قد يكون من المبكر الحكم على ما يجري في السعودية. من المحللين ما سماه انقلابا، ومنهم من قال إنها حرب على الفساد وإن كانت تتم بشكل انتقائي، ومنهم من قال انها تصفية حسابات سياسية، بينما وصفها آخرون بأنها تمثل حربا ضد العادات الاجتماعية البالية في المجتمع السعودي ومحاولة لأخذ المجتمع نحو الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي.

ربما تكمن الحقيقة في خليط من كل هذه الأسباب مجتمعة، لكن الواضح أن القيادة السعودية الجديدة ألقت بالسياسة الحذرة التي كانت تتبعها المملكة جانبا، وأن انتهاء الحقبة النفطية مترافقا مع صعود الأمير محمد بن سلمان يعني أن السعودية لم تعد راغبة في إبقاء وتيرتها المحافظة على ذاتها، ولا ترغب في إدارة الدولة السعودية كما كانت تفعل طيلة العقود الماضية.

نستطيع الاتفاق أو الاختلاف على نجاعة الإجراءات السعودية ودوافعها، ولكن الأكيد أن السعودية اليوم لم تعد ذات السعودية التي نعرفها، وأنها ماضية بقوة في تطبيق إجراءات جذرية، يغلب عليها الطابع الاقتصادي والاجتماعي مع سلطوية في اتخاذ القرار. تحظى هذه العملية اليوم برضى قطاعات واسعة من الجيل الجديد، كما تواجه معارضة من قطاعات واسعة أيضا من القوى المحافظة الدينية والمدنية على حد سواء.

ما انعكاس ذلك على الأردن؟ سياسيا فإن العلاقة الأردنية السعودية لم تعد تحكمها نفس الاعتبارات السابقة، في حين ما تزال المواقف السياسية متوافقة إلى حد كبير، وإن كانت غير متطابقة، في المسائل الإقليمية والدولية.

السعودية وبسبب انخفاض أسعار النفط لم تجدد المنحة النفطية ولم تقم بدعم الخزينة لأكثر من سنتين، وليس هناك ما يشير إلى أنها ستقوم بذلك مستقبلا. كما يمكن القول إن وتيرة الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية في السعودية تبدو اليوم أكثر سرعة منا.

صحيح أن وضعنا يختلف عن وضع السعودية، ولكننا نتشابه تماما في أننا كلينا نواجه انتهاء الحقبة النفطية، وأننا كلينا في حاجة الى خطة متوسطة المدى، وأننا لا نستطيع الاستمرار في وضع الخطط العديدة التي طورناها على الرف.

أصبح من الواضح اليوم أنه لن يحك جلدنا إلا ظفرنا، كما قال جلالة الملك في خطاب العرش أمام مجلس الأمة. لا يكفي بعد ذلك ان تنادي الحكومة بضرورة الاعتماد على الذات، بل عليها ترجمة هذا الشعار لخطة مقنعة ومتوسطة المدى، وليست لحلول ما تزال تبدو بالقطعة. وعليها أيضا اعتماد سياسة إعلامية أكثر تواصلية مع الناس، وإقناعهم أن لديها هذه المرة الإرادة السياسية لتنفيذ الخطط، ولديها الجرأة والتصميم للدخول في عملية إصلاحية تقودنا في النهاية لبر الأمان. المشكلة اليوم أن لا أحد مقتنع بوجود مثل هذه الإرادة.

في العام 2005، صرحت وأنا نائب لرئيس الوزراء أنه لم يعد من المقبول أو المرغوب إدارة الدولة بالأساليب السابقة. لقد انتهى الوضع القائم ولن نستطيع الخروج من الأزمة بدون مراجعة حقيقية لكافة السياسات، وفتح الفضاء السياسي، والانتقال التدريجي والمدروس نحو اقتصاد إنتاجي، وتمكين الفئات الأقل حظا من خلال نظم تربوية وصحية أكثر كفاءة. بغير ذلك، فنحن نسير نحو المجهول.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.