بينما قرى ومدن مصر تشيع الشهداء إلى القبور والحزن يفترش الأرض والسماء، تأتي من هنا وهناك أصوات لا تحول الدماء المراقة أو صرخات المكلومين بينها وبين التورط غير الإنساني وغير الأخلاقي في توظيف الجريمة البشعة بغية الحصول على ما يتراءى لها مكسبا سياسيا.

في حضرة قوائم شهداء الوطن الذين خرجوا لمواجهة عصابات إرهابية تعتاش على القتل والدمار ولم يعودوا إلا في نعوش، في حضرتها يصبح واجبنا كمصريات ومصريين أن نتسامى فوق صراعات واختلافات السياسة وأن نشعر بالعرفان لمن جادوا بحياتهم وهم يواجهون خطرا حقيقيا يعصف بأمننا وأمن بلادنا.

في حضرتها، يصبح واجبنا أن نتضامن مع المؤسستين النظاميتين التي يتحمل أفرادهما العبء الأكبر للمواجهة مع الإرهاب، الشرطة والقوات المسلحة. في مواضع أخرى إما ترتبط بانتهاكات حقوقنا وحرياتنا كمواطنين أو بغياب الديمقراطية لا أصمت على الممارسات السلطوية للمؤسستين. غير أن المواجهة مع الإرهاب الذي لا يفرق حين يسقط ضحاياه بين الموالين للسلطوية وبين المدافعين عن الديمقراطية ولا يميز بين العسكريين والأمنيين وبين المدنيين، هذه المواجهة الحتمية مع من يفجرون النقاط الأمنية ويضعون القنابل داخل الكنائس ويهاجمون المصارف تلزم بحضور ظهير مجتمعي يدعم الشرطة والقوات المسلحة ويثمن تضحيات المنتمين إلى المؤسستين.

في حضرة قوائم الشهداء، يصبح واجبنا كمصريات ومصريين أن ندرك استحالة خروج البلاد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعصف بها دون القضاء على الإرهاب وإزاحة الخطر الذي يمثله على الدولة ومؤسساتها. نختلف فيما بيننا بشأن الطريق الأمثل لتحقيق التنمية المستدامة، ومنا من يتجاهل خطر ظواهر الفقر والتضخم والاستدانة وينكر انتهاكات حقوق الإنسان ويسفه ممن يطالبون بمساءلة ومحاسبة المتورطين فيها، وبين ظهرانينا من لا يتجاهل الأولى ولا ينكر الثانية. إلا أن القاسم المشترك بيننا جميعا هو احتياجنا لدولة غير فاشلة ولمؤسسات متماسكة لكيلا تصبح اختلافاتنا صراعات أهلية وقتل على الهوية ولكيلا يزج بالمجتمع إلى أتون عنف مستعر يأكل الأخضر واليابس.

في حضرة قوائم الشهداء، يظل مكفولا حقنا كمواطنين في معرفة ما يدور على أرض البلاد ويظل ساريا إزاء الرأي العام واجب الدولة ومؤسساتها في التعامل مع جريمة إرهابية كجريمة الواحات بشفافية تسمح بتداول المعلومات دون الإضرار بالأمن القومي. تجاهل وسائل الإعلام الحكومية والخاصة لجريمة الواحات ليوم كامل، والسيطرة الأمنية على الطائفتين لا تقبل الإنكار، شكل إهدارا صريحا لحق الناس في المعرفة وسبب رواج المتضارب من المعلومات. والنقد هنا مشروع ومطلوب ولا شبهة تسييس به. أما الانتقال إلى إطلاق الاتهامات بالفشل أو التقصير أو عدم الكفاءة أو خيانة البعض باتجاه قوات الشرطة التي واجهت الإرهاب في الواحات، مثل هذا الانتقال يحيط به عن يمينه وعن شماله التورط في تسييس الجريمة من خلال التشكيك في إمكانات وقدرات الشرطة باستعلاء مقيت على الضحايا والدماء. لا نعرف كمواطنين تفاصيل ما دار في الواحات، ولا نملك من المعلومات ما يبرر إطلاق الاتهامات، وما نستطيع المطالبة به اليوم هو شفافية الدولة ومؤسساتها في التعامل مع الأمر وتمكيننا من معرفة الحقائق. حين تتوفر المعلومات والحقائق، تحضر فرص النقاش الموضوعي بشأن سبل مواجهة الإرهاب ويصير لحديث المساءلة والمحاسبة إن برزت مسبباتهما مضمونا واقعيا لا شبهة تسييس به ولا استعلاء على من يستشهدون ونحن في بيوتنا نيام.

ولن نكون في هذا بدعا بين الشعوب. تتكرر الجرائم الإرهابية في الشمال والغرب كما في الجنوب والشرق، وتسقط عصابات الاٍرهاب ضحاياها في البلدان الديمقراطية كما في الديكتاتوريات والنظم السلطوية.

وتختلف مواقف الناس دوما بين مطالب بالمزيد من الإجراءات الأمنية لمواجهة الإرهاب، وبين محذر من خطر اقتصار المواجهة على الأداة الأمنية واستبعاد الأدوات المجتمعية والسياسية الأشمل. وعادة ما يراوح المواطنون بين قبول حجب الحكومات لبعض المعلومات بشأن الجرائم الإرهابية، وبين دعوة المؤسسات الرسمية إلى الكشف عن الحقائق والتعامل بشفافية. وبينما يرى البعض تأسيسا على الاستحالة الفعلية للمنع الشامل لحدوث الجرائم الإرهابية أن أداء الدول ومؤسساتها في تعقب المجرمين وتقديمهم إلى العدالة وحماية الأمن يستحق الإشادة، ينزع البعض الآخر حين تتوفر معلومات تدلل على جوانب سلبية في أداء المؤسسات الرسمية إلى اقتراح تشكيل لجان لتقصي الحقائق هدفها وضع اليد على مواطن الخلل لحماية الأرواح والذهاب إلى إجراءات المساءلة والمحاسبة إن اقتضت ذلك المصلحة الوطنية.

وتقدم، على سبيل المثال، لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الكونغرس الأمريكي في أعقاب جريمة الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية في 2001 والتي أصدرت تقريرها النهائي منذ سنوات قليلة نموذجا واضحا على التعامل المسؤول مع تحديات وتداعيات الإرهاب ومع أوجه القصور ومواطن الخلل التي يظهرها في أداء المؤسسات الرسمية (بل والمؤسسات الخاصة كالمصارف وشركات الطيران التجاري وغيرها).

أما ما وقع في مصر ومن حولها خلال الأيام الماضية من تعجل في إطلاق الاتهامات بالفشل والتقصير ومن تورط في الرقص على أجساد ودماء الضحايا ومصاب ذويهم وحزن الناس جميعا بالترويج لادعاءات عدم كفاءة الشرطة في مواجهتها للإرهاب دون معلومات وحقائق، فليس به سوى الأشد رداءة من صنوف تسييس الأحداث الجسيمة التي يتعرض لها الوطن لحسابات متهافتة.

ليس بتسييس جريمة الواحات سوى اغتيال جديد للضحايا الذين اغتالهم الإرهاب، واغتيال لإنسانيتنا كمصريات ومصريين تتباين مواقفنا إزاء الحكم الراهن في البلاد يظل واجبنا هو الترحم والرثاء والتضامن والمطالبة بمعرفة حقيقة ما دار دون تشكيك.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.