وراء أسوار السجون وأماكن الاحتجاز في مصر يقبع ظلما الآلاف من الشباب ومتوسطي العمر وكبار السن، فقط لأنهم تمسكوا بحقهم في التعبير الحر عن الرأي وفي المعارضة السلمية لممارسات وسياسات حكم لا يقبل الرأي الآخر ويرادف بين المعارضة السلمية المشروعة وبين أعمال العنف والإرهاب غير المشروعة. ذلك هو على سبيل المثال حال الصحافي إسماعيل الإسكندراني والمدون علاء عبد الفتاح والصحافي هشام جعفر والمحامي عصام سلطان والمستشار محمود الخضيري (دون مفاضلة بينهم تزين ذكر اسم أحدهم قبل الآخر، فقط بترتيب الشرائح العمرية التي ينتمون إليها من الشباب إلى الشيوخ)، وحال آلاف من المسلوبة حريتهم ولهم من الأسماء ما يعلمها أو يجهلها الرأي العام.

بعد مرور أكثر من أربع سنوات على إلغاء تجربة التحول الديمقراطي وعودة «الجنرالات» إلى الإدارة المباشرة لشؤون البلاد دون إشراك غيرهم وبتسلط ممنهج على المواطن والمجتمع والدولة، لم يتراجع ولو قليلا النزوع الانتقامي للحكم تجاه من رفضوا جملة وتفصيلا «سلطوية ما بعد تموز/يوليو 2013» كعلاء عبد الفتاح وعصام سلطان، وتجاه من عارضوا سلميا ممارسات وسياسات رتبت انتهاكات مفزعة لحقوق الإنسان والحريات وأضرت باستقلال السلطات العامة والمؤسسات التشريعية والقضائية كإسماعيل الإسكندراني والمستشار الخضيري، بل وتجاه من دفعتهم الخشية من أن تغرق مصر في دوامات الصراع إلى البحث عن فرص للمصالحة الوطنية وبناء توافق مجتمعي واسع ينبذ العنف الرسمي وغير الرسمي كهشام جعفر. والحكم بذلك النزوع الانتقامي، وهو يتناقض على نحو شامل مع مبادئ الدولة الحديثة وسيادة القانون وقيم المواطنة التي تكفل للناس حقوقهم وحرياتهم، لا يريد فقط أن يسكت أصوات معارضيه ويفرض عليهم وعلى ذويهم معاناة إنسانية يندى لها جبين كل صاحب ضمير حي. بل يستهدف الحكم والجنرالات القائمين عليه توظيف الانتقام من المعارضين كبرهان سياسة ممنهجة لإظهار العين الحمراء لكل مواطن قد يفكر في المعارضة السلمية أو قد يطالب بإيقاف الانتهاكات المستمرة أو قد يدق ناقوس الخطر من مغبة التسلط على أحوال المجتمع والدولة.

 

«إظهار العين الحمراء» هو سياسة قديمة يجيدها الحكم في مصر، ويحشد العديد من الأدوات الرسمية وغير الرسمية لتنفيذها. فيما خص الأدوات الرسمية، تتصدر الأداة القانونية القائمة ويتكاثف استخدامها منذ صيف 2013 باستصدار قوانين قمعية جديدة كقانون التظاهر وقانون قوائم الإرهابيين والكيانات الإرهابية وقانون الجمعيات الأهلية، وبتمرير تعديلات قانونية تنتهك الضمانات الدستورية لحقوق وحريات المواطن كتعديلات قانون العقوبات والقوانين المنظمة لعمل وصلاحيات القضاء العسكري (وتلك تواصل الزج بالمدنيين أمام القضاء العسكري) والتعديلات الأخيرة على قانون الجنسية (وهذه تنذر بممارسات فاشية قادمة تتعلق بنزع الجنسية عن المعارضين).

بل أن استخدام الأداة القانونية لإخضاع السلطات العامة والمؤسسات الحكومية الواقعة خارج نطاق السلطة التنفيذية لإرادة رئيس الجمهورية (وهو رأس السلطة التنفيذية) تكرر أيضا على نحو ممنهج خلال الأربع سنوات الماضية على ما تبرهن عليه تعديلات قوانين الهيئات الرقابية (وهي هيئات كالرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات مهمتها الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية) والسلطة القضائية (وهي السلطة العامة المنوط بها من بين أمور أخرى مساءلة ومحاسبة شاغلي المناصب الحكومية) التي جعلت أمر تعيين وإقالة رؤساء الهيئات الرقابية والدرجات العليا في المحاكم (كرئاسة محكمة النقض ومجلس الدولة) لرئيس الجمهورية دون غيره. وكذلك تستخدم الأداة القانونية لتعطيل «الاعتيادي» في الواقع المصري وفرض «الطوارئ» حالة قابلة للتجديد دون سقف زمني نهائي، وفي هذا السياق أعاد رئيس الجمهورية فرض حالة الطوارئ منذ أيام قليلة ومن ثم يستمر انعقاد «محاكم أمن الدولة العليا طوارئ» التي تغيب عنها العديد من ضمانات التقاضي العادل (كحق النقض) والتي قررت الحكومة أيضا منذ أيام قليلة إحالة قضايا التظاهر إليها في تصعيد للنزوع الانتقامي من المعارضين وأصحاب الرأي الحر.

وتمتد الأدوات القانونية، أخيرا، إلى سلب حرية مواطنات ومواطنين باستخدام نصوص قانونية مطاطية الصياغة تارة تتيح الحبس الاحتياطي لفترات زمنية طويلة، وتارة تمكن السلطة القضائية من تجديد حبس أمثال إسماعيل الإسكندراني وهشام جعفر دون عمليات تقاضي منضبطة.

أما فيما خص الأدوات غير الرسمية التي يوظفها الحكم في مصر لإظهار العين الحمراء، فثمة طائفة واسعة تشمل القتل خارج القانون والاختفاء القسري والتعذيب داخل السجون وأماكن الاحتجاز.

ولا تقتصر الأدوات غير الرسمية أبدا على المعاملة غير الإنسانية للمسلوبة حريتهم الذين يحال أحيانا بينهم وبين الحق في العلاج والرعاية الصحية، والحق في التواصل مع ذويهم ومن يتولون الدفاع القانوني عنهم، والحق في عدم التعرض لعقوبات إضافية داخل السجون وأماكن الاحتجاز كالحبس الانفرادي ومنع التواجد خارج الزنازين وعدم السماح لهم بمعرفة ما يجري حولهم من خلال الحرمان من مطالعة الصحف وقراءة الكتب، وما خفي كان أعظم.

كتبت الكلمات السابقة لكي أجدد التعبير عن تضامني مع ضحايا النزوع الانتقامي للحكم في مصر، وأجدد رفضي لتجاهل حقهم في أن يعرف الرأي العام بعضا مما يواجهون ظلما وقمعا وتعنتا. كتبتها لأن بلادنا لا خلاص لها من دوامات العنف الراهنة سوى بإيقاف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها والكف عن سلب حرية الأبرياء.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.