إلى سائقي حافلات الركاب، يتجمع العشرات الآن بالقرب من شارع كارل ليبكنيشت بغرض المشاركة في مظاهرة. ترجو السلطات منكم الابتعاد عن الشارع المعني إذا تمكنتم، وإن لم تتمكنوا فعليكم إعطاء الأولوية لحركة المتظاهرين والسير بسرعة منخفضة للغاية ضمانا لأمنهم وسلامتهم. نشكر تعاونكم وفعلكم المسؤول!

كنت منذ أيام قليلة في حافلة ركاب عامة، متجها إلى مطار من مطارات العاصمة الألمانية برلين، حين خرجت الجمل أعلاه من الإذاعة الداخلية للحافلة. توقفت، أولا، أمام اسم الشارع الذي أعلن عنه كمكان لتجمع المتظاهرين. فكارل ليبكنيشت كان القائد الملهم للحزب الشيوعي الألماني في بدايات القرن العشرين وجزء من حقبة ما بين الحربين العالميتين الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945)، قبل أن يقتل. والشارع الذي يحمل اسمه يقع في الجزء الشرقي من برلين، في وسط ما كان يوما عاصمة «جمهورية ألمانيا الديمقراطية» أو ألمانيا الشرقية السابقة. على خلاف العديد من الشوارع والميادين في الجزء الشرقي من برلين وفي غيرها من مدن الشرق التي تغيرت أسماؤها في أعقاب الوحدة الألمانية (1990) لتلغي تاريخ ما كان حكم الحزب الشيوعي، احتفظ شارع السيد ليبكنيشت باسمه (شأنه شأن بعض الشوارع والميادين التي تحمل أسماء كارل ماركس وفريدريش انغلز وروزا لوكسمبورغ). لا يوفر الكثير من المدن الأوروبية فرصة للتظاهر في شارع لاسمه من الأهمية الرمزية والسياسية ما يضاهي شارع كارل ليبكنيشت، خاصة حين تكون دوافع المظاهرات هي رفض الظلم والقهر والفاشية والمطالبة بالعدل الاجتماعي والدعوة إلى صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه وحرياته.

توقفت، ثانيا، أمام سلوك سلطات مدينة برلين التي عملت على احترام الحق في التظاهر السلمي بما يشمله ذلك من تأمين المتظاهرين وضمان سلامتهم ودرء الخطر عنهم، وتلك كانت فحوى حث سائقي حافلات الركاب على الابتعاد الكامل عن مكان المظاهرة أو الاقتراب منها بحذر شديد. تلزم القوانين الألمانية السلطات الاتحادية وسلطات الولايات والمدن باحترام الحق في التظاهر وتحظر استخدام القوة ضد المتظاهرين طالما غاب تورطهم في العنف المادي، بل وتضع العديد من القيود على استخدام أجهزة الشرطة للقوة حال وقوع أحداث عنف (لأن قدرة الدولة وأجهزتها الرسمية على استخدام القوة تتجاوز بكثير قدرة الأفراد على ممارسة العنف، وهو ما يعني جذريا وبنيويا حضور خطر العنف الرسمي المفرط).

توقفت أمام القوانين والممارسات الألمانية لحماية الحق في التظاهر، وهي لا تتمايز عن جل القوانين والممارسات في عموم أوروبا، وتذكرت النقاش الرديء الذي دار في مصر قبيل وبعيد إصدار قانون التظاهر في 2013 الذي يعوق ويجرم عملا كافة أشكال التظاهر السلمي وبرره آنذاك «طيور ظلام المرحلة» من خدمة السلطوية الجديدة وأبواقها الإعلامية وليبراليي «رفض نتائج صندوق الانتخابات» بالترويج لادعاء متهافت مفاده تماثله مع القوانين الأوروبية والعالمية.

وما أن شرعت السلطات الأمنية في مصر في توظيف قانون التظاهر للحيلولة دون تنظيم مظاهرات سلمية ولتعقب المتظاهرين وسلب حريتهم بحبس احتياطي وباستصدار أحكام قضائية ضدهم ولاستخدام القوة المفرطة، حتى اتضح إفك «طيور الظلام المرحلة» وفساد منطقهم.

توقفت، ثالثا، أمام اعتيادية إدارة شؤون الدولة والمجتمع والمواطن في النظم الديمقراطية وهي تمر بفترات تداول السلطة وتغير الحكومات. قبل أسابيع قليلة أجريت الانتخابات البرلمانية (على المستوى الاتحادي) في ألمانيا، وأسفرت عن نهاية الائتلاف الحاكم المكون من الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي.

وتدور الآن في الأروقة الحزبية والسياسية مفاوضات تشكيل ائتلاف حاكم جديد يجمع الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي مع حزب الخضر وحزب الديمقراطيين الأحرار. بينما قرر الحزب الاشتراكي الديمقراطي الانتقال إلى مقاعد المعارضة البرلمانية، بعد ما أخفق في تحقيق النتيجة الانتخابية المرجوة وإزاء حضور الحزب اليميني المتطرف «البديل لألمانيا» في البرلمان القادم. وعلى الرغم من كل ذلك، لا تخرج إدارة الشأن العام عن اعتياديتها، فائتلاف ما قبل الانتخابات سيظل في موقع الحكم إلى نهاية 2017، والسلطات الاتحادية كسلطات الولايات والمدن تمارس مهامها دون تغيير، ومبالغات ما بعد الانتخابات بشأن الخطر الذي تتعرض له الديمقراطية الألمانية بسبب صعود اليمين المتطرف تراجعت. لم يأخذ الخوف بتلابيب الدولة والمجتمع، ولم يسيطر على مخيلة المواطن.

أمضيت أسبوعا في برلين، شاهدت في يومه الأول مظاهرة للتنديد بوعد بلفور وبالاضطهاد الذي يعانيه الشعب الفلسطيني منذ قرن من الزمان كان مكانها بالقرب من بوابة براندنبورغ (العلامة التاريخية الأبرز للمدينة)، واستمعت في يومه الأخير إلى «بيان السلطات» بشأن مظاهرة شارع كارل ليبكنيشت. وبين البداية والنهاية، مشاهد عديدة لمدينة ذات حيوية ثقافية وعلمية وتجارية ولها من التنوع الإنساني ما يذهب بالعقل. أما أمور السياسة ومفاوضات الائتلاف الحاكم الجديد وسبل مقارعة اليمين المتطرف، فلها أربابها المتفرقون وخاناتها المتنوعة التي لا تطغى أبدا على مناحي الحياة الأخرى.

توقفت أمام تلك الاعتيادية الديمقراطية المبهرة مقارنا إياها مجددا (مقارنة الحزانى والمحرومين) بحقائق ومشاهد انتقال السلطة في مصر وغيرها من سلطويات بلاد العرب. انقلابات هنا واعتقالات هناك، دماء وقتل للمواطنين هنا وحروب أهلية ومذابح على الهوية هناك، وهنا وهناك إرهاب مقيت وعنف رسمي وانتهاكات لا تتوقف للحقوق والحريات وفساد يستشري. لا تعرف السلطويات، قديمها وجديدها وممالكها وجمهورياتها، سوى الاستثناء وضعا حين ينتقل بها الحكم من وريث إلى آخر أو من طغمة إلى أخرى. لا تعرف أبدا تفرق أرباب السياسة وتنوع خاناتهم دون عنف، وليس لوجود الدولة والمجتمع ولحياة المواطن بها من إيقاع غير إيقاع مات الملك القديم عاش الملك الجديد وليذهب الرئيس القديم إلى الجحيم ولتذهب كل المغانم إلى من توج بطلا جديدا!

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.