يشهد الأردن اليوم حالة فريدة من التقارب الشعبي والرسمي تتجلى كل يوم بكل وضوح في التعبير عن رفض قرار الرئيس الاميركي ترامب حول القدس. من يتابع نشرات الأخبار في التلفزيون الأردني هذه الأيام لا يكاد يصدق مدى الجرأة في الطرح ضد الولايات المتحدة وهو أمر لم نعتده من قبل، حتى أن بعض من يلتقيهم التلفزيون من المتظاهرين يحملون على صدورهم شعار "غاز العدو احتلال" وهو شعار ضد الحكومة التي مررت هذه الصفقة سيئة الذكر. وبقدرة قادر لم يعد هناك حرج في إظهار ذلك على الشاشة الرسمية.

عديدة هي الدروس الممكن استخلاصها من حالة التلاحم هذه، أولها أن الناس مستعدون للتغاضي مرحليا عن الخلافات الداخلية حين يتعلق الموضوع بأخطار خارجية، إن شعروا ان السلطة التنفيذية تشاركهم مشاعرهم وهمومهم، وهذه ظاهرة تحسب للأردنيين والأردنيات الذين يعشقون بلدهم ويتصرفون بكل حكمة ووعي أمام المخاطر الخارجية. أما الدرس الثاني فهو أن السلطة التنفيذية تعرف تماما أهمية التقارب مع الناس إن شاءت، وتعرف كيف توظفها حين تريد. متى كانت آخر مرة طلبت الحكومة من الناس النزول الى الشارع وشكرتهم على ذلك؟

لكن الدرس الأهم، والذي لا أعرف ان كانت الدولة تعيه، هو أن حالة التقارب هذه لا يمكن إدامتها إنْ بقيت انتقائية، تستخدم فيها الحكومة مشاعر الناس حين تريد، وتتجاهلها حين تشاء. فإن كان من الخطورة إبقاء فجوة الثقة بين الناس والمؤسسات الرسمية كبيرة لهذا الحد، فمن السذاجة الاعتقاد أنه يمكن التحكم بهذه الهوة بمفتاح حكومي. يثبت الأردنيون كل يوم وقوفهم وراء قيادتهم وبلدهم، ولكنهم يريدون أيضا أن يروا جدية مستدامة في التعامل والتواصل معهم، وليس انتقائية مفادها ان الرأي العام مهم فقط في الأمور التي تحددها الدولة. هل تدرك الحكومة مثلا ان الشعب الأردني الرافض لقرار ترامب حول القدس رافض ايضا لاتفاقية غاز تربطنا بإسرائيل لمدة خمسة عشر عاما؟ وهل نأمل بإلغاء هذه الاتفاقية بعد أن يخمد دخان الاحتجاجات الشعبية، أم أننا سنواصل نفس السياسات القديمة كأن شيئا لم يكن؟ هل الاحتجاج ضد قرار القدس مشروع بينما الاحتجاج ضد اتفاقية الغاز مرفوض؟

حالة التقارب الحالية لا يجوز أن نتركها تمر دون الاستفادة منها لتحصين الجبهة الداخلية والتأسيس لمجتمع قوي متماسك مستقر ومزدهر. لم يكن الأردن بحاجة لفعل ذلك أكثر من اليوم. وليس هناك أفضل من هذه الفرصة التي تمكنت من تجسير هوة كبيرة بين الدولة والناس لاعتماد سياسة مستدامة عمادها التشاركية والمصارحة مع الناس، ومعاملتهم على أساس أنهم شركاء في المسؤولية، ليس فقط في موضوع القدس، ولكن في كافة المواضيع.

مرة بعد أخرى، يتكشف لبّ المعضلة في بلدنا الحبيب، وهو أنه لا ينقصنا الحلول والخطط لمعالجة التحديات الجمة التي تواجهنا، ولكن ما نحن بحاجة إليه هي الإرادة والمصارحة والشجاعة والتشاركية. نحتاج الإرادة لإدراك أن الوضع القائم غير قابل للاستمرار، والاستعداد للمضي قدما في عملية إصلاحية شاملة. نحتاج الشجاعة لأخذ القرارات الضرورية لا التجميلية للتأسيس لوضع جديد. نحتاج المصارحة لنقول للناس كل الحقيقة، وليس جزءا منها فقط، ونعترف بأخطائنا كما نشير لأخطاء الآخرين. أما التشاركية، فهي إدراك أن القرارات الواجب اتخاذها ليست اقتصادية فقط بل سياسية أيضا وأن المطلوب هو إشراك الناس في صنع القرار، فالشجاعة هنا لا تعني قفزة في المجهول، بل ضرورة لمستقبل أفضل.

إن توفرت هذه الشروط، نستطيع إدامة التقارب بين الدولة والناس، وبعكس ذلك، فالفجوة آخذة في الازدياد.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.