حين يلف الغموض قضايا الحكم ويستهين الحكام بقاعدة الشفافية وتغيب عن الرأي العام المعلومات والحقائق، فإن التناول الإعلامي لأحداث مفاجئة كاعتقالات الأمراء والوزراء ورجال الأعمال الأخيرة في السعودية يسقط إما في خانات الدعاية لمواقف الحكومات وإما فى متاهات الترويج لغير المكتمل من المعلومات ولأنصاف الحقائق أو فى غياهب الصور النمطية ذات الطبيعة العمومية والسطحية.

أوقفت السلطات السعودية مساء السبت الماضي (٤ نوفمبر ٢٠١٧) ١١ أميرا و٤ وزراء (كانوا في مناصبهم الرسمية حين أوقفوا)، كما أن عشرات الوزراء السابقين وعدد من رجال الأعمال، أوقفوا وسط اتهامات بالفساد دفعتها باتجاههم لجنة لمكافحة الفساد أعلن الملك سلمان بن عبدالعزيز عن تشكيلها في نفس اليوم وأسند رئاستها إلى ولي العهد محمد بن سلمان. على الفور، تبنت الصحف والقنوات التليفزيونية سواء التى تسيطر عليها المؤسسة الملكية بصورة مباشرة أو تخضع لنفوذها السياسي توصيف الاعتقالات «كحملة غير مسبوقة» لضرب الفساد واقتلاع جذوره و«كمرحلة جديدة» من مراحل الإصلاح الإداري والاقتصادي والمالي في السعودية التي يقودها الملك وولي العهد. لم تبحث تلك الصحف والقنوات عن معلومات بشأن توقيت الاعتقالات وأسبابها فيما وراء واجهة مكافحة الفساد، ولم يرهق محرروها أنفسهم بالتنقيب عن حقائق حول شبهات الفساد المحيطة بالأمراء والوزراء ورجال الأعمال الموقوفين.

بالقطع، تجاهل المتماهون مع موقف المؤسسة الملكية البحث في مدى الانضباط القانوني للإجراءات المتخذة ضد الموقوفين وحدود صون أو انتهاك حرياتهم وحقوقهم، ومن بين الأخيرة حق الموقوفين في عدم تعرض سمعتهم الشخصية للتشويه من جراء نشر أسمائهم باعتبارهم متورطين في الفساد قبل أن تتضح أدلة الإثبات التي تقف عليها السلطات السعودية وقبل أن تضمن عمليات تقاضٍ نزيهة، فإما البراءة وإما الإدانة. لقد اكتفوا بنشر البيانات الحكومية المتعلقة بالأمر، وأتبعوها بمقولات ضرب الفساد، وأزاحوا بعيدا كل الخلفيات السياسية ومنها أن حملة الاعتقالات فى أرض الحرمين الشريفين كانت قد امتدت خلال الشهور الماضية لتشمل كتابا وباحثين وصحفيين وعلماء دين وقضاة وها هي تصل الآن إلى أمراء ووزراء ورجال أعمال في مشهد يحضر فيه بوضوح توظيف المؤسسة الملكية لأدوات القمع الرسمية التي بحوزتها.

ومن الخلفيات السياسية أيضا الصعود السريع لولي العهد محمد بن سلمان الذي أزاح في صيف ٢٠١٧ محمد بن نايف من ولاية العهد ومن وزارة الداخلية، وأحكم بذلك قبضته على الأجهزة الأمنية بعد أن كان قد سيطر على الجيش، وها هو في ليلة الاعتقالات يزيح وزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله (ابن الملك السابق عبدالله بن عبدالعزيز) ويعين مكانه أحد خلصائه لتدين له جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية بالولاء. ومن الخلفيات السياسية استخدام ولي العهد لمقولات كضرب الفساد وحتمية الإصلاح ومواجهة التطرف الديني وإقرار حقوق النساء وضرورة الانفتاح على العصر؛ لإضفاء شيء من الشرعية (في الداخل والخارج) على استئثاره بالسلطة وتهميشه لأمراء آل سعود الذين قد يهددون وصوله إلى سدة الحكم وتقليمه لأظافر المؤسسة الدينية الوهابية التي تعارض الكثير من سياساته.

أما معارضو حكم الملك سلمان وولي عهده، ومن بقى منهم بعيدا عن أماكن الاحتجاز ومتحررا من قيد الإقامة الجبرية وقيد الصمت المفروض تحت وطأة القمع غادر السعودية إلى المنافى، فلم يجدوا إزاء غياب المعلومات والحقائق المتعلقة باعتقالات الأمراء والوزراء غير الخلفيات السياسية ليعتمدوا عليها في تناول الحدث وليعمدوا دون معرفة إلى الترويج للتهافت التام للمقولات الحكومية عن ضرب الفساد. هنا أيضا ضاعت الشفافية، وحضرت المبالغات الخطابية والمعارك الكلامية. ليلة السكاكين الطويلة، لعبة العروش، مذبحة الأمراء، معركة الديكتاتور الصغير محمد بن سلمان؛ كانت تلك بعض المفردات والعبارات التي وظفها بكثافة معارضو حكم الملك وولي عهده في كتاباتهم الصحفية ومداخلاتهم التليفزيونية للتدليل على أن الاعتقالات ليست سوى ترجمة للصراع على السلطة بين أمراء آل سعود وحلفائهم، وأن هدف الملك وولي العهد هو الإطاحة بمراكز القوة والثروة غير الخاضعة لسلطانهم. في سياقات تناول المعارضين للاعتقالات تنفى شبهات الفساد واستغلال النفوذ وإساءة استخدام المناصب العامة عن الأمراء والوزراء ورجال الأعمال الموقوفين، وتتساوى السعودية التي تشغل موقعا وسيطا (٦٢ في ٢٠١٦) في مؤشر «مدركات الفساد» لمنظمة الشفافية الدولية، وهو ما يعني توطن الفساد الفردي والمؤسسي مع دولتي الدانمارك ونيوزيلندا (صاحبتي المركز الأول والأول مكرر فى ٢٠١٦).

بل إن بعض المعارضين لم تكفه أحاديث الصراع على السلطة كخلفية سياسية للاعتقالات، وابتدع عالما من السياسة البديلة بالربط بين «تصفية» مراكز القوة والثروة المناوئة وبين تراجع التأييد الشعبي للملك وولي العهد بسبب الحرب السعودية ــ الإماراتية على اليمن والمواجهة مع إيران وحصار قطر والتقارب مع إسرائيل والتحالف مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية التي لم تثبت علاقتها بالتقلبات الداخلية في السعودية وباستدعاء مسألة التأييد الشعبي للحكم التي لا يملك المعارضون دليلا لا على تراجعه ولا تصاعده ولا بقائه على حاله. الاعتماد الأحادي في تناول الاعتقالات على الخلفيات السياسية، فعلية أو متوهمة، وَرَّطَ المعارضين في الترويج لغير المكتمل من المعلومات ولأنصاف الحقائق ودفعهم إلى استبعاد واقع الفساد الفردي والمؤسسي الذي يدركه المواطنون السعوديون جيدا (في مسوح حديثة للرأي العام أجراها في السعودية مركز «الباروميتر العربي» جاءت مكافحة الفساد مع توفير الأمن باعتبارهما الأولويتين الأهم للسعوديين). ولم يبتعد عن فخ الترويج لأنصاف المعلومات والحقائق وعن مصيدة نفى الفساد عن السعودية سوى نفر قليل من معارضي الملك وولي عهده الذين أقروا من جهة أولى بإحاطة شبهات فساد واستغلال نفوذ وإساءة استخدام المناصب العامة لأمراء ووزراء ورجال أعمال، وشددوا من جهة ثانية على أن عدالة «لجنة مكافحة الفساد» تبدو انتقائية ومسيسة لغياب الشفافية عن إجراءاتها، وأشاروا من جهة ثالثة إلى استحالة المكافحة الناجعة للفساد إذا كانت شبهات الفساد تحيط أيضا ببعض القائمين عليها.

أما التعويل في التناول الإعلامي لاعتقالات السبت الماضى على الصور النمطية بشأن السعودية، فكان من نصيب عديد الصحف والقنوات التليفزيونية الغربية التي انتشرت بها تعابير من شاكلة «مملكة الصمت» و«مملكة الصحراء» وعبارات مثل «أمراء النفط يتصارعون» و«مؤامرات القصور في مملكة النفط» و«سيف ولي العهد يذبح منافسيه على السلطة» وغيرها.

وليس بانتشار تلك التعابير والعبارات، وهي إما تعيد إحياء الصور النمطية لممالك القرون الوسطى وصراعات أمرائها المتحاربين وتفرضها على الواقع السعودي المعاصر وإما تعود إلى مضامين القراءة الغربية (الاستشراقية) للمملكة العربية السعودية كدولة ظلامية يتحالف بها السيف والنفط والتفسيرات المتطرفة للدين لإخضاع المجتمع وقمع المواطن وقهر النساء وتعيد من خلالها الترويج للصور النمطية عن «مملكة الصحراء» في الإعلام الأمريكي والأوروبي ــ ليس بانتشارها غير دليل بين على عدم امتلاك الكتاب والصحفيين الغربيين لمعلومات وحقائق بشأن التحولات الداخلية في السعودية وعجزهم عن الخروج بتفسيرات موضوعية لاعتقالات السبت الماضي تتجاوز الإشارات العمومية والسطحية. حين تغيب الشفافية وتختفي المعلومات والحقائق، دوما ما تتصدر الصور النمطية تناول الإعلام الغربي لما يجري جغرافيا وثقافيا بعيدا عنه.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.