في ربيع 2012، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين أنها ستطرح مرشحاً للانتخابات الرئاسية المُقررة في أيار/مايو وحزيران/يونيو 2012. وهذا كان على طرفي نقيض من الموقف الذي كانت تؤكد عليه الجماعة ليل نهار خلال العام 2011 كذلك بعد نجاحها في الانتخابات البرلمانية من أنها لن تحاول احتكار كلٍ من السلطتين التشريعية والتنفيذية، بل ستقتصر على المشاركة في البرلمان والجمعية التأسيسية. هذا الموقف، وهو مثل خروجا حقيقيا على قاعدة «المشاركة لا المغالبة» التي روجت لها جماعة الإخوان في أعقاب ثورة يناير 2011 وتقويضا للقليل المتبقي آنذاك من التوافق الوطني بين الإسلاميين والعلمانيين، صدم الأحزاب العلمانية والأهم أنه شكّل أيضاً صدمة للمؤسسة العسكرية.

جاء رد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو كان لازال يمسك بزمام السلطة التنفيذية في ذلك الوقت، على موقف الجماعة الجديد سلبيا واكتسب في ذلك تأييد معظم الأحزاب العلمانية. حاول المجلس الأعلى تقويض عملية صياغة مسودة دستور 2012 من خلال إصدار إعلان دستوري مكمل في حزيران/يونيو 2012 أصبح بموجبه الجيش السيد الحقيقي للسياسات المصرية، وأنيط به للمرة الأولى في التاريخ السياسي المصري واجب «الحفاظ على النظام الدستوري والفصل بين السلطات». واستخدم المجلس الأعلى أيضا حكماً أصدرته المحكمة الدستورية العليا لحل مجلس الشعب بعد ستة أشهر فقط من بدء جلساته.

مثّل حل مجلس الشعب والإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحيكت خيوطه لنسف السياسات التعددية القائمة على العملية الانتخابية، هجمتان مُتقدمتان من المؤسسة العسكرية على عملية التحول الديمقراطي في البلاد. ومع ذلك، اصطفّت معظم الأحزاب العلمانية بما في ذلك حزب الوفد إلى جانب المؤسسة العسكرية وبررت خطواتها. بل وأطلقت أحزاب مثل حزب المصريين الأحرار والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب التجمع العنان لمشاعرهم المناهضة للإسلاميين، وسمحت لهذه المشاعر بتشكيل أدوارها السياسية وسوّغت الخطوات المناوئة للديمقراطية التي أقدمت عليها المؤسسة العسكرية على أنها ضرورية لممارسة الضغوط على الإخوان والسلفيين. وبذا، عرّضت الأحزاب العلمانية نفسها هي أيضاً إلى الخطر وشاركت بحساباتها الخاطئة شأنها شأن جماعة الإخوان في تقويض مسار التحول الديمقراطي الذي كانت تدّعي الالتزام به.

مع وصول الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين إلى مستويات غير مسبوقة، انغمست المؤسسة العسكرية أكثر وأكثر في صراع على السلطة مع جماعة الإخوان وباتت مصر تقترب من الانتخابات الرئاسية المقررة في صيف عام 2012 وهي تمر بلحظة حادة من الاستقطاب السياسي تراجعت بها أدوار الأحزاب العلمانية: القديمة كالوفد والتجمع أو الحديثة كالمصريين الأحرار والديمقراطي الاجتماعي. ومع ذلك، بقيت الأحزاب العلمانية متشظية أكثر من أي وقت مضى. فعلى الرغم من أن معظمها لم يطرح مرشحاً لانتخابات الرئاسة، إلا أنها أيّدت بشكل مباشر أو غير مباشر مرشحين مستقلين متباينين. فالوفد دعم ترشيح الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى، فيما رشّح حزب الكرامة ناصري التوجه مؤسسه حمدين صباحي، وأيّد حزب التحالف الشعبي اليساري ترشيح البرلماني المخضرم أبو العز الحريري (رحل عن عالمنا في 2014)، ووضع برلمانيون علمانيون مستقلون (كنت من بينهم) تواقيعهم على بيان ترشيح المحامي المناصر للعمال خالد علي قبل حل مجلس الشعب في حزيران/يونيو 2012. أما حزبا المصريين الأحرار والجبهة الديمقراطية ذات التوجه الليبرالي فقد رأيا في رئيس الحكومة الأسبق الفريق أحمد شفيق أفضل رهان للعلمانيين ودعماه بشكل غير مباشر، في حين لم تؤيد أحزاب أخرى كالحزب الديمقراطي الاجتماعي أي مرشح وطلبت من أعضائها الاقتراع وفق ما تمليه عليه ضمائرهم.

وهكذا، ومجدداً، أسفر التشظي عن خسائر كبرى للأحزاب العلمانية. فالجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي عقدت في أيار/مايو 2012 انتهت بفوز كلٍ من مرشّح الإخوان الدكتور محمد مرسي ورئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق، وهزيمة كافة المرشحين الآخرين للأحزاب العلمانية كحمدين صباحي وعمرو موسى. وفي جولة الإعادة في حزيران/يونيو 2012، فاز الدكتور مرسي وأصبح أول رئيس في مصر يُنتخب بشكل ديمقراطي حقيقي وكذلك أول رئيس ينتمي لتيارات الإسلام السياسي. ومع ارتقاء محمد مرسي إلى سدّة الرئاسة، بدت الحياة السياسية في مصر وكأن جماعة الإخوان وبقية أطياف الإسلام السياسي قد سيطرت على السلطتين التشريعية (كان مجلس الشورى وهو آنذاك الغرفة الثانية للبرلمان المصري مازال قائما بعد حل الغرفة الأولى التي مثلها مجلس الشعب) والسلطة التنفيذية، فضلا عن سيطرتهم على الجمعية التأسيسية المكلفة بكتابة الدستور الجديد. وهكذا، تحوّلت مخاوف الأحزاب العلمانية من استيلاء الإسلاميين على السلطة إلى نبوءة ذاتية التحقّق. لكن، وبدلاً من الاعتراف بالتأثيرات السلبية لعوامل مثل التبعثر الحزبي والتنافس الانتخابي والتبرير المتكرر لإجراءات المؤسسة العسكرية المناوئة للديمقراطية، انجرفت الأحزاب العلمانية بعد الانتخابات الرئاسية 2012 بشكل مطرد نحو قطيعة حادة من تيارات الإسلام السياسي ومزيد من التأييد لتدخل الجيش في السياسة.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.