المشهدان فى تفاصيلهما الكثيرة يعرضان دون رتوش حالتنا البائسة فى مصر التى لم يعد بها فضاء عام يناقش قضايانا الأمنية والسياسية والمجتمعية بموضوعية وتعددية وقبول للرأى الآخر.

المشهد الأول: ارتكبت عصابات الإرهاب جريمة قتل جماعى بشعة فى مسجد الروضة بشمال سيناء وسقط (إلى لحظة كتابة هذه الكلمات) ٣١١ ضحية وأصيب العشرات. على الفور، سقطت على رءوس المصريين المفجوعين خليط بائس من التفسيرات التآمرية ومن مقولات المسيسة للجريمة دون اعتبار لعقل أو ضمير.

فبعض من يحول وقوفهم من الحكم موقف العداء بينهم وبين النظر الموضوعى إلى ما يحدث من حولنا، خرجوا على الناس بادعاء أخرق عن تورط مؤسسات وأجهزة الدولة فى جريمة مسجد الروضة ودبجوا من المزاعم الخرقاء عن «خطط سرية لسيناء» و«أهداف عليا» و«صفقات غير معلنة» ما سعوا من خلاله إلى إعفاء الإرهابيين المجرمين من مسئوليتهم عن القتل وسفك الدماء وإطلاق الاتهامات الجزافية باتجاه الحكم وتسجيل نقاط سياسية رخيصة ومتهافتة.

فى المقابل، خرج بعض الموالين للحكم من محتكرى المساحات الإعلامية وفارضى الصوت الواحد والرأى الواحد على الناس بحديث أجوف عن جريمة الروضة كدليل على «نهاية الإرهاب» و«فشل الإرهابيين» و«قوة الضربات الانتقامية» التى وجهتها الأجهزة الأمنية لهم، وكأن قتل المئات وإصابة العشرات هو أمر لا يمثل نقلة نوعية مفزعة فى جرائم عصابات الإرهاب أو يستدعى حشد مؤسسات وأجهزة الدولة لطاقات إضافية لمواجهة الإرهاب. عندما تصبح جريمة قتل جماعى دليل «نجاح» الحرب على الإرهاب، فإننا نكون إزاء تغييب كامل للحقائق والمعلومات عن المواطن وتزييف لوعيه وإزاء إضعاف لمؤسسات وأجهزة الدولة التى تحتاج (خارج سياقاتها) لنقاش عام جاد بشأن الأدوات والاستراتيجيات الناجعة فى مواجهة الإرهاب وبشأن المزيج المطلوب من التعامل الأمنى والتعامل السياسى والتعامل التنموى فى المناطق التى تتحرك بها عصاباته.

المشهد الثانى: أعلن رئيس الوزراء الأسبق، الفريق أحمد شفيق، عزمه الترشح فى الانتخابات الرئاسية ٢٠١٨. أعقب ذلك تصريح له بشأن منعه من السفر من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة التى يقيم بها، ونفى رسمى إماراتى لواقعة المنع. بعيدا عن كون المنع من السفر هو ممارسة تقييدية اعتادت الحكومات العربية إنزالها بمن تريد من المواطنين والمقيمين دون التزام بضمانات دستورية أو قانونية لحق الناس فى حرية التنقل، وبعيدا عن كون دولة الإمارات ليست باستثناء فى هذا الصدد؛ فإن البائس فى أمر الفريق شفيق هو أبواب الجحيم الإعلامى التى فتحت عليه ما أن أعلن ترشحه للرئاسة وطالب بعدم منعه من السفر.

مصريا، أطلقت موالاة الحكم أصوات بعض محتكرى المساحات الإعلامية والمتنمرين على شبكات التواصل الاجتماعى لتتهم الرجل «بالتآمر على مصر» و«شق صفوف الجبهة الداخلية» وتقويض «حربنا على الإرهاب»، كل ذلك لكونه أعلن اعتزامه ممارسة حقه الدستورى فى الترشح فى الانتخابات الرئاسية. ولأن هذا النفر من السادة محتكرى المساحات اعتاد خلال السنوات الماضية دفع صنوف من الاتهامات الجزافية باتجاه معارضى الحكم من إخوان مسلمين يرمون بالخيانة ومدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية يوصفون كمتآمرين وعناصر «طابور خامس»، فإن تلك الصنوف ألقى بها جميعا على عتبة الفريق شفيق الذى صار فى أقل من ٢٤ ساعة «الحليف القديم» للإخوان و«أول من تفاوض مع قياداتهم» واكتسب أيضا دعم «حركات الخراب» كحركة ٦ إبريل و«القوى التى تسمى نفسها بالديمقراطية» وهى تريد «إسقاط الدولة» و«تخريب» البلاد.

بعبارة أخرى، صار أحمد شفيق «سوبر مان»، حليفا للإخوان الذين خسر أمام مرشحهم الانتخابات الرئاسية ٢٠١٢ وأيد إخراجهم من الحكم فى ٢٠١٣، حليفا للشباب والديمقراطيين الذين عارضوه بشدة وقت رئاسته للحكومة فى أعقاب ثورة يناير ٢٠١١ ولم يساندوا ترشحه للرئاسة فى ٢٠١٢. وجرت تلك الأصوات من موالاة الحكم بذمه والتشكيك فى وطنيته واتهامه بالخيانة والتآمر وشق الصفوف لمجرد رغبته فى الترشح، ذات الأصوات التى كانت ترى فيه رجل دولة والفائز الحقيقى فى الانتخابات الرئاسية ٢٠١٢ وأحد من عملوا على «إنقاذ مصر» من «ظلام» الإخوان قبل ٢٠١٣. غير أنها الظروف والشروط التى تنسيهم اليوم مواقف الأمس، وتجعل من أى حاكم والمتنفذين والمتحلقين من حوله مستحقى تأييدهم وإشادتهم الوحيدين (وبالروح وبالدم نفديك يا زعيم) . أما من يجهرون بالمعارضة السلمية والسياسية للحاكم (مجرد المعارضة) أو يفصحون عن نية المنافسة الانتخابية، فليس لهم لدى موالاة الحكم غير الإلحاق الزائف بكتائب مزعومة لخونة ومتآمرين وطابور خامس.

ثم أضيفت إلى أبواب الجحيم المصرية أبواب جحيم خليجية فتحت على الفريق شفيق ما أن أعلن عن منعه من السفر من قبل دولة الإمارات، وجاء الإعلان بتوظيف شاشة قناة الجزيرة القطرية. بعيدا عن استحالة العثور على أمر مقنع واحد يدفع الرجل إلى ادعاء منعه من السفر على خلاف الحقيقة أو إلى التورط غير المسبب فى صراع مع حكومة الإمارات التى استضافته منذ ٢٠١٢، فإنه لم يأت فى بيانه الذى أذاعته الجزيرة سوى على ذكر المنع والمطالبة برفعه وتمكينه من ممارسة حقه فى حرية التنقل وعدم التدخل فى الشئون المصرية.

لا موضوعية لشاشة الجزيرة، ولا ممارسة ديمقراطية لا فى قطر ولا الإمارات ولا غيرهما من دول الخليج. والصراع فى الخليج بين السعودية والإمارات والبحرين وبين قطر لا يغير من حقائقه بيان للفريق شفيق على شاشة الجزيرة، ولا تضار حكومة قوية كالحكومة الإماراتية أو تهتز صورتها العالمية والإقليمية من مطالبته لها بتمكينه من السفر بينما حربها فى اليمن وممارسات أخرى لم يرتب ذلك. استخدم «بيان الجزيرة» لهجوم إعلامى مصرى وخليجى على الرجل اتسم ببؤس بالغ، فمن متهم له بالانحياز لقطر على حساب «وطنه مصر» (هنا تعود مصر لتصبح وطنه) ودولة «الإمارات الكريمة» التى استضافته لاجئا، إلى موصف له «باللئيم» الذى انقلب على اليد التى أكرمته، إلى غير ذلك من اتهامات وأوصاف سلبية اعتادت موالاة الحكومات العربية إطلاقها باتجاه من يخالفون رغباتها أو تتملكهم «وضاعة» المعارضة السلمية («وضاعة» لأنهم يعضون «أيادى الخير» التى مدت إليهم).

لم أؤيد الفريق أحمد شفيق فى انتخابات ٢٠١٢، صوت فى جولتها الأولى لغيره وغير الدكتور محمد مرسى وامتنعت عن التصويت فى الجولة الثانية. بل وأدخلنى الاختلال الوقتى لبوصلة ليبرالية الحقوق والحريات بين يديى ومشاركتى فى تمرير قانون للعزل فى مواجهة معه، مواجهة كان هو طرفها الأقوى أخلاقيا وسياسيا بغض النظر عن عوامل كثيرة أخرى. لم أؤيد الفريق شفيق فى ٢٠١٢، ولست ممن كانوا يذهبون إليه فى الإمارات بين ٢٠١٢ و٢٠١٣ للتنسيق ضد الإخوان والحشد الإقليمى والدولى ضدهم ثم نقلوا بعد 2013 «عطاء التأييد والتنسيق» من الفريق إلى الحكام والمتنفذين والممولين الجدد. لست من مؤيديه أو «رجاله»، وكثير منهم لم يفعلوا بين ٢٠١٣ و٢٠١٧ غير الصمت على انتهاكات حقوق الإنسان فى مصر وتخويننا كمدافعين عن حقوق الضحايا وحرياتهم. غير أن ما يحدث مع أحمد شفيق من تخوين وتشكيك وإطلاق للاتهامات الجزافية والأوصاف السلبية هو أمر بالغ البؤس فى انقلابه على كل معانى الحق والحرية، حقه فى الترشح للانتخابات الرئاسية ٢٠١٨ وحرية التنقل، حقه فى عدم التعرض لحملات التخوين والتشكيك الظالمة وحريته فى الإعلان عن مواقفه وآرائه السياسية عبر الوسائط التى يقرر هو أنها ملائمة، حقه فى معارضة الحكم فى مصر وحريته فى اختيار طرق المعارضة طالما لم يتجاوز شروط السلمية ومقتضيات القانون.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.