من بين ما انتهت إليه الانتخابات الفيدرالية في ألمانيا (أجريت فى 24 سبتمبر 2017) كان حصول حزب اليمين المتطرف «البديل لألمانيا» على 12.6 بالمائة من أصوات الناخبات والناخبين ومن ثم على 94 مقعدا في البرلمان الفيدرالي الجديد (العدد الإجمالي للمقاعد في برلمان 2017 ــ 2021 هو 709).

ليست هي المرة الأولى التي يصل بها حزب يميني متطرف إلى البرلمان الفيدرالى بعد هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية (1939ــ 1945) وتأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية (أسست في الشطر الغربي في 1949، وفرضت نظمها الدستورية والقانونية والسياسية والاقتصادية على مناطق ألمانيا الشرقية السابقة حين تحققت الوحدة في 1990). فقد حدث ذلك في خمسينيات القرن العشرين، وتمكنت أحزاب يمينية متطرفة من حصد مقاعد برلمانية قليلة، وطرحت آنذاك خطابها الوطني الشوفيني الرافض للتصالح مع بعض حقائق ما بعد هزيمة النازية (خاصة الاقتطاعات الإقليمية التي تعرضت لها ألمانيا في الشرق والجنوب الغربي) والرافض أيضا لقوانين محاسبة المسئولين النازيين السابقين واستبعادهم من وظائفهم الحكومية.

وإذا كان اليمين المتطرف قد غاب عن البرلمان الفيدرالى منذ الستينيات لعدم تمكن أحزابه من تجاوز حاجز الـ٥ بالمائة من أصوات الناخبات والناخبين الذي يؤهل للتمثيل في البرلمان، فإن حضوره في برلمانات الولايات الألمانية (غربا بين ١٩٤٥ و١٩٩٠، ثم في عموم ألمانيا منذ ١٩٩٠) لم ينقطع. فى برلمانات الولايات تاريخيا، تراوحت نسب مقاعد أحزاب اليمين المتطرف بين ٥ و١٠ بالمائة واتسمت أدوارها كأحزاب أقلية صغيرة بغلبة الطابع الشعبوي المعادي لوجود الأجانب في ألمانيا والمناهض لعمليات الاندماج الأوروبى التي أنتجت أولا السوق المشتركة ثم الاتحاد القائم اليوم. تاريخيا أيضا، لم تقبل الأحزاب السياسية التقليدية كالمسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي والاشتراكي الديمقراطي والديمقراطي الحر أو الحديثة كالخضر واليسار (الأخير خرج من عباءة الحزب الشيوعي الذي حكم ألمانيا الشرقية السابقة قبل ١٩٩٠)، لا الائتلاف ولا التعاون أو التنسيق مع اليمين المتطرف.

في الولايات الواقعة في شرق ألمانيا، تغيرت صورة الحضور المحدود وغير المؤثر لأحزاب اليمين المتطرف خلال السنوات القليلة الماضية. ارتفعت نسبهم في برلمانات ولايات ساكسونيا وبراندنبورج ومكلينبورج ــ فوربومرن وساكسونيا ــ انهالت إلى فوق ١٠ بالمائة، بل تخطت في بعض البرلمانات ٢٠ بالمائة. وأسهم تأسيس حزب «البديل لألمانيا» في فبراير ٢٠١٣، وانصهار العديد من الكيانات الصغيرة لليمين المتطرف بداخله في استحداث واجهة حزبية موحدة قادرة على المشاركة بكثافة في انتخابات الولايات وعلى الفعل السياسي على المستوى الاتحادي، وقادرة من ثم على اجتذاب المزيد من الاهتمام الشعبي والإعلامي.

ودفعت بذات الاتجاه عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية متنوعة، منها انتشار الحركات العنصرية والمجموعات النازية الجديدة في شرق ألمانيا التي لم يتردد حزب «البديل لألمانيا» في الانفتاح عليها ودمج مفرداتها ومضامينها في خطابه العلني. يوظف العنصريون والنازيون الجدد المصاعب المجتمعية التي رتبها استقبال ألمانيا لما يقرب من مليون لاجئ في ٢٠١٥ بغرض الترويج من جهة أولى لخطاب كراهية ضد الأجانب وضد الإسلام (جاءت الشريحة الأكبر من اللاجئين من سوريا ومن بلدان أخرى ذات أغلبيات سكانية مسلمة)، ومن جهة ثانية لخطاب «خوف من الغرباء» الذين قدموا للدراسة وللعمل وللحياة ويوصفون كطفيليين يستنزفون رخاء وتقدم ألمانيا (مثلما كان العنصريون والنازيون القدامى يوصفون اليهود الألمان أي اليهود من مواطني البلاد كمصاصي دماء وطفيليين). مثل هذه المفردات والمضامين يستخدمها بعض سياسيي حزب «البديل لألمانيا» على نحو ممنهج، وعليها اعتمدوا في صياغة خطابهم الانتخابي في انتخابات برلمانات الولايات خلال السنوات القليلة الماضية وفي الانتخابات الفيدرالية الأخيرة (من يبحث عن نموذج لتلك الحالة بين سياسيي «البديل لألمانيا»، يستطيع أن يجدها عند المرشح الرئيسي للحزب في الانتخابات الفيدرالية ألكسندر جوالاند).

ومن العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مكنت اليمين المتطرف أيضا من اجتذاب المزيد من الاهتمام الشعبي والإعلامي تأتي الأزمات المتتالية التي يواجهها الاتحاد الأوروبى وتداعياتها على ألمانيا. فلأنها تملك الاقتصاد الأكبر في أوروبا ولأنها المستفيد الاقتصادي والتجاري الأول من الاندماج الأوروبي ومن العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، تدخلت ألمانيا أكثر من مرة لإنقاذ الاقتصاديات المتعثرة لبعض البلدان الأوروبية من إيرلندا إلى إسبانيا والبرتغال واليونان وضخت أموالا طائلة لمنع انهيار العملة الموحدة. وحمل ذلك الخزانة الألمانية وبالتبعية دافعي الضرائب بين المواطنات والمواطنين أعباء إضافية، ونتج عنه ارتحال أعداد كبيرة من الشباب الأوروبى في البلدان المتعثرة إلى سوق العمل الألمانية بحثا عن الوظيفة والدخل والتأمينات الاجتماعية وحدثت من جراء ذلك بعض الإزاحات في سوق العمل كان ضحاياها الرئيسيون هم العمال والمهنيون الألمان أصحاب المؤهلات التعليمية والمهنية المتوسطة. استغل اليمين المتطرف، ممثلا في حزب «البديل لألمانيا»، الأزمات الأوروبية وذيوع «الامتعاض من أوروبا» بين بعض القطاعات الشعبية للعزف على أوتار يعرفونها جيدا، أوتار «ألمانيا أولا»، و«الألمان قبل الأوروبيين الكسالى»، و«استعادة وطننا ومجتمعنا لنا»، وغيرها. مثل هذه الأوتار، ونظائر لها ترددت أصداؤها في بريطانيا قبل استفتاء الانفصال عن الاتحاد الأوروبي وفي الولايات المتحدة الأمريكية قبل انتخاب دونالد ترامب رئيسا وفي فرنسا أثناء الصراع الانتخابي على الرئاسة بين ممثلة اليمين المتطرف ماري لوبن ومرشح التقدم إيمانويل ماكرون، ساعدت حزب «البديل لألمانيا»على تخليق موجة للوطنية الشوفينية مكنته على الرغم من انحصارها جغرافيا في الولايات الشرقية من حصد المزيد من أصوات الناخبات والناخبين في برلمانات الولايات وفي البرلمان الفيدرالى. ففي الانتخابات الفيدرالية الأخيرة، صوتت على سبيل المثال الهيئة الناخبة في ولاية شرقية وحيدة هي ولاية ساكسونيا (وهي الولاية التي شهدت ميلاد الحركة النازية الجديدة المسماه «بيجيدا») لحزب «البديل لألمانيا» بصورة أعطته من الأصوات ما تفوق به على الحزب المسيحي الديمقراطي (حزب المستشارة أنجيلا ميركل) وعلى كل الأحزاب الأخرى. وفي بقية الولايات الشرقية، حصد اليمين المتطرف نسبا تقترب من ٢٠ بالمائة في انتخابات برلمانات الولايات وفي انتخابات البرلمان الفيدرالي.

يستحق الصعود النسبي لليمين المتطرف في ألمانيا أن تشتبك معه الأحزاب السياسية الديمقراطية يمينا ويسارا وأن يشتبك معه المجتمع المدني الحامل لقيم الحرية وحقوق الإنسان، لكيلا تقترب ألمانيا بتاريخها الصعب قبل ١٩٤٥ من أوضاع مشابهة لما يحدث منذ عقود في النمسا وهولندا وبالبلدين تحولت أحزاب اليمين المتطرف إلى مكون أساسي ودائم للمشهد السياسي أو لما يحدث منذ سنوات في فرنسا التي ينافس بها اليمين المتطرف بقوة على المنصب الرئاسي. إلا أن التعامل مع الأمر وكأنه كارثة كبرى حاقت بالديمقراطية الألمانية وباستقرار البلد الأهم في القارة الأوروبية يعد من قبيل المبالغة الزاعقة التي لا تخدم أبدا هدف الاشتباك الموضوعي مع اليمين المتطرف ولا تساعد على سحب البساط من تحت أقدام سياسييه.

ففي نهاية المطاف، صوت ٨٧،٤ بالمائة من الناخبات والناخبين الألمان لمرشحين يرفضون اليمين المتطرف وينتمون لأحزاب يمينية ويسارية متنوعة تلتزم المبادئ والقيم الديمقراطية. جميع تلك الأحزاب يناهض خطاب كراهية الأجانب وخطاب الخوف من الغرباء، ويبتعد تماما عن العزف على أوتار الشعبوية والمقطوعات الوطنية الشوفينية كألمانيا أولا وغيرها، ولن يقبل التنسيق أو التعاون مع اليمين المتطرف تحت القبة الزجاجية للبرلمان الفيدرالي مثلما لم يتورط في تنسيق معه في برلمانات الولايات. بل إن وصول اليمين المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي قد يصبح له انعكاسات إيجابية على الأحزاب السياسية في اليمين واليسار، لأن اشتباكها مع حزب «البديل لألمانيا» والحركات العنصرية والنازية الجديدة الواقفة من وراءه حتما سيعيد لها شيئا من حيوية الرؤى والنقاشات السياسية التي افتقدتها خلال الفترة الماضية.

جيد أن تنتهي صيغة الائتلاف الكبير بين الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي التي حكمت بها المستشارة ميركل في الدورة البرلمانية (والحكومية) السابقة. وجيد أن يأتى ائتلاف آخر به مع المسيحي الديمقراطي (حصل على ٢٦،٨٪ من الأصوات) ومعه شقيقه الصغير الحزب المسيحي الاجتماعي القابع في ولاية بافاريا في جنوب شرق ألمانيا (حصل على ٦،٢٪) حزب صريح في ليبراليته الاقتصادية والسياسية هو الحزب الديمقراطى الحر (حصل على ١٠،٧٪) وحزب صريح في الانتماء إلى اليسار الديمقراطي وأفكار العدالة الاجتماعية والحماية البيئية هو حزب الخضر (حصل على ٨،٩٪). وجيد أن يصير الاشتراكي الديمقراطي (حصل على ٢٠،٥٪) هو حزب المعارضة الأكبر وأن يكون معه على مقاعد المعارضة حزب اليسار (حصل على ٩،٢٪)، وألا يترك أمر المعارضة لشعبويي وشوفينيي اليمين المتطرف. وجيد أن يعود إلى السياسية الألمانية شيء من التمايز بين المسيحي الديمقراطي وهو تاريخيا الحزب المحافظ الذي دوما ما تبنى الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان وبين الاشتراكي الديمقراطى وهو تاريخيا الحزب التقدمي الذي قاد نضال اليسار ضد النازيين في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين ودافع عن الديمقراطية البرلمانية منذ ١٩٤٩ وعن اقتصاد السوق الملتزم اجتماعيا ودولة الرفاهة التي تضمن حقوق العمال وتحمي الفقراء والمهمشين. ليس لحزب «البديل لألمانيا»، وهو هنا يتشابه مع اليمين المتطرف في عموم البلدان الغربية، رؤية اقتصادية أو سياسية واضحة ولا يملك من يمثله في البرلمان تصورات محددة عن دورهم ولن يسعفهم خطاب الكراهية والخوف والقرب من الحركات العنصرية والنازية الجديدة طويلا. وسرعان ما ستكتشف النسبة المحدودة من الهيئة الناخبة (مرة أخرى ١٢،٦٪) التي صوتت له حقيقة غياب فاعليته التشريعية والرقابية، بل إن الانقسامات بدأت تضرب الحزب في اليوم التالي للانتخابات الفيدرالية مباشرة واستقالت منه إحدى عضواته البارزات (فراوكه بتري، وهي حصلت على مقعد في البرلمان الفيدرالى ٢٠١٧ــ٢٠٢١) فاتحة الباب لاحتمالية استقالات إضافية في المستقبل القريب.

ألمانيا ليست في خطر، وديمقراطيتها لها من عناصر التماسك والاستقرار ما يمكنها من احتواء وصول اليمين المتطرف للبرلمان الفيدرالي.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.