في الثلث الأخير من القرن العشرين، بدت أنماط التقدم في المجتمعات الغربية وكأنها بلغت حدودها القصوى. على وقع تصاعد الأزمات المجتمعية كتراجع معدلات النمو الاقتصادي وتزايد نسب البطالة والتهديدات الإيكولوجية للوجود الإنساني وخطر تيارات العنف العنصري والأصولي والإيديولوجي وعزوف المواطنين عن السياسة إن غضبا من السياسات أو فقدانا للثقة في السياسيين، تحركت نخب الحكم في أمريكا الشمالية وشمال وغرب أوروبا واليابان للتفكير في سبل استعادة مرتكزات الأمن والاستقرار وتجديد مضامين الديمقراطية التي لا حياة لها دون رضاء الناس.

كذلك شهدت ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين تراجعا عالميا لدور الدولة الوطنية بعيدا عن الغرب، إن على أرضية صراعات عرقية ومذهبية أو في سياق فشل عمليات التحديث المجتمعية والتنمية الاقتصادية. ورتب هذا التراجع بروز قوى سياسية ودينية معارضة مارست عنفا غير مسبوق في مناطق كالبلقان في أوروبا وفي الشرق الأوسط وفي عديد البلدان الإفريقية والآسيوية، وهددت على نحو مباشر مؤسسات وأجهزة الدولة الوطنية مستهدفة إما السيطرة عليها أو إسقاطها، وأنتجت عملية إحياء شاملة لرؤى تقليدية حول المجتمع والسياسة ترفض الحداثة العلمانية بفصلها بين الحكم وبين هويات الناس الدينية والمذهبية والعرقية والمناطقية وبين الحكم وبين السلطات الدينية. وكانت الحصيلة الكارثية هي تسابق وحشي بين نخب حكم الدولة الوطنية والقوى البديلة على احتكار أدوات العنف واستخدامها ضد المواطنين في يوغسلافيا السابقة في تسعينيات القرن العشرين وما بعدها وفي مجمل الشرق الأوسط منذ الثمانينيات وإلى اليوم.

ثم شكل في السنوات الأخيرة للقرن العشرين السقوط المدوي لدول المعسكر الاشتراكي، جزئياً في إطار حركات احتجاج شعبية واسعة، عاملا إضافيا في بلورة حالة عالمية من «القلق الوجودي» انتقلت من الشمال والغرب إلى الجنوب والشرق. وتواكبت تلك الحالة مع إجهاز عمليات العولمة الاقتصادية والثقافية والبشرية على أوهام انحصار عدم الاستقرار المجتمعي وأخطار العنف في مجتمعات بعيدة عن أمريكا الشمالية وشمال وغرب أوروبا واليابان. المعاناة من ظواهر مثل ثقب الأوزون ومرض الإيدز وأخطار التكنولوجيا النووية والبطالة والفقر والعنف لم تكن مع نهايات القرن العشرين قاصرة على بلدان أو مناطق بعينها، بل امتدت إلى كل أرجاء المعمورة. ولحقت بها ظاهرة الإرهاب التي عولمتها جرائم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2011 في الولايات المتحدة الأمريكية وما تلاها من جرائم في بريطانيا وإسبانيا وغيرهما من البلدان الأوروبية.

وفي بلاد العرب، بدت أحاديث التقدم والتحديث والتنمية والديمقراطية على خلفية هيمنة ثقافة العنف الإقصائية والغياب الكامل لقيمة المواطن كفقاعات هواء لا محتوى لها.

ومنذ نهايات القرن العشرين وإلى اليوم، وباستثناء الانتفاضات الديمقراطية في 2011 و2012، لم تتراجع بين ظهرانينا مقولات تبرير العنف والإرهاب، إن في صياغتها القومية العلمانية أو الدينية الأصولية، وتحولت إلى وباء شامل يطيل عمر الظلم والاستبداد وانتهاك حقوق وحريات المواطن. عربيا، تعثرت التحولات الديمقراطية بفعل هيمنة نخب حكم سلطوية وغياب إرادتها الإصلاحية، وبفعل تهافت معارضيها. وعانت الدولة الوطنية من ضعف متنام لفاعلية مؤسساتها وأجهزتها، وتآكل خطير في شرعيتها المجتمعية.

الدولة الوطنية بات وجودها مهددا في سوريا واليمن وليبيا، وكاد أن يفقد المعنى والمضمون في العراق ولبنان، وتوارى مشروعها التحديثي في المغرب والجزائر ومصر وغيرها. في عموم بلاد العرب، أخفقت الدولة الوطنية إما في إنجاز مهمة دمج قوى وكيانات المجتمع في إطار حكم القانون ومواطنة الحقوق المتساوية وبشيء من التوزيع العادل للثروة، أو في تحقيق الأهداف التنموية وتقديم الخدمات الرئيسية التي وعدت بها في قطاعات حيوية كالتعليم وفرص العمل والصحة والضمانات الاجتماعية، أو أخفقت في المهمتين معا.

الكثير من الأزمات المجتمعية وتحديات السياسة العربية اليوم يرتبط مباشرة بهيمنة ثقافة العنف والإرهاب وبإخفاق الدولة الوطنية التي تسيطر عليها نخب حكم سلطوية تحايلت على الانتفاضات الديمقراطية في 2011 و2012 ولم تتورع عن قتل وقمع وتعذيب المواطنين للبقاء في مواقعها. أما تيارات وحركات المعارضة، وبالإضافة إلى كون القيود القانونية والأمنية المفروضة على حركتها السياسية ومساعيها لبناء قواعد شعبية ترتب ضعفها شأنها في ذلك شأن أخطاء المعارضات الذاتية من غياب للديمقراطية الداخلية وتهافت للتنظيم إلى جمود القيادات، فلغياب فاعليتها وعجزها عن مواجهة نخب الحكم ودفع بلاد العرب باتجاه عمليات تحديث وتنمية حقيقية وباتجاه تحول ديمقراطي تدريجي العديد من الأسباب الأخرى المسكوت عنها. فالمصالح الاقتصادية والاجتماعية للعديد من المعارضين العرب خلقت حالة من التحالف العضوي بينهم وبين نخب الحكم، وأبعدتهم عملا عن المطالبة بتحولات ديمقراطية وتداول للسلطة. وأفقدت هشاشة القواعد الاقتصادية والاجتماعية للبعض الآخر من تيارات وحركات المعارضة القدرة على منافسة نخب الحكم، وكرست لسيطرة لا تنازع للأخيرة على مؤسسات وأجهزة الدولة وبالتبعية لهيمنتها على المجتمع.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.