فى مصر، يروج لتوجه بائس بشأن تعديلات دستورية تطيل سنوات الفترة الرئاسية (من ٤ إلى ٦ سنوات)، وتزيد من سلطات رئيس الجمهورية على حساب صلاحيات البرلمان والحكومة.

دعكم، أعزائي القراء من الدفوع الواهية التي يقدمها «طيور ظلام المرحلة» لتبرير تعديل الدستور، كعدم احتمال البلاد لإجراء انتخابات رئاسية كل أربع سنوات لدواعي الاستقرار وترشيد النفقات أو كاحتياج رئيس الجمهورية إلى أكثر من أربع سنوات لتنفيذ وعوده الانتخابية قبل أن يعود اسمه مجددا إلى صناديق الاقتراع أو كمحدودية السلطات والصلاحيات التي يقرها الدستور لرئيس الجمهورية وضرورة تمكينه من المزيد لكي يستطيع ممارسة مهامه بفاعلية.

فتلك الدفوع، وهي تجري على ألسنة اعتادت تبرير جميع أفعال الحكم دون اعتبار لقيم الحق والحرية والعدل، إما تفتقد المعنى أو المصداقية أو تفتقد كليهما معا.

فلا معنى لادعاء أن إجراء الانتخابات الرئاسية كل أربع سنوات يتناقض مع أهداف الاستقرار، لأن العبث بدستور أعد قبل أربع سنوات يضرب الاستقرار. وتغيب المصداقية عن حديث ترشيد النفقات الذي يلزم بإطالة سنوات الفترة الرئاسية حين تأتي به أصوات اعتادت الصمت على التبذير الحكومي، وتبرير التعامل غير الرشيد مع الموارد العامة (بالتأكيد طالع بعضكم تقارير أهل الاختصاص العديدة المتعلقة بتفاصيل توظيف الموارد العامة في المشروعات الكبرى كتفريعة قناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة وتضخم تكاليفها بسبب التعليمات بضغط الفترة الزمنية المحددة للتنفيذ) طالما لم يحظ هذا وذاك بامتعاضات الحاكم ونخبته أو تلاقى مع رغباته.

ولا معنى للقول إن تحقيق رئيس الجمهورية لوعوده الانتخابية يقتضي إقرار فترات رئاسية أطول مما تنص عليه المواد الدستورية، لأن تحديد الفترة الرئاسية بأربع سنوات معمول به في الكثير من النظم السياسية ذات البناء المتشابه مع بناء النظام السياسي المصري (النظم الرئاسية). وفي ظروفنا الراهنة، تغيب المصداقية الأخلاقية والسياسية عن الدفع بحتمية إطالة الفترة الرئاسية لدواعي إنجاز برنامج انتخابي لم يصغ من ابتداء.

أما التحجج بمحدودية سلطات رئيس الجمهورية في مقابل تمدد صلاحيات البرلمان والحكومة، فلا يعوزه للدحض، من جهة أولى، سوى النظر إلي المواد الدستورية التي تضمن للرئيس سلطات تنفيذية وتشريعية واسعة تجعل منه مركز القوة الرئيسي في النظام السياسي المصري.

من جهة ثانية، مررت خلال السنوات الماضية قوانين وتعديلات قانونية مثل قانون الأجهزة والهيئات الرقابية وقانون السلطة القضائية أضافت إلي صلاحيات رئيس الجمهورية وعصفت باستقلالية هيئات كالجهاز المركزي للمحاسبات ومرافق عامة كمرفق القضاء التي أضحى رؤساؤها إما يعينون ويعزلون من قبل رئيس الجمهورية أو يختارون من قبله ووفقا لإرادته وتفضيلات الأجهزة التي يحكم من خلالها.

من جهة ثالثة، يسهل تفنيد التحجج بالمحدودية المتوهمة لسلطات رئيس الجمهورية بتحليل موضوعى لحصاد السنوات الماضية في مصر التي اتسمت بالقرارات والسياسات العديدة التي اتخذها الرئيس الحالي دون تدخل أو مراجعة أو مساءلة من قبل حكومة هويتها الحقيقية هي كونها هيئة معاونة للرئيس، وبرلمانا لا عمل له سوى الموافقة على كل ما تدفعه باتجاهه رئاسة الجمهورية والحكومة.

فالفعل التشريعي للبرلمان الحالي حددت ملامحه قبل أي شيء آخر موافقته على مئات «القرارات الرئاسية بقوانين» التي كانت الرئاسة المؤقتة للمستشار عدلي منصور والرئاسة الحالية قد توالتا على إصدارها قبل بدء انعقاد البرلمان في ٢٠١٥، ثم تمريره دون مناقشة فعلية للعدد الأكبر من مقترحات القوانين التي تقدمت بها الحكومة منذ بدء الانعقاد. وبين القرارات الرئاسية بقوانين تعصف بالحقوق والحريات كقانون التظاهر، وبين القوانين التي اقترحتها الحكومة ومررها البرلمان قوانين تنسف في الجوهر مبادئ دولة القانون كقانون الأفراد والكيانات الإرهابية. وهنا وهناك لم يعترض البرلمان، وتكفلت رئاسته وأغلبيته بالتمرير تهليلا وبقمع أصوات البرلمانيين القلائل الذين أرادوا ممارسة شيء من العمل المعارض.

أما الفعل الرقابي للبرلمان، أي فيما خص اضطلاع السلطة التشريعية باختصاصها الأصيل في الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية رئيسا للجمهورية وحكومة، فعنوانه العريض هو الغياب الكامل. فالأغلبية البرلمانية تنظر هي أيضا لذاتها كهيئة معاونة لرئيس الجمهورية، ولا يدرك أعضاؤها إن فرديا أو جماعيا أهليتهم للرقابة على السلطة التنفيذية ومن ثم يتنصلون من واجبهم هذا، فأي برلمان هذا الذي يريدون الحد من صلاحياته، وتمكين رئيس الجمهورية من المزيد من السلطات في مواجهة سطوته التشريعية والرقابية؟ وأين هي تلك النواقص في السلطات والصلاحيات التي تعاني منها رئاسة الجمهورية في مصر ولم تتمكن بسببها من اتخاد القرارات والسياسات اللازمة لاستقرار ونهوض البلاد؟ عن برلمان آخر غير هذا الكائن في قلب القاهرة يتحدثون، وعن رئاسة بلد آخر بكل تأكيد.

ينتفى، إذا، المعنى وتغيب المصداقية عن الدفوع البائسة التي تجري على ألسنة «طيور ظلام المرحلة» للترويج لتعديل دستور يصنع بالفعل نظاما سياسيا مركز قوته هو رئيس الجمهورية، وفي ظروف مصرية تدير بها شئون الحكم رئاسة مطلقة السلطات واقعا لا تراجع ولا تراقب ولا تساءل أو تحاسب. كعادتها، ليس بصخب «طيور الظلام المرحلة» سوى دليل صريح على النزوع السلطوي للحكم في مصر وانعقاد إرادته على اقتناص المزيد من السلطات والصلاحيات لمواصلة الإدارة الانفرادية لشئون العباد والبلاد. فالحكم هو الذي يدفع طيور الظلام للترويج للتوجه البائس لتعديل الدستور، مثلما يلزمهم دوما بتبرير انتهاكات الحقوق والحريات وكافة الممارسات الاستبدادية الأخرى.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.