أفاض محللو النزاع السوري لأشهر طويلة في الحديث عن "سباق" لاهث للسيطرة على محافظة دير الزور في شرق سورية، وعما وصفوه بإقتطاع القوى استجابة لمناطق نفوذ متنافسة في أنحاء البلاد. كما افترض كثيرون أن الإدارة الأميركية تنوي استخدام ما استحوذت عليه المجموعات المسلحة التي تدعمها في سورية من أراضٍ، كورقة ضغط لاستخلاص صفقة سياسية مؤاتية من روسيا ونظام الرئيس بشار الأسد. هذا في حين كان ثمة آخرون يُبدون ثقة أقل بنوايا الإدارة الأميركية، لكنهم يرومون مع ذلك لاقناعها بأن استخدام النفوذ أمر ميسور، على أن يستهدف تحقيق أهداف سياسية أكثر تواضعاً، مثل تعزيز ماتبقى من المعارضة السورية المعتدلة، عشية صفقة السلام التي يفترضون أنها ستُبرم في نهاية المطاف.

لكن، ليس هناك في الواقع مؤشرات على أن لدى الولايات المتحدة أي نية متبقية للدفع قدماً نحو تغيير سياسي في سورية، أو حتى أن لها أصلاً سياسة تجاه سورية على الإطلاق. وبالتالي، ومع هذا الغياب الأميركي، ستُسفر معارك سورية المقبلة عن نوع جديد مختلف تماماً من المحصلات عن تلك التي تصوّرها بيان جنيف في حزيران/يونيو 2012، أو حتى إطار فيينا في تشرين الثاني/نوفمبر 2015. هذان الاتفاقان رسما، على رغم الاختلافات بينهما، لوحة لعملية دبلوماسية بإشراف دولي تقود إلى تقاسم سلطة رسمي بين الحكومة السورية وبين المعارضة. لكن، لن يحدث في الحقيقة لا تقاسم للسلطة أو عملية انتقال سياسي في دمشق، ولا تخلٍ للأسد عن الحكم.

يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
يزيد صايغ

باحث رئيسي
مركز كارنيغي للشرق الأوسط

المزيد من إصدارات الباحث

بدلاً من ذلك، سيكون الفعل الأكبر لمحادثات أستانة التي ترعاها روسيا (إن لم يكن المخطط المدروس لها) دفع أجزاء أساسية من المعارضة المسلحة (بامتعاض ولكن بشكل حتمي) إلى الانضمام الى مسار يُتوَّج بإعادة دمجها في الدولة السورية، تحت مظلة الحكم الراهن. وكان الرئيس الروسي بوتين صريحاً حين قال في خطاب أمام منتدى دولي في 19 تشرين الاول/أوكتوبر: " حالما تتشكّل مناطق خفض التوتر، سيبدأ الناس الذين يسيطرون عليها بإجراء اتصالات مع دمشق، مع الحكومة".

والحال أنه تم قطع العديد من المراحل نحو هذه النتائج. و بالتالي، فإن المعارك المقبلة في سورية ستُحدد طبيعة العلاقة النهائية بين الحكومة المركزية في دمشق وبين الأكراد السوريين، وإن لم يكن هذا هو الهدف الفوري أو الوحيد لهذه المعارك.

المعركة الأولى تجري الآن بالفعل على قدم وساق، وهي تتمثّل في طرد تنظيم الدولة الإسلامية مما تبقى من معاقله على طول القطاع الأوسط لنهر الفرات في محافظة دير الزور. ويفترض بعض المراقبين أن هذه المنطقة ستشهد أيضاً تسابقاً للسيطرة عليها، استناداً إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستسعى إلى إحكام قبضتها على المنطقة الحدودية، بهدف منع إيران من شق ما رُوّج له كثيراً (وليس له في الواقع أساس من الصحة) على أنه "ممر برّي" إلى البحر المتوسط. و بالفعل، تدعم الولايات المتحدة تقدُّم قوات سورية الديمقراطية ذات الأكثرية الكردية إلى تلك المنطقة، غداة فشل محاولتها السابقة لبناء قوة معارضة قادرة على مهاجمة الدولة الإسلامية إنطلاقاً من قواعد في البادية الجنوبية السورية. بيد أن بسط النظام سيطرته على مدينة الميادين التي تقع جنوب مدينة دير الزور في 14 تشرين الأول/أوكتوبر الماضي، سد الطريق أمام اندفاع قوات سورية الديمقراطية لتحقيق المزيد من التقدم، في الوقت نفسه أتاح للقوات الحكومية نقطة ارتكاز تزحف منه، تحت غطاء جوي روسي، على البوكمال في الطرف الجنوبي من وادي الفرات خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. ومثل هذه المحصلة لن تُواجه باعتراض أميركي.

المعركة الثانية هي تلك المؤجلة في محافظة إدلب شمال غرب سورية، والتي سبق أن أُعلن مرات عدة عن بدئها. لكن هذا لم يحدث. بالطبع، الأهم هنا هو تصميم الحكومة التركية على منع حزب الاتحاد الديمقراطي، الكردي السوري، وهو فرع من حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، من خلق ما وصفه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "الممر الإرهابي الذي يبدأ في عفرين ويمتد إلى البحر المتوسط". بيد أن التكهنات بأن تركيا ستلتزم مهمة تهدئة إدلب، التي يسيطر التحالف الجهادي "هيئة تحرير الشام" على معظمها، في مقابل إطلاق يدها لاستئصال الجيب الكردي، ليست في محلها.

إذ على رغم إشارات أردوغان المتكررة الى "عملية عسكرية جدّية" في سورية، إلا أن القوات المسلحة التركية لن تشن معركة برية كبرى ضد خصوم مُحصنين جيدا، سواء في إدلب أو عفرين، من دون دعم جوي قوي، وهو الدعم الذي تسبّب غيابه في تكبّد القوات التركية خسائر فادحة خلال تقدمها إلى بلدة الباب شمال حلب أوائل هذا العام. لكن، في حين أن روسيا عرضت استخدام سلاحها الجوي لحماية مراقبي الهدنة الأتراك المُنتشرين في إدلب، إلا أنها لاتسمح لسلاح الجو التركي بالقيام بمهمات قتالية في المجال الجوي السوري. وعلى أي حال، أدى التموضع العسكري التركي في إدلب، في إطار اتفاقية أستانة لخفض الصراع، إلى طي صفحة خيار أنقرة الخاص بقيامها بتدخل عسكري منفرد. والآن، ومع المحاصرة التامة لعفرين من قبل القوات التركية أو فصائل المعارضة المسلحة الحليفة لها، سيكون على أنقرة تأجيل أي عمل عسكري كبير، بما في ذلك العمليات ضد هيئة تحرير الشام التي سيتم إحتواؤها بدلاَ من مواجهتها، على الأقل حتى إشعار آخر.

علاوة على ذلك، يتوقف توقيت ومسار العمليات العسكرية المستقبلية في إدلب على المعركة الثالثة التي تتوالى فصولاً: الصراع الحتمي بين النظام وبين الأكراد حول درجة الحكم الذاتي السياسي الذي سيتمتعون به حين تضع الحرب السورية أوزارها. بالطبع، نجاح قوات سورية الديمقراطية في انتزاع السيطرة على مدينة الرقة ومناطق جديدة في المحافظات الشرقية، من يد الدولة الإسلامية، سيشد من أزر حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسيطر مباشرة على المكوّن الكردي الأكبر لتلك القوات. بيد أن قدرة الحزب على التفاوض مع النظام و انتزاع التنازلات منه تعترضه عقبات كأداء تتجسّد في المشهد الجيوسياسي غير المؤاتي له. إذ أن الاستفتاء على الاستقلال الذي أُجري في 25 أيلول/سبتمبر في كردستان العراق المجاور، لم يفعل شيئاً سوى تأجيج مشاعر القلق لدى تركيا من النوايا الكردية في سورية، كما أنه جعل من الصعب على الحكومات الغربية الدفاع عن نصرة القضية الكردية في سورية. و اقدّم مسؤولون حكوميون سوريون إشارة هامة على نواياهم حين أدانوا الاستفتاء بكونه خطوة "انفصالية"، وهنأوا الحكومة والقوات المسلحة العراقية على نجاحها في "الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعبا"، من خلال انتزاعها السيطرة على مدينة كركوك المتنازع عليها من يد حكومة إقليم كردستان في 16-17 تشرين الأول/ أوكتوبر.

التهديد الضمني في ثنايا هذا التصريح جلي للعيان، و يتمثّل في إعادة فرض سلطة الحكومة السورية على المناطق التي تُسيطر عليها راهناً قوات سورية الديمقراطية. لعل النظام يكتفي بداية بالمطالبة فقط بتسليمه الرقة وباقي المناطق غير الكردية، ولكن يمكنه بسهولة أن يوسّع هذا المطلب ليشمل القامشلي وعاصمة محافظة الحسكة، ونقاط عبور حدودية في قلب المنطقة الكردية مثل تل أبيض. صحيح أن هذا التهديد لن يرى النور طالما أن الولايات المتحدة لاتزال تعمل على إلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية، لكن حالما يتم إنجاز هذه المهمة، لن تتدخّل لحماية حلفائها السابقين. وهذا كان واضحاً في مقال أخير نشره السفير الأميركي السابق لدى دمشق روبرت فورد، قال فيه صراحة أنه سيكون على الولايات المتحدة "التخلّي عن أي آمال تتعلّق بدعم منطقة كردية منفصلة"، في مواجهة تصميم الحكومة السورية على "استعادة كل البلاد".

روجافا، أي كردستان الغربية، ستقف وحيدة إلى حد كبير. صحيح أن المجابهة العسكرية بين نظام الأسد وبين الأكراد ليست حتمية. إلا أن أي حل سلمي سوف يعتمد على قدرة روسيا على جسر الهوة بين أقصى حكم ذاتي إداري يكون النظام مستعداً لمنحه للأكراد، وبين أدنى حكم ذاتي سياسي يطالب هؤلاء به. وهذه مهمة شاقة نظراً للعداء الذي يكنّه النظام لفكرة اللامركزية التي سبق لروسيا أن حبذتها منذ أوائل العام 2016 كإطار لحل الخلافات. يضاف إلى ذلك أن أي صيغة يتم التوصل إليها، يجب أيضاً أن تهدىء من روع تركيا ومخاوفها من الحكم الذاتي الكردي، إذا ما كانت ستوافق على القضاء على هيئة تحرير الشام في إدلب، و تشجّع المعارضة السورية المسلحة على المضي قدماً بمسار الأستانة حتى نهاية مطافه بالانخراط تحت لواء الدولة المركزية، والانسحاب من سورية.

ربما كانت هذه التحديات هي التي دفعت بوتين إلى الإعلان عن "خطة تقريبية" في 19 تشرين الأول/ أوكتوبر لعقد "مؤتمر للشعب السوري يلم شمل كل المجموعات الإثنية والدينية، والحكومة والمعارضة". وهو في تحديده التسوية السياسية بصفتها حصيلة وفاق وطني يتوصّل إليه السوريون فيما بينهم، يكون قد تبنّى السردية الرسمية للنظام الذي لطالما رفض الحاجة إلى وساطة الأمم المتحدة وإلى حل دبلوماسي خارجي للنزاع. وفي الوقت نفسه، حين أشار بوتين إلى "التأثيرات الإيجابية" لبلدان مثل المملكة العربية السعودية، كان يشي بأنه يأمل استخدام الحوافز الاقتصادية لتسهيل المساومة على الجانب السياسي للحكم الذاتي الكردي. وهذا تفسير عزّز صدقيته قيام وزير سعودي بالاجتماع مع مسؤولي قوات سورية الديمقراطية في الرقة مباشرة بعد تحريرها، لمناقشة عملية إعادة بناء المدينة.

بالطبع، مختلف سيناريوهات المعارك هذه، لن تحدث بدقائق تفاصيلها أو في سياقات متتابعة واضحة. فروسيا تفتقد إلى مايكفي من النفوذ لإجبار نظام الأسد على قبول تسوية سياسية وفق شروط قد يعارضها بقوة، لكنها سوف تسعى إلى لجم اندفاعه إلى حرب مع قوات سورية الديمقراطية لأطول فترة ممكنة. وهذا سيكون أمراً سهلاً طالما أن النظام لايزال يقاتل لاستعادة وادي الفرات من قبضة الدولة الإسلامية، خاصة و أنه س قد يُيمم وجهته بعد ذلك صوب المجابهة مع هيئة تحرير الشام في إدلب. لكن، في مرحلة ما من السنة المقبلة، سيلجأ النظام إلى تكتيكه المعتاد: إجراء حوار سياسي عبر الضغط العسكري المباشر، في حواره مع روجافا. في ذلك الوقت، قد تجد قوات سورية الديمقراطية نفسها عُرضة إلى الخطر بسبب تمددها الزائد جغرافيا.

لا بل الأخطر أنها قد تُواجه تحديات لتماسكها الداخلي من قِبًل مكوناتها العربية أو من جانب المنافسين الأكراد لحزب الأتحاد الديمقراطي، خاصة حين يدفع تقاطع المصالح المعادية للأكراد بين تركيا والنظام إلى تغيير صورة التحالفات السياسية في الشمال السوري.

إن المخاطر عالية وعاتية. ويتعيّن على حزب الاتحاد الديمقراطي أن يتعلّم من أخطاء استفتاء الاستقلال في كردستان العراق المُجاورة، إذا ما يريد إنقاذ الأمل بنيل حكم ذاتي يُعتد بع وذي معنى في سورية.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.