في عالم اليوم شديد الاضطراب كثير الأزمات عميق المخاطر، صار تصديق الشعوب للأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة وأنصاف الحقائق هو القاعدة وليس الاستثناء. باتت الأخبار الزائفة تشكل خطوط إدراكنا لما يحيط بنا، وتحدد ــ من ثم ــ تفضيلاتنا المجتمعية والسياسية، وأضحت المعلومات المغلوطة وأنصاف الحقائق تؤثر في السلوك الانتخابي للمواطنين في البلدان الديمقراطية التى تضمن حكوماتها التنظيم الدوري والنزيه للانتخابات الحرة والتعددية. وبينما يرتب ذلك تقويض أسس تداول السلطة وحكم القانون في الديمقراطيات، فإنه يمكن البلدان السلطوية من التعتيم على واقع القمع والظلم وانتهاكات الحقوق والحريات. 

غير أن شيوع الزيف وغياب الحقيقة لا يعنيان أن الأقليات الواعية بين شعوب الديمقراطيات والسلطويات (هي دوما أقليات، في النرويج والسويد وكندا كما في روسيا والسعودية ومصر وزيمبابوي) فقدت كامل قدرتها على مقاومة الزيف أو خسرت جميع الأدوات ممكنة التوظيف لتحرير الشعوب من لعنته. وفي طليعة تلك الأدوات تأتي منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الحر وشبكات التواصل الاجتماعي. فالأولى تستطيع تعويلا على رغبتها في البحث عن الحقيقة ومعارفها المتخصصة في مجالات متنوعة كالتحولات البيئية وحقوق الإنسان والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمهمشين وظروف اللاجئين، تستطيع تفنيد الأخبار الزائفة ودحض المعلومات المغلوطة وأنصاف الحقائق. ووسائل الإعلام الحر تقدر على كشف الزيف لقطاعات من المواطنين أوسع من تلك التي يتواصل معها المجتمع المدني، ويمكنها من خلال ملكات الصحافة الاستقصائية تعيين هوية المتورطين في نشر الزيف وتغييب الحقيقة من مؤسسات وجهات وأفراد. وكما تستخدم شبكات التواصل الاجتماعي من قبل بعض جماعات المصالح في الديمقراطيات لنشر الأخبار الزائفة وتحضر بفضاءاتها الافتراضية «كتائب ولجان التوجيه المعنوي» التابعة للأجهزة الأمنية في البلدان السلطوية، فهي تقبل أيضا التوظيف من قبل الباحثين عن الحقيقة لمقاومة الزيف وكشف وتوثيق الانتهاكات والمظالم.

في هذا السياق، يجافي الصواب الدفع المتعجل الذي يكرره بانهزامية غير مبررة عديد المفكرين والسياسيين الليبراليين بكون الصراع بين جيوش المزيفين ومقاومي الزيف قد حسم واقعا وبكون نتائجه حتما ستميل في خانات جيوش الزيف المنظمة على حساب المستضعفين والمثاليين والباحثين عن الحقيقة من المقاومين.

نعم، تعاظمت تدخلات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الروسية في الانتخابات والاستفتاءات في الديمقراطيات. ويضع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وكذلك نجاح الأحزاب اليمينية المتطرفة والمجموعات العنصرية ومروجي خطابات الكراهية ضد الأجانب والأقليات فى الحصول على نسب تأييد شعبية غير مسبوقة فى البلدان الأوربية، يضع فرص مقاومة الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة في الغرب إزاء تحديات كبرى. وينطبق ذات الأمر على الانتقاص الجوهري من فرص مقاومة الزيف الذي يرتبه تطبيق الحزب الشيوعي الصيني لسياسات السيطرة الشاملة على الفضاء العام والإنترنت ومن خلالهما على المجتمع المدني والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ويرتبه أيضا العنف المادي والرمزي الذي تمارسه حكومات البلدان التى استعادتها السلطوية إلى حظيرتها البائسة كمصر وتركيا باتجاه قمع المجتمع المدنى وأصوات الحرية في وسائل الإعلام ومعاقبة طوائف من المواطنين الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير الحر عن الرأي بسلب حريتهم والزج بهم إلى السجون (من مدونين وصحفيين إلى نقابيين وطلاب)

بل إن فرص مقاومة الزيف والانتصار لحق الناس في المعرفة وفي تداول المعلومات والحقائق والتعبير الحر عن الرأي تتراجع بإيقاع يومي، بينما بعض جماعات المصالح في الديمقراطيات شأنها شأن الأجهزة الأمنية في البلدان السلطوية تتورط في تكوين وتمويل «جيوش المزيفين»، وتزرع عناصرها «كقادة رأي» في منظمات مجتمع مدني مدارة أمنيا و«أصحاب مساحات وصوت مرتفع» في وسائل إعلام مسيطر عليها أمنيا، وتوزع «الكتائب واللجان الإلكترونية» التي تروج للزيف على شبكات التواصل الاجتماعي. يحدث ذلك في ظل غياب، شبه شامل في الديمقراطيات وشامل في البلدان السلطوية، للرقابة القانونية والقضائية والسياسية إن على جيوش المزيفين أو على الجرائم التي ترتكبها عناصرها وكتائبها ولجانها ضد حق الناس فى المعرفة والتعبير الحر عن الرأي.

على الرغم من كل ذلك، استطاع مقاومو الزيف من الأقليات الواعية بين الشعوب ومن المتمسكين بالحقوق والحريات في المجتمع المدنى ووسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي تحقيق بعض الانتصارات الأولية فى مواجهة جيوش المزيفين. انتخابيا، على سبيل المثال، أسقط المواطنون الأمريكيون في ولايتي فيرجينيا ونيو جيرسي مرشحي الحزب الجمهوري لمنصب «حاكم الولاية»، ولم يسعف توظيف المرشحين للأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة وأنصاف الحقائق (في استنساخ صريح للحملة الانتخابية لدونالد ترامب في ٢٠١٦) ضد منافسيهما من الحزب الديمقراطي في تمكينهما من الفوز. مجتمعيا وسياسيا، تنتفض يوميا المزيد من منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام ومبادرات المواطنين الطوعية في الولايات المتحدة ضد جيوش المزيفين، وتدفع السلطات التشريعية والقضائية باتجاه الرقابة والمساءلة والمحاسبة القانونية. هكذا يدار أمر اللجان البرلمانية والقانونية المشكلة للتحقيق في التدخلات الروسية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية ٢٠١٦ وفي حدود تورط حملة / إدارة دونالد ترامب وبعض جماعات المصالح القريبة منه في التعاون مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الروسية وصنائعها الإعلامية والتجارية. هكذا أيضا تمارس السلطة التشريعية الأمريكية ضغطا متصاعدا على شركات التكنولوجيا والإنترنت الكبرى كفيسبوك وتويتر وجوجل وغيرها لكبح جماح استخدام الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي للترويج للأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة. إعلاميا، تشترك بعض وسائل الإعلام الملتزمة بالدفاع عن حرية التعبير عن الرأي مع مبادرات طوعية للمواطنين في كشف وتوثيق فساد الأقوياء، إن في الحياة السياسية أو في المجالات الاقتصادية والمالية أو في مجالات الثقافة والفنون. وليست حملة «#أناـ أيضا»، بامتداداتها من صناعة السينما والإنتاج التليفزيونى إلى الشركات التجارية الكبرى وإلى السياسيين والمسئولين المنتخبين (قدامى ومعاصرين)، سوى التعبير الأقوى اليوم عن بحث قطاعات واسعة في المجتمع الأمريكي عن الحقيقة وانتفاضها ضد الزيف الذي روجته طويلا بعض جماعات المصالح.

وبعيدا عن الولايات المتحدة، تواجه منظمات المجتمع المدني ويواجه مقاومو الزيف في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي النزوع الكارثي لبعض الحكومات الأوروبية لتجاهل القيم والمعايير الديمقراطية عند اتخاذ القرارات الكبرى وتطبيق السياسات العامة، إن خوفا على المصالح أو خوفا من اليمين المتطرف. هكذا، على سبيل المثال، يتحرك المجتمع المدني في ألمانيا اليوم لتفنيد المقولات العنصرية وخطابات الكراهية التي ينشرها اليمين المتطرف، ولدحض طيف واسع من الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة عن اللاجئين القادمين من البلدان العربية والإسلامية والذين يلقى فى وجوههم باتهامات معممة وظالمة بشأن التعاطف مع عصابات الإرهاب والتطرف والجهل. يتحرك المجتمع المدني في ألمانيا للتصدي للتوظيف السياسي لعودة اليمين المتطرف إلى البرلمان الاتحادي (عودة من خلال حزب البديل لألمانيا، وعودة بعد غياب منذ خمسينيات القرن العشرين) على نحو يضغط على الأحزاب الديمقراطية في اليمين واليسار لكى تتبنى سياسات هجرة ولجوء رجعية تذرعا بكون تلك السياسات هي السبيل الوحيدة لدرء خطر اليمين المتطرف. وحين وافقت الحكومة الألمانية على بيع أسلحة متطورة للسعودية وسببت ذلك بالأخطار الأمنية المتلاحقة في الشرق الأوسط، كانت أصوات اليسار في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي هي التي ذكرت الرأي العام بحضور خطر استخدام السعودية للأسلحة الألمانية في الحرب الظالمة على اليمن التي يتوالى من جرائها سقوط الضحايا المدنيين، وطالبت بضرورة التزام المستشارة ميركل بالامتناع عن تصدير أسلحة إلى مناطق الصراعات العسكرية والحروب الأهلية.

أما في البلدان السلطوية، وعلى الرغم من عنفوان «جيوش المزيفين» وقسوة سياسات السيطرة الشاملة على الفضاء العام والإنترنت وما بينهما من مجتمع مدني وإعلام وشبكات تواصل اجتماعي، فإن مقاومي الزيف يحققون نجاحات صغيرة متتالية في كشف وتوثيق الانتهاكات والمظالم وإظهار حقيقة حكومات تارة تزعم امتلاك الحق الحصري للحديث باسم «الوطنية»، وتارة أخرى تساوم المواطنين على حقوقهم السياسية وحرياتهم بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وتدعى بثالثة اهتمامها بالتواصل مع المواطنين أصحاب الآراء والتوجهات المختلفة دون تعقب أو قمع. هكذا لم تمر دون كشف وتوثيق تفاصيل توسع السلطات الصينية في مراقبة وتتبع والتجسس على مستخدمي الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، ومنعهم من تداول الكثير من المعلومات والحقائق (بل والصور كصورة دب والت ديزني الشهير «ويني»، وتوالي نشر مقاومي الزيف في روسيا لمعلومات وحقائق عن جيوش المزيفين التي تكونها وتمولها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتسعى لتشكيل رأي عام مؤيد للرئيس فلاديمير بوتين وسياساته وتتدخل بعلم الكرملين في شئون بلدان في الغرب والشرق بالترويج للأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.