قد يكون من الصعوبة الاعتراض على مبادرات ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان الداخلية في النواحي الاقتصادية والاجتماعية. اذ كيف يمكن انتقاد حملة لتمكين المرأة والانفتاح الاجتماعي ومحاربة الفساد وتنويع مصادر الدخل ووقف استغلال الدين؟ الا ان هناك عنصرا مهما جدا تفتقده هذه المبادرات وهو شق الإصلاح السياسي.

لقد أثبتت تجارب بلدان عربية عدة في السنوات العشرين او الثلاثين الماضية أن الاصلاح الاقتصادي بما فيه من مشقة الانتقال من النظام الريعي غير المنتج الى نظام إنتاجي يرفع النمو ويطال كافة فئات المجتمع لا يمكن له ان يتحقق دون مواكبته لاصلاح سياسي يحقق حاجة الناس للمشاركة في صنع القرار ويضمن مجالس تشريعية قادرة على الرقابة وضبط التجاوزات ومحاربة الفساد بشكل مؤسسي ضمن سيادة القانون. وقد أدت الاصلاحات الاقتصادية التي لم تتناول الجانب السياسي في دول كمصر وتونس الى ازدياد الفساد بسبب غياب الناحية الرقابية والتشريعية الضرورية.

في الاردن حاولنا الخروج بخطة تجمع بين الاصلاح الاقتصادي والسياسي، وتم وأدها بسبب الشق الأخير، وعندما حاولت الحكومة بعد العام 2005 المضي قدما في الاصلاح الاقتصادي دون السياسي، كانت النتيجة مزيدا من التدهور الاقتصادي وزيادة ملحوظة في حجم الدَّين ومنسوب البطالة، وانخفاضا طال أمده في معدلات النمو حتى بعد تجاوز العالم للأزمة المالية العالمية العام 2008.

يعتقد البعض ان المطالبة باصلاح سياسي في ظل وضع اقتصادي خانق نوع من الترف الفكري والنخبوي لا تستطيع اي دولة الخوض فيه، والصحيح هو العكس تماما، فإن الخروج من الازمة الاقتصادية ليس ممكنا ان لم يشعر الناس ان الانتقال الاقتصادي الصعب الى نظم اكثر انتاجية يصاحبه ادراك من الدولة بوجوب إشراكهم في عملية صنع القرار. حينها، تصبح التضحيات اكثر قبولا من المواطن، ما دام يعرف انه شريك في الإشراف على عملية ستقوده الى وضع افضل في نهاية المطاف. وبعكس ذلك، يصبح الاصلاح الاقتصادي في نظر المواطن ليس اكثر من عملية مستدامة للجباية او غطاء لمزيد من الفساد المالي والاداري.

لقد أدرك جلالة المغفور له الملك الحسين تماما ضرورة الربط بين المسارين الاقتصادي والسياسي حين واجه الأردن قبل ثلاثين عاما أزمة اقتصادية خانقة ولم يكن في قدرته معالجتها اقتصاديا خلال وقت قصير، فكان ان دعا جلالته لانتخابات حرة أفرزت مجلسا شعر أغلبية الأردنيين انه يمثلهم بشكل معقول، كما شكل لجنة وطنية ممثلة لكافة اطياف المجتمع لصياغة عقد اجتماعي جديد فكان الميثاق الوطني. وكان لهذه الاجراءات السياسية اكبر الأثر في تجاوز الازمة الاقتصادية حتى بعد تفاقمها بسبب أزمة الخليج العام 1990.

ان استدامة الاصلاح الاقتصادي وضمان تحقيق نتائجه يتطلب وجود رافعة سياسية تضمن قبول وحماية المجتمع له وتحوله لقيمة إيجابية لدى الناس، والا فان درجة قبوله شعبيا ستبقى متدنية على المدى الطويل. الكل يدعو بالخير للمملكة العربية السعودية، وللأردن مصلحة خاصة في رخاء ومتانة الاقتصاد السعودي وأمن واستقرار الخليج العربي ككل. والكل يتمنى للسعودية النجاح خلال فترة انتقال صعبة نحو تنويع مصادر الدخل والحداثة الاجتماعية. وفي نفس الوقت، فان هذه التمنيات تبقى مقرونة بالامل ان تطال هذه المبادرات الشق السياسي الذي، وبعد التجربة، يشكل الضامن الرئيس لديمومة التحولات والقبول الشعبي الواسع.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.