خلال السنة التى أمضاها الدكتور محمد مرسى فى الحكم رئيسا للجمهورية ــ بين يونيو 2012 ويوليو 2013 ــ لم يغب الاستقطاب السياسى عن المشهد المصرى. بعد شهر عسل وجيز للغاية تودد فيه الدكتور مرسى وجماعة الإخوان إلى الأحزاب العلمانية لحفزها على الابتعاد عن الصراعات التى أحاطت بالانتخابات الرئاسية، انفجر الخلاف مجددا وعلى جناح السرعة. كان لم يمضِ سوى أسابيع قليلة على بدء ولايته حتى أقال الدكتور مرسى وزير الدفاع ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، المشير محمد حسين طنطاوى والفريق سامى حافظ عنان، على التوالى، وعين مكانهما الفريق السيسى والفريق صدقى صبحى. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة حظيت بتأييد بعض المجموعات الشبابية الثورية، فإن معظم الأحزاب العلمانية فسرت هذه الخطوة بأنها مجرد محاولة من الإخوان للسيطرة على الجيش وكانت المخاوف عاتية للغاية آنذاك من وجود مؤامرة إسلامية كبرى لخطف الدولة وتقويض الجيش.

ثم نشب نزاع كبير حين كشف الدكتور مرسى عن إعلان دستورى فى 22 نوفمبر 2012، وضع فيه الصلاحيات التنفيذية والتشريعية فى عهدة الرئاسة وحصن المراسيم والقرارات الرئاسية وانقلب على تعهده بعدم التدخل فى شئون القضاء من خلال تعيين نائب عام جديد. فى اليوم التالى، التأم شمل سياسيين علمانيين مثل الدكتور محمد البرادعى والسيد عمرو موسى ومعهم قادة معظم الأحزاب اليسارية والليبرالية فى المقر الرئيس لحزب الوفد فى القاهرة للتشديد على رفضهم الإعلان الدستورى. تشكلت خلال هذا الاجتماع جبهة الإنقاذ الوطنى كمنبر علمانى مُعارض، ولمت شمل أحزاب مثل: الوفد، والتجمع، والمصريين الأحرار، والديمقراطى الاجتماعى، والجبهة الديمقراطية، وحزب المؤتمر المصرى الذى كان قد تأسس حديثا بقيادة عمرو موسى، والتحالف الشعبى، والكرامة، وأحزاب صغيرة أخرى. نظمت جبهة الإنقاذ الوطنى ــ بدعم من قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى الحضرية التى باتت قلقة على نحو متزايد من خطوات الإخوان ــ حشودا وتجمعات ضخمة فى القاهرة والإسكندرية للمطالبة بتراجع رئيس الجمهورية عن الإعلان الدستورى وبدء حوار وطنى حول مجابهة التحديات الكبرى التى تواجه مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية فى مصر. فوجئ الدكتور مرسى بالمشاركة الشعبية الكبيرة فى تظاهرات جبهة الإنقاذ، فسارع إلى إلغاء بعض بنود الإعلان ونقل الصلاحيات التشريعية إلى مجلس الشورى وألغى حصانة المراسيم والقرارات الرئاسية. لكنه رفض سحب تعيينه للنائب العام الجديد

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

عمدت الأحزاب العلمانية ــ التى شعرت بالتمكُن للمرة الأولى عقب سلسلة الهزائم التى مُنيت بها بين ٢٠١١ و٢٠١٢ وبالثقة جراء المشاركة الشعبية فى تظاهراتها السياسية وبالقلق من سياسات جماعة الإخوان ــ إلى تصعيد ضغوطها على الرئيس المُنتخب. فرفضت سحب الدكتور مرسى بعض بنود الإعلان وطالبت بإلغائه برمته وإعادة تثبيت النائب العام السابق فى منصبه، ورفض معظمها دعوة الرئيس إلى المشاركة فى مؤتمر للحوار الوطنى. ردت جماعة الإخوان بالتقارب مع الأحزاب السلفية كحزب النور وقواعد الحركة السلفية التى نظمها النائب السابق والسياسى ذو التأييد الشعبى الواسع آنذاك حازم صالح أبو إسماعيل. وهكذا، وبعد أشهر معدودة من ولاية محمد مرسى، طفا الاستقطاب بين الأحزاب العلمانية وبين قوى الإسلام السياسى على السطح مجددا وبحدة.

سرعان ما نشب صراع ثانٍ عقب مسألة الإعلان الدستورى، لكن هذه المرة حول الدستور الجديد للبلاد. فبعد قرار محكمة إدارية إبطال الجمعية التأسيسية الأولى التى شكلها البرلمان فى 2012، استخدم الإخوان والسلفيون سيطرتهم على البرلمان لتشكيل جمعية تأسيسية جديدة. قَبِلَ الوفد ومجموعة من السياسيين العلمانيين بمن فيهم السيد عمرو موسى، عضوية الجمعية وحاولوا، جنبا إلى جنب مع ممثلى السلطة التنفيذية والكنائس المصرية، التعبير عن مخاوف العلمانيين خلال عملية الصياغة الدستورية. شككت معظم الأحزاب العلمانية علنا بشرعية الجمعية التأسيسية الثانية، وتداولت المحاكم العديد من الطعون القانونية التى طالبت بإبطالها. وتعرض الأعضاء العلمانيون فى الجمعية إلى وابل من الحملات من وسائل إعلامية مناوئة للإسلاميين، كما حظيت الدعوات إلى استقالة عمرو موسى وممثلى السلطة التنفيذية والكنائس بشعبية بين الطبقات الوسطى المدينية. فى الوقت نفسه، لم يُخفِ الأعضاء السلفيون فى الجمعية تصميمهم على «أسلمة الدستور» وتمهيد الطريق أمام ما أسموه تطبيق الشريعة. وقد مكن الاستقطاب المتصاعد بين العلمانيين والإسلام السياسى السلفيين من إقناع أعضاء الإخوان فى الجمعية بتضمين الدستور بنودا تتجاوز بكثير الإشارات التقليدية إلى الأحكام الأساسية للشريعة. كان للإخوان والسلفيين أغلبية مريحة فى الجمعية، وبالتالى حين بدا واضحا أن أحد هذه البنود ستُضم إلى الدستور الجديد (ما أصبح لاحقا المادة ٢١٩ من دستور ٢٠١٢)، قدم السيد موسى وأعضاء الوفد وغيرهم من الأعضاء العلمانيين فى الجمعية استقالاتهم فى نوفمبر 2012 ولحق بهم ممثلو الكنائس المسيحية.

على الرغم من استقالة العلمانيين، مضى الإخوان والسلفيون قُدُما فى خططهم، وتبنوا دستورا جديدا دون اعتبار للمناخ الاستقطابى والصراعات العديدة التى أحاطت بالحياة السياسية. وفى 1 ديسمبر 2012، أعلن الدكتور مرسى أن المصريين سيُدعون إلى قبول أو رفض الدستور فى استفتاء يُجرى فى 15 و22 ديسمبر 2012. ذهبت أدراج الرياح دعوات قلة من السياسيين العلمانيين ومن شباب المجموعات الثورية إلى الإخوان والسلفيين بغية إجراء مشاورات تعددية بشأن النص الدستورى قُبيل الاستفتاء. وخاضت الأحزاب العلمانية التى كانت فى معظمها منظمة فى جبهة الإنقاذ نقاشات حول ما إذا كانت ستشارك فى الاستفتاء بالتصويت بـ«لا» أم ستقاطعه. كانت مخاوف العلمانيين فى الجبهة حيال نتيجة التصويت كبيرة، حيث لاح فى الأفق بقوة احتمال الخسارة الانتخابية لصالح الإخوان والسلفيين. مع ذلك، استقر رأى الجبهة على المشاركة فى الاستفتاء عبر التصويت بـ«لا»، وأفادت الجبهة من طبقة وسطى مُستنفرة رأت فى معركة الدستور مواجهة حول الهوية الحقيقية لمصر وانخرطت فى عملية تواصل واسعة النطاق مع المواطنين وشنت حملات إعلامية لإقناع الغالبية بالتصويت لرفض الدستور. انتهى الاستفتاء بتصويت 63.8 فى المئة لصالح الدستور المدعوم من الإخوان والسلفيين و36.2 فى المائة ضده. وحينها اكتسب الصراع بين العلمانيين وبين الإخوان والسلفيين زخما جديدا كان مآله تعطيل الحياة السياسية ودفع البلاد إلى خانات تعثر الحكم وإدارة الشأن العام على نحو خطير للغاية.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.