تعج المكتبة العربية بمئات الكتب التي وثقت تاريخ النكبة الفلسطينية وتهجير أغلب الفلسطينيين من أرضهم العام 1948. ولكن الغالبية الساحقة من أعمال تأريخ النكبة تناولت حياة الفلسطينيين في الشتات، كلاجئين أو كمواطنين في دول أخرى. وتعرضت بعض الكتب القليلة لقصص من عادوا لزيارة بيوتهم بعد عقود، والتجارب القاسية التي مروا بها جراء مشاهدة إسرائيليين يقطنون هذه المنازل. وأذكر كيف كانت أمي تتجنب الحديث إلا فيما ندر عن هجرتها من يافا في الأسبوع الأول من أيار 1948، والألم الذي اعتصرها حين زارت مدينتها وبيتها للمرة الأولى بعد الهجرة في الثمانينيات، وكيف لم يسمح سكان البيت لها بالدخول.

لكن قلة نادرة من الأعمال تعرضت لتأريخ حياة الفلسطينيين الذين بقوا على أرضهم، متحدين السلطات الإسرائيلية التي جعلت حياتهم جحيما ووضعتهم تحت القوانين العسكرية وفرضت عليهم الإقامة الجبرية حتى العام 1966. وبالرغم من اهتمامي الشخصي بمعرفة ما تيسر من قصص شخصية عن حياة من بقي وقاوم وفعل المستحيل للتشبث بأرضه، فلم أجد إلا عددا قليلا من الكتب تؤرخ النكبة من خلال الحديث عن حياة الباقين وليس اللاجئين فقط.

 من هذه الاعمال النادرة كتاب صدر العام الماضي عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بقلم المؤرخ الفلسطيني عادل مناع بعنوان "نكبة وبقاء: حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل". أهمية هذا الكتاب أنه يعتمد الأسلوب البحثي الصارم، ويوثق مرحلة مهمة من تاريخ حوالي مئة ألف فلسطيني يشكلون أكثر من ثلثي من بقي على أرض فلسطين التي احتلتها إسرائيل العام 1948. ويتعرض الكتاب للفترة 1948 - 1956 موثقا لها من خلال مقابلات شخصية لأكثر من مائة فلسطيني عاشوا أحداث تلك المرحلة.

الكتاب يؤنسن معاناة من بقي، ويظهر كيف أن الآلاف من الفلسطينيين لم تقبل بتهجيرها من أرضها، وكيف أنها استطاعت العودة بعد التهجير من لبنان والأردن رغم كل العقبات التي وضعتها إسرائيل في طريقها. كما يظهر بوضوح أن إسرائيل لم تكتف بتهجير الفلسطينيين عام النكبة وحده، بل استمرت في ذلك وبكافة الوسائل حتى العام 1956، من القتل بالدم البارد إلى التهجير القسري ونسف البيوت والغارات المتكررة على القرى للإمساك بمن عاد لبيته، وغير ذلك.

يظهر الكتاب بأسلوب علمي بحثي، مقدار الصمود الذي مارسه من بقي، بالرغم من فقدانه أغلب قياداته السياسية والاقتصادية، ويتعرف القارئ على قصص عديدة لأشخاص فلسطينيين عاديين استخدموا كل الوسائل المتاحة لهم لمنع اقتلاعهم من أرضهم وبيوتهم، كما يلقي الضوء على جهود عدد قليل جدا من المحامين العرب الذين بقوا على أرضهم في الدفاع عن مواطنيهم العرب في الخمسينيات أمام المحاكم الإسرائيلية ومقاومتهم للقوانين الجائرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ونجاحهم في بعض الحالات في ذلك.

تحضرني مواقف البعض وأنا اقرأ عن معاناة من بقي وصمد، ممن يفتي من راحة منزله بعدم جواز التعامل مع هؤلاء الفلسطينيين لأنهم حملوا الجنسية الإسرائيلية، كأن المطلوب تحميلهم فوق طاقتهم من الشقاء حتى يهاجروا من أرضهم، وهم الذين لو لم يقبلوا الجنسية لخسروا ما تبقى من بيوتهم وأرضهم. وبقدرة منطق ملتوٍ، أصبح من بقي خائنا ومن ترك بطلا، والاثنان ضحية ظلم إسرائيلي لم يرحم هذا ولا ذاك.

اليوم، وبسبب من بقي، يقترب عدد الفلسطينيين داخل إسرائيل من المليوني نسمة، استطاعوا إعادة بناء حياتهم من جديد رغم كل المحاولات الإسرائيلية لمنع ذلك. فللذين بقوا على ترابهم تحية، فأنتم من صان الأرض، وحفظ التراث، وحمى الهوية. وستبقون كذلك إلى دهر الداهرين.

تم نشر هذا المقال في الغد.