لا أكتب الكلمات التالية من موقع الخصومة مع السلطة الراهنة فى مصر، وهى خصومة فرضتها هى برفضها التعبير الحر عن الرأى، وإغلاقها للفضاء العام، وتورطها فى انتهاكات لحقوق الإنسان، وتعقبها للمجتمع المدنى المستقل، وإلغائها للمضامين الديمقراطية للسياسة من حيث هى نشاط تعددى يقيم المساواة بين الناس أمام القانون ويحقق التداول السلمى للحكم والتوازن بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية. وليست الكلمات التالية بصادرة من موقع التشفى المريض فى السلطة بعد أن نالتها عقوبات «الحليف الأمريكى»، وبعد أن وضعت تقارير دولية تدين الانتهاكات منذ صيف ٢٠١٣ المزيد من الرتوش السوداء على الصورة القاتمة «لسجل الحكومة المصرية» فى مجال حريات المواطن وحقوق الإنسان. ولست بفرح بكون الاتهامات بالتآمر التى أطلقها على نحو هيستيرى الإعلام المدار أمنيا باتجاه واضعى التقارير الدولية لم تفعل غير أن أكدت إصرار السلطة على التعامل الانكارى مع الانتهاكات، وثبتت امتناعها عن تحمل مسئوليتها الأخلاقية والقانونية إزاء المصريات والمصريين قبل المجتمع الدولى بشأن مساءلة ومحاسبة المتورطين فى الانتهاكات وإنهاء الإفلات الممنهج من العقاب.

كما أن استساغة السلطة لنمط الحكم الفردى المقترن بتغول الأجهزة الأمنية وبإطلاق قبضتها داخل بنية الدولة أو فى وجه المواطن والمجتمع من شأنها أن تعرض البلاد لذات المخاطر الداخلية التى تكالبت عليها قبيل ١٩٦٧، وكانت من بين أسباب الهزيمة. وهذا أمر ليس له سوى أن يخيف كل مصرى يدرك أن تحديات القضاء على الإرهاب واستعادة الأمن وإطلاق التنمية المستدامة إنما تستدعى حضور دولة قوية تتمتع أجهزتها التنفيذية والإدارية والأمنية بشرعية الرضاء الشعبى الناجم عن عدلها وكفاءتها، مثلما تتطلب توافر تأييد طوعى من قبل أغلبية المواطنات والمواطنين للسلطة عماده قبول الأخيرة لسريان مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة على أفعالها وممارساتها وسياساتها واحترامها لحق الناس فى الانتقال الحر من التأييد إلى مواقع الاحتجاج السلمى والمعارضة السلمية وطلب التغيير السلمى دونما تعقب أو عقاب. وجميع ذلك يتناقض مع جمهورية الخوف التى يؤسس لها الحكم الفردى المقترن بتغول الأجهزة الأمنية.

لست براغب هنا فى هجاء السلطة، ولست اليوم بوارد نهر الدفاع المثالى عن الحكومة الديمقراطية والنقد المبدئى لأضدادها. بل أقرع ناظرا إلى حال مصر أجراس التحذير من مغبة استمرار الأفعال والممارسات الرسمية الراهنة التى تراكم الانتهاكات وتفقد السلطة شرعية القبول الشعبى داخليا وتحيلها دوليا إلى خانات الإدانة الدائمة، ومن تداعياتها الكارثية على فرصنا فى بلوغ الأهداف الوطنية التى لا اختلاف بشأنها بين السلطة ومعارضيها، أهداف القضاء على الإرهاب واستعادة الأمن وإطلاق التنمية المستدامة.

أقرع أجراس التحذير من خطر استخفاف السلطة بمطالب المجتمع المدنى المستقل والمعارضين السلميين بشأن صون الحريات وحقوق الإنسان، ظنا منها أن تلك مطالب تأتى من لدن «أقلية مارقة» وأن دواء المروق هو استئصال من يتبنونه. فالثابت أن الأغلبية الشابة من المصريات والمصريين تريد الحرية فى الحياة الخاصة كما فى الفضاء العام، وتثق بأن صون الحقوق هو مفتاح حماية كرامتها وإطلاق طاقاتها المبدعة ومبادراتها الخلاقة، ولا ترى فى نمط الحكم الفردى غير بقايا متحجرة لقديم ولى لن تلبث أن تندثر طوعا أو كرها.

فتغول الأجهزة الأمنية داخل بنية الدولة وخارجها يصطنع وضعا مشوها يصبح معه رئيس الجمهورية، من جهة أولى، فى قراءته لأوضاع البلاد والتحديات التى تواجهها وفى إدراكه لهواجس ومطالب وأمنيات الناس وكذلك فى تحديده للقوانين والقرارات والإجراءات والسياسات واجبة التطبيق اليوم وغدا معتمدا بصورة شبه مطلقة (إن لم تكن مطلقة) على المعلومات الواردة له من الأجهزة الأمنية دون غيرها. ومهما تعددت مسميات هذه الأجهزة وتأرجحت اختصاصاتها وصلاحياتها بين التمايز والتداخل (والأخير يتحول إلى تضارب فى الكثير من الأحيان)، فإنها تظل مثبتة الأذن والأعين وجميع الحواس التنظيمية على فحص المواطن واستشعار المجتمع بحثا عن «المؤامرات» التى تحاك ضد السلطة وتعيينا «للمتآمرين» على «الاستقرار» (وإن لم تجدها أو تجدهم أوجدتهم عنوة). فذلك هو الميل الطبيعى للأجهزة الأمنية فى كل مكان وزمان، وحتما تتلون به المعلومات التى تقدمها إلى رئيس الجمهورية. فيزج إلى صنوف المؤامرات بأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية يعانى منها عموم الناس، وتدرج على قوائم المتآمرين حركات شبابية ومنظمات غير حكومية وقوى ديمقراطية لا تريد لمصر غير الاستقرار الحقيقى. وعندما تتحول معلومات «الأجهزة» إلى مصدر المعلومات الأساسى (إن لم يكن الوحيد) لرئيس الجمهورية، فإن الميل يصير تشوها ويستحيل حديث المؤامرات والمتآمرين سياسة رسمية مكوناتها التعقب والقمع.

من جهة ثانية، يضعف تغول الأجهزة الأمنية كثيرا من مُكنات وقدرات الأجهزة التنفيذية والإدارية ذات الطابع المدنى التى تحتاجها السلطة لتطبيق القوانين والقرارات والإجراءات والسياسات المتخذة. يضع الأمنيون هواجسهم فى صدارة الأولويات الحكومية، ويتدخلون بقوة فى تعيين هوية أصحاب المناصب العليا فى الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية، ويخضعونهم فى أفعالهم وممارساتهم لرقابة «الأمن» ويهمشون عملا دور الأجهزة الرقابية المستقلة (كالجهاز المركزى للمحاسبات) التى يفترض أن يجرى سلطانها على الأمنيين والمدنيين على حد السواء.

تغول الأجهزة الأمنية يفرض على الأجهزة التنفيذية والإدارية ذات الطابع المدنى واقع ضعف المكنات والقدرات، ويواجهها بخطر التحول إلى كيانات تابعة وخائفة إما تعجز عن الاضطلاع بالأدوار الفعالة التى يحتاجها رئيس الجمهورية وحكومته أو تصير مجرد امتداد للأمنيين وهواجسهم. وهى بذلك، وفى الحالتين، تقلل من حظوظ السلطة فى بلوغ أهداف القضاء على الإرهاب واستعادة الأمن وإطلاق التنمية المستدامة.

من جهة ثالثة، ولأن السلطة أماتت السياسة بمضامينها الديمقراطية ومازالت ترفض محاولات إحيائها فإن المكون الأمنى الطاغى يحل محل المكون السياسى الغائب داخل بنية الدولة وخارجها. تحت لافتات «دعم رئيس الجمهورية» و«الدفاع عن الدولة» و«الحفاظ على الأمن القومى»، تختزل المؤسسة التشريعية إلى مساحة تلعب الأجهزة الأمنية دورا أساسيا فى تحديد هوية شاغليها، وتستخدمها لتمرير قوانين وقرارات وإجراءات وسياسات الرئيس وحكومته دون تصويب أو معارضة، ولإنتاج مشاهد فارغة من المصداقية والمضمون للرضاء الشعبى عن السلطة وتأييدها.

ومن جراء ذلك تشوه المؤسسة التشريعية كيانا ووظيفة. فلا تتبلور فى أروقتها أجندة مستقلة للتشريع ولتفعيل المهام الرقابية باتجاه السلطة، وتغل يدها عن مساءلة ومحاسبة الأجهزة الأمنية، وتعجز عن صون حريات وحقوق ومصالح المواطنات والمواطنين الذين يحمل البرلمان مسئولية تمثيلهم. وفى التحليل النهائى، يباعد المكون الأمنى الطاغى بين المؤسسة التشريعية وبين الاضطلاع بالوظائف التى ينتظرها منها المجتمع ومن أجلها يقيمها وينشد استقرارها، من تمثيل الناس استنادا إلى قاعدة الاختيار الحر والتشريع صونا للحريات والحقوق ودفاعا عن الصالح العام إلى الرقابة على رئيس الجمهورية وحكومته بغية التصويب والتعديل ومكافحة الفساد والقضاء على استغلال المناصب الرسمية. بل إن تغول الأجهزة الأمنية دون رقيب أو حسيب يحول بين المؤسسة التشريعية وبين أداء بعض الوظائف المطلوبة منها اليوم من قبل السلطة كصناعة شيء من «الواجهة الديمقراطية»، وتخليق شىء من «المعارضة المستأنسة»، وبناء شيء من «التوافق الشكلي» بين الرئيس وحكومته وبين المعارضة المستأنسة؛ وجميعها أمور قدمتها برلمانات السنوات الأخيرة للرئيس الأسبق السادات وبرلمانات عقود الرئيس الأسبق مبارك، وإن تفاوتت بينها بالقطع مستويات «الفاعلية» ودرجات «الإجادة»!

أما خارج بنية الدولة، ومن جهة رابعة، فيرتب تغول الأجهزة الأمنية مقترنا بإماتة السياسة بمضامينها الديمقراطية تورط السلطة فى حرب إلغاء تتجه إلى المجتمع المدنى المستقل، والأحزاب ذات الحضور الحقيقى بين الناس، والحركات الشبابية والعمالية والنقابية والحركات الاحتجاجية السلمية التى تتبنى مطالب قطاعات شعبية مؤثرة، ووسائل الإعلام المتمسكة بالتعبير الحر عن الرأى والقواعد المهنية. وإذا كانت حرب الإلغاء هذه تضر المواطنات والمواطنين لأنها تقضى على وجود جمعيات ومنظمات وأحزاب وحركات ينخرطون فيها طوعا وتسعى هى للدفاع عن حرياتهم وحقوقهم والتعبير عن مصالحهم مستعينة بالإعلام الحر، وإذا كان المجتمع ككل يضار أيضا لأن ضمان أمنه واستقراره الحقيقيين إنما يرتبط برسوخ المجتمع المدنى والأحزاب والحركات الاحتجاجية والإعلام الحر وفاعلية أدوارها وليس إضعافها؛ فإن حرب الإلغاء تفقد السلطة «لحلفاء محتملين» فى مساعى الإدارة الرشيدة لشئون البلاد.

تظل الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية والأحزاب السياسية والنقابات والحركات الاحتجاجية والإعلام الحر أقرب إلى الناس وأقدر على التعبير عنهم مقارنة بالأجهزة الرسمية تنفيذية وإدارية وأمنية، وتستطيع أن تساعد السلطة على التحديد الدقيق للقوانين والقرارات والإجراءات والسياسات اللازم تطبيقها لتحقيق الصالح العام ومواجهة تحديات القضاء على الإرهاب واستعادة الأمن وإطلاق التنمية المستدامة. وإذا كان توافر السياسة بمضامينها الديمقراطية يقوى وجود ودور المجتمع المدنى والأحزاب والنقابات والحركات الاحتجاجية والإعلام الحر، فإن غياب الأولى وهيمنة نمط الحكم الفردى، على رفضى له، لا يعنيان بالضرورة اختفاء شامل للثانية طالما لم تتغول الأجهزة الأمنية وامتنعت السلطة عن التورط فى حرب الإلغاء وتركت هامشا ولو ضيقا لحكم القانون ولحرية التنظيم وحرية التعبير عن الرأى. وذلك هو جوهر خبرة المجتمع المدنى وبعض الأحزاب والنقابات والحركات الاحتجاجية والإعلام خلال مجمل عقود الرئيس الأسبق مبارك.

فهل تدرك السلطة أن تغول الأجهزة الأمنية داخل بنية الدولة وخارجها يضر ويشوه أكثر مما يفيد ويضبط، ليس فقط بحسابات الدفاع عن الأمن والاستقرار الحقيقيين للدولة والمجتمع بل وبحسابات الحفاظ على أمن واستقرار السلطة؟ ألا يرى القائمون على الأمر أن الانزلاق من نمط الحكم الفردى إلى حكم «الأمنيين» (الأمنوقراطية) يعرضهم لخطر فقدان المصادر المستقلة للمعلومات ويضعف من الأجهزة التنفيذية والإدارية ذات الطابع المدنى التى يحتاجونها للإدارة الرشيدة لشئون البلاد؟ هل يشكون فى أن تشوه المؤسسة التشريعية كيانا ووظيفة يضعف من فرص مصر فى القضاء على الإرهاب واستعادة الأمن وإطلاق التنمية المستدامة مثلما تعمق حرب الإلغاء ضد المجتمع المدنى والأحزاب والنقابات والحركات الاحتجاجية والإعلام الحر واستمرار التعامل الانكارى مع المظالم والانتهاكات ورفض الحوار مع المعارضة السلمية من أزمة شرعية السلطة داخليا وخارجيا؟ لماذا يظن القائمون على الأمر أنّ ترك هامش لحكم القانون وحرية التنظيم وحرية التعبير عن الرأى سيعصف بالسلطة، بينما هو قد يساعدها على إعادة صناعة التوازن داخل بنية الدولة بين الأجهزة التنفيذية والإدارية ذات الطابع المدنى وبين الأجهزة الأمنية ويضمن لها شيء من القبول الشعبى الطوعى ومن التأييد الحقيقي؟

هل يراجعون أنفسهم ويعودون بضع خطوات إلى الوراء؟

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.