بعض الحكومات، ومنها الحكومة المصرية، تعتقد أن ضمان حقوق المواطن الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن يتأتي دون التزام بصون حقوقه المدنية والسياسية. كثيرا ما تذهب الأحاديث الرسمية لمسئولي هذه الحكومات إما باتجاه التشديد على أولوية حقوق كالحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية إذا ما قورنت بحرية التعبير عن الرأي وحرية التنظيم ومشاركة المواطن السلمية في منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية وإجراء انتخابات تنافسية ونزيهة وعلى نحو دوري، أو باتجاه الترويج لضرورة أن يسبق ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الانفتاح على الحقوق المدنية والسياسية لكي يستقر المجتمع وتتماسك الدولة وتتقدم البلاد.

هكذا، على سبيل المثال، جاءت تصريحات الأسبوع الماضي لرئيس الجمهورية خلال زيارته الرسمية لفرنسا. وهكذا، أيضا، عملت مؤسسات الدولة المصرية منذ خمسينيات القرن العشرين وإلى اليوم خارجة على الناس بخطاب «القضاء على الفقر والجهل والبطالة والمرض» قبل الالتفات إلى «ترف» حرية التعبير عن الرأي وحرية التنظيم. تبدلت أحوال السياسة منذ الخمسينيات، من حكم الفرد الواحد والحزب الواحد بين ١٩٥٤ و١٩٧٠ إلى حكم الفرد الواحد وحزبه في إطار تعددية حزبية مقيدة تضمن وجود بعض المعارضين في سنوات الرئيس الأسبق السادات والرئيس الأسبق مبارك. غير أن القناعة بأولوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أو بكونها ينبغي أن تسبق كل ما عداها ظلت راسخة. وها نحن نعود إليها مع الحكومة الراهنة، بعد انقطاع محدود بين ٢٠١١ و٢٠١٣ بدت خلاله الحقوق المدنية والسياسية في أعقاب ثورة يناير ومطلبيتها الديمقراطية وكأنها صاحبة السبق وواجبة التحقق الفوري.

ومن وراء القناعة الراسخة للمتعاقبين على حكم مصر وللحكومة الراهنة بشأن أولوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية نظرة إلى أحوال بلادنا تنطلق، أولا، من أن مؤسسات الدولة والسلطة التنفيذية «القوية» التي تسيطر عليها هي وحدها المنوطة بضمان حقوق كالحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية وغيرها. وتستند، ثانيا، إلى أن مؤسسات الدولة والسلطة التنفيذية لا تحتاج في سبيل ذلك إلى شراكة مع مواطنات ومواطنين أحرار، أحرار في حياتهم الشخصية كما في الفضاء العام، ومع مجتمع يتوازن باحترامه لحريات الناس وحقهم في المبادرة الفردية والمنافسة والاختيار دون خوف.

مؤسسات الدولة في مثل هذه النظرة، لا المواطن ولا المجتمع، هي ماكينة صناعة نظم التعليم والعمل والرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية وتطويرها والارتقاء بها. مؤسسات الدولة وحدها هي ماكينة التنمية والتقدم، والسلطة التنفيذية «القوية» ترعى ذلك بتوظيف أدوات صناعة وإنفاذ القوانين وتخصيص الموارد العامة وتنفيذ السياسات اللازمة. أما المواطن فعليه السمع والطاعة وإظهار التأييد أو على الأقل الامتناع عن المعارضة، وعليه أيضا الانتظار في صبر حتى يضمن حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والتنازل عن حقوقه المدنية والسياسية. ومهمة المجتمع هي تحويل التأييد الفردي المتعين على المواطن إلى تأييد جماعي (التعبئة والحشد)، والاصطفاف خلف مؤسسات الدولة والسلطة التنفيذية على نحو يذهب بالتنوع والتعدد، وتهميش المغردين خارج السرب إما كخارجين على «الإجماع الوطني» أو كحالمين يريدون «دفعة واحدة» الحصول على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وصون حرياتهم.

مواطن السمع والطاعة ليس مواطنا حرا يقدر على ممارسة الحق في الاختيار وإطلاق المبادرات الفردية، لا في الحياة الشخصية ولا في الفضاء العام. ومجتمع التأييد والاصطفاف هو مجتمع لا يلغي فقط الحقوق المدنية والسياسية للمواطن، بل يقضي أيضا على فرص وجود قطاع خاص متنوع وتنافسي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، من نظم التعليم إلى سوق العمل. لذا تتسق النظرة إلى مؤسسات الدولة والسلطة التنفيذية كصاحبة «القدرة المتفردة» على ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وصاحبة «الامتياز الحصري» لتحديد الكيفية التي يمكن أن يتم بها ذلك، تتسق مع سيطرة الدولة الكاملة على نظم التعليم والعمل والرعاية الصحية وجميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى ومنعها لنشوء قطاع خاص. حين تصبح مؤسسات الدولة بمفردها هي ماكينة التنمية والتقدم ويلغي حق المواطن في الاختيار الحر والمبادرة الفردية وحق المجتمع في التنوع والتعدد، فإن القطاع الخاص يفقد هويته الحقيقية وسبب وجوده، المواطن الحر والمجتمع الحر.

ليست منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والإعلام الحر هي وحدها التي تفقد أسباب الوجود والدور والحيوية حين تلغي الحقوق المدنية والسياسية، بل أيضا القطاع الخاص ومعه مبادئ الملكية الخاصة والمبادرة الفردية والمنافسة كمبادئ رئيسية لتنظيم النشاط الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات البشرية. الملكية العامة، وسيطرة الدولة على موارد المجتمع ووسائل الإنتاج، والقطاع العام الذي لا تزاحمه كيانات خاصة تستهدف الربح صغرت أحجامها أو كبرت؛ تلك هي الممارسات التي تتماشى مع النظرة إلى الدولة كماكينة التنمية والتقدم التي لا تحتاج سوى لمواطن السمع والطاعة ولمجتمع التأييد والاصطفاف، وتتماشى مع القناعة بأولوية وأسبقية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على ما عداها.

بعيدا عن قناعتي الشخصية بالأفضلية الأخلاقية والإنسانية والمجتمعية لمبادئ الملكية الخاصة والمبادرة الفردية والمنافسة وللتنظيم الديمقراطى الذي يتأسس مستندا إليها، تظل المعضلة الواقعية الكبرى لنظرة «الدولة كماكينة التنمية والتقدم» هى فشلها المتكرر في ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على مدار فترات زمنية مستقرة في بلدان مختلفة في أحوالها كاختلاف روسيا ومصر، وإخفاقاتها المتتالية إن فيما خص الإسعاد المادي «للمواطن المنتظر» بعد أن أجبرته على التنازل عن حقوقه المدنية والسياسية أو تمكين المجتمع من الاستقرار والتوازن بعد أن استبدلت التعبئة والحشد بالحرية والمنافسة. ويرتبط بمعضلة الفشل والإخفاق ارتباكات أخرى كأن يتبلور في بلد كمصر قطاع خاص تفرض عليه ثلاثية الدولة الماكينة ومواطن السمع والطاعة ومجتمع التأييد والاصطفاف من التشوهات ما يفقده الكثير من قدرته على الإسهام الفعال في تحقيق التنمية والتقدم ويسقطه في مصيدة الاحتكار والفساد ومحدودية الابتكار وضعف الإنتاجية.

في بر مصر من يرد ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، لا يستطيع أن يعول على انفراد مؤسسات الدولة والسلطة التنفيذية بالمهمة. من يرد وجود قطاع خاص تنافسي ومبتكر ويوسع من الملكية الخاصة ويتخلص من تغول القطاع العام، لا يستطيع أن يلغي لا المبادرة الفردية ولا حق المواطن في ممارسة حرية الاختيار ولا حق المجتمع في التنوع والتعدد. من يرد إقرار المبادرة الفردية وحرية الاختيار والتنوع والتعدد المجتمعيين، لا يستطيع أن يفصل بين ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبين صون الحقوق المدنية والسياسية. فذلك هو الترف الحقيقى الذي نتحمله منذ خمسينيات القرن العشرين، ولم يذهب بنا أبدا إلى المكان الذي تستحقه بلادنا ونستحقه كمصريات ومصريين.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.​