يمكن قراءة التعديلات التي مررها مجلس الوزراء المصري على قانون سحب الجنسية المصرية (مررت يوم الأربعاء 20 أيلول / سبتمبر 2017، ومن ثم احيلت إلى البرلمان للمناقشة) على عدة مستويات تمزج بين القانوني والسياسي، وتظهر معا عمق أزمة الحق والعدل الغائبين التي تفرضها السلطوية الجديدة على البلاد.

قانونيا، تنص التعديلات على سحب الجنسية المصرية ممن اكتسبوها عن «طريق الغش أو بناء على أقوال كاذبة»، ومن صدرت بحقهم أحكام قضائية تثبت انضمامهم إلى «أي جماعة أو جمعية أو جهة أو منظمة أو عصابة أو أي كيان» بهدف المساس «بالنظام العام للدولة أو تقويض النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي» إن بالقوة أو بوسائل غير مشروعة أخرى، ومن أدينوا قضائيا في «جريمة مضرة بأمن الدولة» من جهة بالخارج أو الداخل، ومن أدوا الخدمة العسكرية لدولة أجنبية دون ترخيص من السلطات، ومن يعملون مع دولة أو حكومة أجنبية في حالة حرب مع مصر. كذلك تطيل التعديلات من المدة الزمنية التي يمكن خلالها سحب الجنسية ممن اكتسبها عن طريق التجنس أو الزواج من خمس إلى عشر سنوات، وتؤجل حق اكتساب الجنسية عن طريق الأم إلى سنتين بعد الميلاد بدلا من سنة واحدة وفقا للنصوص المعمول بها حاليا وتقصره على الأبناء القصر للأم المصرية مستبعدة الأبناء البالغين أصحاب الحق في التجنس وفقا للنصوص الحالية.

وإذا كان سحب الجنسية ممن اكتسبها عن طريق «الغش أو الكذب» هو أمر يعمل به في العديد من البلدان، الديمقراطية وغير الديمقراطية على حد السواء، فإن كافة النصوص الأخرى الواردة في تعديلات مجلس الوزراء المصري تتسم بطبائع فاشية ورجعية صريحة.

أما الطبيعة الفاشية فيدلل عليها النص الذي يقضي بسحب الجنسية من المصريات والمصريين حال الانضمام إلى كيانات تهدد النظام العام للدولة أو تقوض نظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو حال الإدانة بجرائم مضرة بأمن الدولة. فمن جهة، توظف هنا صياغات مطاطية مثل النظام العام والتقويض والوسائل غير المشروعة التي تغيب تعريفاتها القانونية والقضائية المنضبطة، وتكرر استخدامها في الكثير من القوانين والتعديلات القانونية التي مررت منذ صيف 2013 كقوانين التظاهر والإرهاب والجمعيات الأهلية والمادة 78 المعدلة من قانون العقوبات، وتطلق من ثم يد السلطوية الجديدة في إدانة المغضوب عليهم من المصريات والمصريين بجرائم هلامية وإجبار المحاكم على إنزال العقاب بهم سلبا للحرية وللملكية الخاصة وفي المستقبل سلبا للجنسية. من جهة ثانية، ولأن القوانين المعمول بها حاليا تعاقب المدانين إن بجرائم منضبطة التعريف كجرائم الإرهاب واستعمال القوة المسلحة ضد السلطات أو بالجرائم الهلامية كتهديد النظام العام تارة بسلب الحرية وتارة بسلب الملكية الخاصة وأخرى بالحرمان من المناصب العامة، فإن الإيغال في العقاب بسحب الجنسية المصرية وكأنها «منحة قابلة للنزع» من قبل الحكام وتبعات ذلك المتمثلة في إلغاء كافة الحقوق المدنية والسياسية التي يرتبها التمتع بالجنسية يثبت فاشية السلطوية الجديدة. من جهة ثالثة، ولأن الجنسية في الدستور المصري (دستور 2014) وفي المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين التي وقعت وصدقت عليها الحكومات المصرية المتعاقبة هي حق أصيل لا يسلب أبدا بإعمال الإرادة الفردية للحكام حتى وإن تموضعت قانونيا (بفعل صياغات مطاطية) وقضائيا (في ممارسات يعوزها العدل)، فإن مخالفة مجلس الوزراء المصري لدستور البلاد وللمواثيق الدولية بتمرير التعديلات تعني تورطه هو في الإخلال (تغييرا وتعطيلا) بالأسس الدستورية والقانونية الضامنة لحقوق وحريات المواطن ولإدارة شؤون البلاد على نحو يدفع به وبها إلى هاوية الاستبداد والفاشية.

والحقيقة أن الإرث القانوني للفاشيات الأوروبية كالنازية في ألمانيا بين 1933 و1945 حضرت به قوانين «لسحب الجنسية» تتشابه نصوها بوضوح مع التعديلات المصرية، كقانون سحب الجنسية الذي مرره النازيون في 14 تموز / يوليو 1933 ووظفوه ليس فقط لنزع جنسية من صنفوهم «كغير آريين» بل لتعقب وعقاب البرلمانيين والسياسيين والكتاب والفنانين الذين عارضوا جرائم النازيين وسلبت حريتهم وألقوا في السجون ومعسكرات الاعتقال في ألمانيا أو أجبروا على الفرار إلى خارجها.

وفيما خص الطبيعة الرجعية للتعديلات التي مررها مجلس الوزراء المصري على قانون سحب الجنسية، فهي ترتبط بإهدار الحق الأصيل للمصرية في منح الجنسية لأبنائها البالغين وبالتضييق على ممارسة ذات الحق فيما خص الأبناء القصر. فبعد نضال حقوقي وسياسي ومجتمعي طويل للمصريات ومعهن المصريون المنادون بالمساواة الكاملة في الحقوق والحريات بين النساء والرجال، بعد نضال طويل توجه قبل 2011 إقرار حق المصريات في منح الجنسية لأبنائهن دون تمييز بين قصر وبالغين، يأتي حكام البلاد الحاليين ليهدروا الحق وينقلبوا على النضال الذي رتبه بجرة قلم. بل أن النزوع الرجعي للسلطوية الجديدة يخترق بضيق أفق وبلادة بيروقراطية الاشتراطات الزمنية لتجنيس الأبناء القصر للمصرية، فيطيل منها رغبة في التضييق العملي على ممارسة المتبقي من الحق بعد الإهدار الأثيم.

سياسيا، ولأن توقع عدم إقرار البرلمان (مجلس النواب) لتعديلات قانون سحب الجنسية يظل أمرا مستبعدا بالنظر إلى السيطرة الأمنية والاستخباراتية شبه الكاملة على الأغلبية البرلمانية وسوابق تلك الأغلبية في تمرير كل ما يدفعه مجلس الوزراء باتجاهها من مشروعات لقوانين ولتعديلات قانونية، تظهر هذه التعديلات تمادي السلطوية الجديدة في غي ترويع المواطن والمجتمع وتهديدهما الدائم بالتعقب والعقاب حال عدم الامتثال للإرادة الفردية للحكام. فسلب الجنسية المصرية عن المعارضين في داخل البلاد وخارجها، والذي ستفتح له الأبواب قانونيا وقضائيا حال إقرار مجلس النواب للتعديلات، يجمع بين استهدافهم لشخوصهم وبين إشهار سيف التعقب والعقاب في وجه كل من قد تسول له نفسه الامتناع عن طاعة «أولي الأمر» أو التعبير الحر عن آراء ترفض سياساتهم وأفعالهم. لا تختلف تعديلات قانون سحب الجنسية هنا عن نصوص ترويع المواطن والمجتمع التي تحويها قوانين التظاهر والإرهاب والجمعيات الأهلية وغيرها، وتتطابق معها أيضا في تعميق أزمة الحق والعدل الغائبين في مصر التي تسقط في هاوية الفاشية والرجعية واستعداء قطاعات مجتمعية واسعة على الحكم والحكام.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.