يتعيّن على الرئيس الأميركي أن يقرّر، في الأيام القليلة المقبلة، ما إذا كان سيواصل الالتزام بالاتفاق النووي مع إيران. قد يميل ترامب وفريقه إلى المحاججة بأن مثل هذا الالتزام، في الوقت الذي تعمد فيه الحكومة الإيرانية إلى قمع المحتجّين، هو ضرب من ضروب الحماقة. بيد أن ذلك سيكون بمثابة خيار استراتيجي في حدّ ذاته، سيجعلنا نحن محور القضية، بدل أن يتم التركيز على ضعف نظامٍ انقطعت صلته بشعبه وعلى شرعيته المجروحة. ثمّ أن من شأن مثل هذه الخطوة أن تؤدّي أيضاً إلى تبديد الفرصة السياسية الحقيقية المتاحة أمامنا، والمتمثلة في تجديد الضغوط الدولية ضد تهديدات القيادة الإيرانية للمنطقة وشعوبها، فيما نواصل كبح طموحاتها النووية. بإمكان إدارة ترامب أن تُعيد ضبط سياستها الإيرانية بطريقة تسمح لها بقيادة الدفّة من جديد ودفع طهران إلى وضعية الدفاع الدبلوماسي.

يُتيح الاتفاق النووي مع إيران للولايات المتحدة اتّخاذ تدابير ضد الحكومة الإيرانية على خلفية تجاوزات غير نووية. وبالتالي، لاتضارب بين تطبيق الاتفاق النووي، وبين إقرار إجراءات اقتصادية جديدة تستهدف، على سبيل المثال، منتهكي حقوق الإنسان في إيران، وكذلك أفرقاء خارج إيران يزوّدون الأجهزة الأمنية الإيرانية بوسائل قمع المدنيين ومراقبتهم. قد تحصل فرص إقناع شركائنا الأوروبيين وسواهم من الشركاء بالانضمام إلى إجراءات مماثلة على اندفاعة كبرى إلى الأمام، في حال لم يتم هجران الاتفاق النووي.

وليام بيرنز
نائب سابق لوزير الخارجية الأميركي ورئيس مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

علاوةً على ذلك، هذا الاتفاق لم يساهم في تحويل الاقتصاد الإيراني إلى قوّة جبّارة أو في تعزيز استقرار النظام، لابل هو على العكس، جرّد النظام من الحجّة التي كان يسوقها بأن الضغوط الخارجية – وليس سوء الإدارة المزمن، والفساد، وسوء تخصيص الموارد – هي مصدر الظروف الاقتصادية البائسة التي يعاني منها معظم الإيرانيين. 

بعد عامَين على تطبيق الاتفاق، ليس نظام الملالي في موقع مريح في طهران. لقد تحقّقت مخاوف المرشد الأعلى التي عبّر عنها خلال المفاوضات النووية: فالاتفاق كشف نقاط ضعف النظام، بدلاً من محوها.

ربّ قائل هنا إن إعادة العمل بالعقوبات النووية ستؤدّي إلى تعجيل انهيار النظام عن طريق الضغوط الاقتصادية. إنها مجرد تكهّنات في أفضل الأحوال، لابل يحمل مثل هذا المسار في طيّاته خطر تمكين الحكومة الإيرانية، الأمر الذي من شأنه أن يولّد في إيران ديناميكيةً قوامها "نحن في مواجهتهم"، والتي تحرف الأنظار عن العمق الأخلاقي الجلي للاحتجاجات. قد يترافق ذلك أيضاً مع خطر اندلاع معركة عالمية حول من ارتكب الخطأ، هل هي طهران أم واشنطن، فيما يُسمح لبقية العالم بأن ينأى بنفسه عن كل ذلك.

أخيراً، سوف تحصل إيران على ضوء أخضر لكسر الأغلال النووية المفروضة عليها بموجب الاتفاق، مايؤدّي إلى السير بخطى سريعة نحو اندلاع أزمة نووية في الشرق الأوسط، وكأنه لاتكفينا أزمة مماثلة في شبه الجزيرة الكورية.

جايك سوليفان
جايك سوليفان هو مدير سابق لقسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية، وباحث أول في مؤسسة كارنيغي.

بدلاً من ذلك، ينبغي على إدارة ترامب أن ترسل إشارة إلى شركائها الأوروبيين بأنها ستواصل تطبيق الاتفاق، إنما تتوقّع منهم أيضاً الانضمام إلى حملة جدّية من أجل التصدّي لسلوكيات النظام الإيراني في الداخل والخارج. وفي حال تصاعدت ردود فعل إيران العنيفة، علينا أيضاً تصعيد ضغوطنا نحن، مُستفيدين من سلطة العقوبات التي نحتفظ بها خارج إطار الاتفاق النووي. يجب أن نبذل قصارى جهدنا كي تصبح حملة الاستنكارات العلنية الصادرة عنا جزءاً من جوقة بيانات دولية، لا أن تبقى مجرّد أداء منفرد. وعلينا أن نستمرّ في البحث عن سبل لتفعيل استخدام تكنولوجيا المعلومات وأدوات مواقع التواصل الاجتماعي التي تربط المواطنين الإيرانيين بالعالم وفي مابينهم. وسيكون من الحكمة أن تنتهز الإدارة الأميركية هذه اللحظة لرفع الحظر عن سفر الإيرانيين إلى الولايات المتحدة، والذي يحول دون قدرة الأشخاص الذين يتظاهرون في شوارع إيران على المجيء إلى هنا للدراسة أو زيارة عائلاتهم.

هذه الاستراتيجية يجب أن تترافق مع أمرٍ آخر افتقرت إليه التصريحات الصادرة مؤخراً عن المسؤولين في الإدارة الأميركية: التواضع. فنظراً إلى مايمتلكه النظام الإيراني من إمكانات قمعية يواصل استخدامها، قد يكون من الصعب بمكان تحقيق تغيير سياسي ذي أهمية. فعِوَض أن يفطن الرئيس الأميركي ونائبه وسواهما للإمكانيات التي تتيحها هذه اللحظة المهمة، ومحدودياتها، فإنهم لايألون جهداً لتحويلها إلى مسألة تصفية حسابات مع الرئيس السابق باراك أوباما. وفي خضم ذلك، يبالغون في التركيز على دروس 2009، ويذهبون بعيداً في تصوّرهم لقدرتهم على التأثير في تطورات إيران.

في نهاية المطاف، يقتضي الدعم الفطن للشعب الإيراني ولمصلحتنا الاستراتيجية في الحد من التهديد الإيراني، أن نواصل إنحاء اللائمة على عاتق النظام الإيراني. وهذا لايكمن في إطلاق تغريدات تبجّحية أو اتّخاذ خطوات حمقاء لإبطال الاتفاقات، لاتؤدّي سوى إلى مساعدة الخصم على حرف الانتباه عن الموضوع الجوهري. يشكّل إرساء توازن بين الأدوات المختلفة، العلامة الفارقة التي تتميّز بها الديبلوماسية الأميركية الفاعلة، وفق ما أظهره الرئيس رونالد ريغان في إدارته لاتفاقات الحدّ من الأسلحة ذات الشروط القاسية مع الاتحاد السوفياتي، مع تشديده في الوقت نفسه على المخاوف في مجال حقوق الإنسان وحشده للضغوط الدولية ضد السلوك السوفياتي الخطِر.

إنه نموذج جيّد من المناسب الاقتداء به، في وقتٍ تتكشّف فيه التناقضات الداخلية في إيران بمزيدٍ من الوضوح.

تم نشر هذا المقال في واشنطن بوست.