من يريد لمصر مجتمعا حرا ومتسامحا ودولة عادلة ومتقدمة، لا يملك ترف الصمت علي العنف ضد النساء أو الامتناع عن التفكير في كيفية توظيف أدوات السياسة لمواجهته. وأدوات السياسة قبل أي شيء آخر هي صناعة القوانين (إنْ بإصدار قوانين جديدة أو بإدخال تعديلات على قوانين معمول بها)، والإشراف على إنفاذ القوانين (بواسطة أجهزة السلطة التنفيذية المعنية كالشرطة وهيئات التفتيش والرقابة ومن خلال المؤسسات القضائية كالنيابات والمحاكم بدرجاتها)، وتخصيص الموارد الحكومية اللازمة لتطبيق سياسات عامة فعالة.

على الرغم من أن القوانين المصرية تجرم زواج من هم دون سن ١٨ عاما وتفرض عقوبات على من يثبت عليهم التورط في تزويج الأطفال والقصَّر، إلا أن عدد المتزوجين دون هذه السن بلغ ١٨.٣ مليون نسمة (من بين ٩٤.٨ مليون نسمة يعيشون داخل البلاد، وفقا للتعداد السكاني ٢٠١٧ الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء). وبين ضحايا جريمة تزويج الأطفال والقصر ترتفع أعداد الإناث (البنات صغيرات السن والفتيات القاصرات) مقارنة بالذكور، وتتراوح الأوضاع في المحافظات بين نسب حدوث مرتفعة في القاهرة (٩.١٪) والجيزة (٨.١٪) والشرقية (٧.٧٪) والمنيا (6.9%) وبين نسب منخفضة في جنوب سيناء (٠.١٪) وشمالها (٠.٣٪) وبورسعيد (٠.٧٪) والأقصر (٠.٥٪).

وليس للانتشار المفزع لجريمة تزويج الأطفال والقصر وارتفاع الضحايا من الإناث عن الذكور سوى معنيين: أولهما هو أن ثمة عنفا مجتمعيا ممنهجا ُيمارس ضد الإناث في بر مصر على نحو ينتهك حقوقهن وحرياتهن الأساسية، وثانيهما أن القوانين المعمول بها وطرائق إنفاذها تعجز عن ردع من يتورطون في ارتكاب هذه الجريمة البشعة التي تعد صنفا من صنوف الإتجار في البشر. والمتورطون هم أباء وأمهات أو أولياء أمور الضحايا من البنات صغيرات السن والفتيات القاصرات، وطائفة بائسة من الرجال الذين يقبلون الزواج من القاصرات، ونفر من ممارسي مهنة المأذونين الشرعيين ممن يخالفون القانون نظير مقابل مادي أو بسبب قناعات رجعية.

وتأسيسا على ذلك، تصبح أداة السياسة الأجدر بالتوظيف لمواجهة الجريمة البشعة هي صناعة القوانين. يتعين على السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية (والأولى تهيمن على الثانية في الواقع المصري الراهن) إصدار قانون جديد ينص صراحة على تجريم «تزويج من هم دون سن ١٨ عاما» (يغيب مثل هذا النص عن القوانين المعمول بها اليوم، ويكيف حاليا تزويج الأطفال والقصر إما كجريمة تزوير في أوراق رسمية أو كجريمة احتيال على الضحايا)، ويفرض عقوبات غليظة على المخالفين من آباء وأمهات وأزواج ومأذونين شرعيين، ويكفل جميع التعويضات الممكنة للضحايا. بالرغم من أن تزويج البنات والفتيات القاصرات ينتهك حقوقهن الأساسية على نحو يستحيل معه الجبر الكامل للضرر النفسي والمادي الواقع عليهن، يظل النص القانوني على استحقاقهن للتعويض الأدبي والمادي مسألة ذات أهمية رمزية ومجتمعية كبيرة.

ثم تأتي، ثانيا، أداة إنفاذ القوانين كأداة للسياسة ينبغي توظيفها بجدية ما إن يصدر «القانون الجديد» لكي يشتبك بهدف الحصار والتغيير التدريجيين مع الواقع المؤلم الذي يمثله وجود ١٨.٣ مليون نسمة من المتزوجين دون سن ١٨ عاما. والمسئولية هنا ستقع على عاتق أجهزة السلطة التنفيذية والمؤسسات القضائية التي يجب أن تنظر إلى تزويج الأطفال والقصر وما يرتبط به من عنف ممنهج ضد الإناث كجرائم تصطنع من ملايين المصريات (وقليل من الذكور القصر) ضحايا وتعجزهن عن إثراء مجتمعنا بمشاركتهن في التعليم والعمل ودروب الحياة الكثيرة، وتهدد من ثم (فعلا مجتمعيا وليس خلافا سياسيا) حظوظنا في البقاء والتقدم. حضور (ثم شيوع) مثل هذه النظرة داخل أجهزة السلطة التنفيذية وفي أروقة المؤسسات القضائية كفيل بأن يحملها على الإنفاذ الفعال للنصوص القانونية، بدءا من أعمال التفتيش والرقابة على المأذونين الشرعيين ومراجعة سجلاتهم وتحرير محاضر المخالفات والشكاوى في أقسام الشرطة ومرورا بأعمال النيابات وصولا إلى إجراءات التقاضي في المحاكم.

وتحل، ثالثا، أداة تخصيص الموارد الحكومية التي يمكن توظيفها فى سياقات عديدة لمواجهة جريمة تزويج الأطفال والقصر. على سبيل المثال، تستطيع السلطة التنفيذية زيادة الموارد المؤسسية والمالية للمجالس القومية «للسكان»، و«للمرأة»، و«للأمومة والطفولة» وتكليفها بتصميم وتنفيذ حملات لتوعية الناس من أخطار زواج القاصرات وتنبيههم إلى الضرر النفسى والمادي البالغ الذي يلحقه بالضحايا. تستطيع السلطة التنفيذية كذلك أن تخصص بعض الموارد الحكومية لتصميم وتنفيذ برامج «إعادة التأهيل والدمج المجتمعي» للضحايا من البنات صغيرات السن والفتيات القاصرات، ومطالبة وزارات كوزارات الصحة والتعليم والتضامن الاجتماعي والقوى العاملة وربما المجالس القومية بالاضطلاع بمهامها في هذا الصدد. ولحملات وبرامج كهذه أن تكتسب فاعلية حقيقية وأن تقترب من مجموعات سكانية متنوعة في الريف والحضر، إن هي انفتحت على الجمعيات الأهلية المستقلة والمنظمات غير الحكومية الجادة في الاهتمام بقضايا النساء والمدافعة عن حقوقهن وحرياتهن (الشخصية والمدنية كالاقتصادية والاجتماعية والسياسية) واستندت إلى التعاون بين المجالس الحكومية وبين المجتمع المدني. غير أن الأوضاع الراهنة في مصر، وبها تحاصر الجمعيات والمنظمات المستقلة وتلغي أنشطتها ويتعقب أفرادها، تجعل من احتمالية التعاون بين الحكومة والمجتمع المدنى أملا بعيد المنال.

وما يقال عن ضرورة توظيف أدوات السياسة لمواجهة جريمة تزويج الأطفال والقصر، يكتسب أيضا أهمية قصوى فيما خص مكافحة جرائم العنف المنزلي ضد النساء وجرائم التحرش بالنساء في الفضاء العام وأماكن العمل وقاعات الدرس وجميع الاعتداءات الجنسية على النساء.

في صيف ٢٠١٤، على سبيل المثال، أصدر الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور قانون «التحرش الجنسي» الذي أدخل تعديلات على بعض مواد قانون العقوبات باتجاه تضمينها تعريفا محددا لجريمة التحرش (التعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأي وسيلة بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية)، والنص على عقوبات سالبة للحرية وعقوبات مالية للمتورطين في الجريمة، وتشديدها على من يتورطون في التحرش مستغلين مواقع السلطة الوظيفية أو الأسرية أو الدراسية (وبالقطع على من يتحرشون بالنساء تحت تهديد السلاح). أغلق إصدار القانون تلك الثغرة الخطيرة في المنظومة القانونية المصرية التي نجمت عن غياب تعريف واضح ومنضبط لجريمة التحرش، وشكل عبر توظيف أداة صناعة القوانين خطوة رئيسية على طريق المكافحة، وتبعه نشاط لافت للمجتمع المدني ولمبادرات المواطنات والمواطنين الطوعية لحماية النساء. غير أن التوظيف الحكومي لأداة إنفاذ القانون فيما خص توقيف ومحاسبة ومعاقبة المتورطين في جرائم التحرش مازال يفتقد الفاعلية، كما أن المخصصات المؤسسية والمالية للمجلس القومي للمرأة وغيره من المجالس المعنية لا تسمح لها بتصميم وتنفيذ حملات توعية نشطة تواجه الحقيقة المؤسفة لتحول التحرش لهوس مريض لمجتمع تعبث به الذكورية البائسة، وسرعان ما حوصرت المبادرات الطوعية لحماية النساء من التحرش أمنيا وإداريا.

وفي السياق الأوسع، تحضر في المنظومة القانونية ثغرات أخرى ترتبط بتعريفات جرائم العنف والجرائم الجنسية ضد النساء (جرائم الاغتصاب داخل العلاقة الزوجية نموذجا)، ويتواصل غياب تفعيل أداة إنفاذ القانون وأداة تخصيص الموارد الحكومية لمواجهة تلك الجرائم. لذا، عوضا عن الخطاب الرسمي المعسول بشأن «المرأة المصرية» يحسن أن توظف السلطة التنفيذية رئيسا للجمهورية وحكومة أدوات السياسة (مرة أخرى صناعة القوانين وإنفاذها وتخصيص الموارد) لحماية النساء في الفضاءات الخاصة والعامة. ومع أن المعضلة الأكبر ستظل مرتبطة باستحالة الانتصار النهائي لحقوق وحريات النساء فى بلد تهدر فيه حقوق وحريات عموم المواطنين، فإن كل تطور إيجابي فيما خص حماية النساء يقربنا خطوة إضافية من بناء المجتمع الحر والمتسامح والدولة العادلة والمتقدمة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.