لا شكّ أن هناك أسبابا عديدة أدت لحل حزب التيار الوطني، ولكن من الواضح أيضا ان الدولة الأردنية ليست في وارد تشجيع الحياة الحزبية، بالرغم من كل الدعم اللفظي الذي تقوم به السلطة التنفيذية. حَدَثٌ، كأن يقرر حزب مدني صاحب تجربة طويلة في تطوير الحياة الحزبية، مر مرور الكرام على الدولة، فلم تصدر تصريحات رسمية عديدة تأسف لذلك، أو تلتزم بدراسة الأسباب التشريعية التي تقف عائقا امام تطور الحياة الحزبية، أو تبدي قلقا على المسيرة الحزبية في البلاد.

حزب التيار الوطني له خصوصية معينة، لتجربته الطويلة، ولشخص رئيسه، ولأنه من أوائل المحاولات الجادة لبلورة حزب سياسي غير ديني. بل انه كان ينظر للحزب ولفترة طويلة على أساس انه حزب الدولة. وفي حين سعت الدولة ماضيا وحاضرا "لتحجيم" التيار الاسلامي، كان الاعتقاد السائد أن تشجيع قيام احزاب غير إسلامية من قبل الدولة يشكل احد أدواتها لتحقيق ذلك الغرض.

لكن مع الزمن، وبالتوازي مع العدد الكبير من المحاولات لإقامة احزاب مدنية، بدا الموقف يتكشف تدريجيا، وهو أن الهدف النهائي، بعيدا عن الشعارات اللفظية، يسير ضد أي محاولة لبلورة حزب جاد، سواء من إسلاميين أو علمانيين. تبدو السلطة التنفيذية غير راغبة في تطوير حياة حزبية يمكن أن تؤدي في يوم من الأيام لمنازعتها على السلطة مرة أخرى، من الإسلاميين او العلمانيين على حد سواء. وقد اصاب حزب التيار الوطني كبد الحقيقة عندما أشار لهذه النقطة كأحد اهم الأسباب التي أدت لحله، مع إدراكي ان هناك أسبابا أخرى قد لا يكون للدولة علاقة بها، تمويلية وتنظيمية وبرامجية.

يبدو ايضا أن الثقافة السياسية الاردنية لا تسمح بظهور شخصيات وطنية تستمد قوتها من قواعد شعبية. هكذا تقول الثقافة السياسية الاردنية، لضمان عدم خروج أي شخصية عن كنف هذه السلطة. ليس واضحا لماذا تم تجاهل عبد الهادي المجالي بالرغم من قربه تاريخيا من مواقف السلطة التنفيذية. ولكن لا يمكن استبعاد النظرية التي تقول إن هناك سقوفا غير معلنة، تمنع أي شخصية أردنية من تجاوزها.

أهم عبرة نستطيع الخروج بها مما حدث هي عدم الاستسلام للنظرية التي تقول إن حل حزب التيار الوطني هو ورقة نعي للحياة الحزبية الاردنية. يجب إدراك أن تطور أحزاب سياسية في بلد صغير وفقير كالأردن في كنف سلطة تنفيذية، بكافة أذرعها، ليس أمرا هينا أو سريعا أو سلسا، وستفشل أحزاب عدة أخرى في البقاء كما فشل حزب التيار الوطني. أما والحالة كذلك، فإن أهم ما يمكن عمله هو الاستفادة من التجارب وتكرار المحاولات حتى يتمكن البعض من بلورة حزب يخاطب الجيل الجديد ويخرج ببرامج عملية ويبتعد عن الشخصنة وينجح في بناء قدرات تنظيمية وتمويلية، وقواعد شعبية تستطيع أن تقاوم كل المحاولات لإعاقة تنظيمها.

حل حزب التيار الوطني يجب أن ينظر إليه كنكسة على طريق وعرة وطويلة. وفي حين يتوجب شكره على ما بذل من جهد وقدم من دروس، فإن الواجب يقتضي أن يأتي آخرون ويواصلوا المسيرة حتى النجاح، ولوكان ذلك بعد سنوات أو عقود.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.