفهم شؤون السياسة بصيغة المعادلات الصفرية التي ترتب لدى الحكام النزوع إلى رفض الآخر وتغليب النهج الأمني والعمل على إخضاع المواطن والمجتمع ومؤسسات الدولة لإرادتهم الانفرادية، وتدفع أيضا بالمعارضين إلى تبني الأفكار الراديكالية وأحاديث التخوين وأوهام احتكار الحقيقة المطلقة. مثل تلك القناعات والأفكار ليس لها سوى أن تنتج عسكرة شاملة للمجتمع وللسياسة تتناقض جذرياً مع الفكرة الديمقراطية وتعمق من مأزق البحث عن فرص وإمكانات التحول باتجاهها. مصر في معية أزمة كبرى، تراوح معها عاجزة عن حسم أسئلة العلاقة بين الفرد / الإنسان / المواطن والمجتمع والدولة، ودور الدين في المجتمع والفصل بين الدين ومؤسساته وبين الحكم، ومضامين مدنية السياسة، ومبادئ المواطنة كجوهر ناظم للعلاقة بين الأغلبية والأقليات.

في مصر أيضا، ترتب تشوهات القليل المتبقي من فضاء عام ومن نقاشات عامة استمرار اختزال مفهوم عظيم الأهمية كمفهوم العلمانية إلى مفهوم سيء السمعة وسيئ الوقع على مسامع الناس. اللسان الشعبي يستخدم العلمانية كأحد مترادفات معاداة الدين أو العمل على فصل الدين عن المجتمع، بل وقد يصل الأمر أحياناً إلى الربط بينها وبين الإلحاد والكفر. وفي كل ذلك الكثير من الجهل والتعميم والمفزع من الافتئات على أحد أهم مرتكزات المجتمعات والدول الحديثة.

فمفهوم العلمانية يحتوي على أربعة مضامين رئيسية. الأول هو المساواة الكاملة بين المواطنات والمواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. فمن رحم العلمانية ولد مفهوم المواطنة المدنية الجامعة، وكفلت الدول الحديثة في دساتيرها وتشريعاتها حقوق اجتماعية وسياسية متساوية لأبناء الوطن الواحد من أتباع الديانات المختلفة. والمضمون الثاني هو حرية ممارسة التعاليم والشعائر الدينية في إطار من المساواة القانونية لا يفرق بين دين الأغلبية ودين أو ديانات الأقلية ويحمي التعددية القائمة. فتقديم المواطنة المدنية على الانتماءات الدينية استتبع التزام الدول الحديثة مبدأ الحياد التام تجاه الدين بالامتناع في فعلها ومؤسساتها عن التمييز، إن الإيجابي أي المحاباة أو السلبي أي الاضطهاد، باسم الدين. والمضمون الثالث هو خضوع المؤسسات والهيئات الدينية، كغيرها من الهيئات الحكومية وغير الحكومية في المجتمعات والدول الحديثة، لرقابة السلطات العامة خاصةً السلطة القضائية بهدف المنع المسبق لتجاوزات قد تحدث داخلها أو الكشف اللاحق عنها ومعاقبة مرتكبيها. فالعلمانية تستند إلى نظرة واقعية للمؤسسات والهيئات الدينية لا ترى بها مجرد كيانات «نقية» أو «طاهرة» لا يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها ولا تضفي قداسة على رجال الدين ومن ثم تعاملهم كغيرهم من المواطنين المسؤولين عن أفعالهم أمام القانون. أما المضمون الرابع لمفهوم العلمانية فيتمثل في تحول الدين بتعاليمه ومؤسساته وهيئاته ورجاله (والقليل الوجود من نسائه) ليصبح أحد الإطارات والأنساق القيمية الموجهة لحركة المجتمعات والدول الحديثة وليس الإطار أو النسق الوحيد. لا تعادي المجتمعات والدول الحديثة الدين، بل تمزج في تشريعاتها وتنظيمها بين معايير دينية وأخرى وضعية على نحو يبتغي تعظيم مساحات الكفاءة والرشادة والعقلانية والحرية ويحول دون تسلط جهة باسم الدين على بقية المجتمع.

لا ترتبط العلمانية، إذاً، بمعاداة الدين أو فصله عن المجتمع. إنما هي قبل كل شيء وفي الجوهر محاولة لتنظيم دور الدين في المجتمع ودمجه في إطار حديث يضمن المساواة بين المواطنات والمواطنين ويحمي التعددية والحرية الدينية، وبرنامج دستوري وقانوني وسياسي لفصل الدين عن الحكم ومنع الحكام من ادعاء القداسة باسم الدين وإخضاع المؤسسات والهيئات الدينية لمبادئ سيادة القانون. وما شعار ثورة 1919 المصرية الخالد «الدين لله والوطن للجميع» سوى صياغة مصرية أصيلة وديمقراطية لهذا الجوهر لامست بصدقها وعمقها ضمائر الملايين من المصريات والمصريين، قبل أن ينال مفهوم العلمانية ما ناله من اختزال الجهل والتعميم والافتئات وقبل أن تجعل منه تشوهات القليل المتبقي في مصر اليوم من فضاء عام ونقاشات عامة مفهوما سيئ الوقع على مسامع الناس.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.