خلال الفترة الممتدة بين تبنّي دستور 2012 في الأيام الأخيرة من كانون الأول/ديسمبر 2012 (انتهى الاستفتاء الشعبي على الدستور بتصويت 63.8 بالمئة لصالح إقراره و36.2 بالمئة ضده) وبين 3 تموز/يوليو 2013، رفضت جبهة الإنقاذ (عدا نفر محدود من السياسيين الليبراليين واليساريين المحسوبين عليها كنت من بينهم) الدعوات التي وجهها إليها الدكتور محمد مرسي وجماعة الإخوان للشروع في حوار وطني ومشاورات بشأن الدستور وبحث في إمكانية مشاركة العلمانيين في السلطة التنفيذية. بالقطع، بدا عرض «المشاورات الدستورية» بعد تمرير الدستور دون بناء توافق مع الأحزاب العلمانية مجرد نكتة سمجة من قبل الإخوان، ولم تتسم بالجدية عروضهم المتعلقة بتمثيل الأحزاب الليبرالية واليسارية في الحكومة.

في ربيع 2013، باتت مصر تقترب حثيثاً من نقطة اللا استقرار الخارج عن السيطرة. فمشاهد العنف في الشوارع بين أنصار الإخوان والأحزاب السلفية المتحالفة معهم وبين مؤيدي بعض الأحزاب الليبرالية واليسارية المنضوية داخل جبهة الإنقاذ كانت تتوالى فصولا، فيما بدأت بعض المؤسسات الرئيسية للدولة بممارسة تكتيكات العرقلة ضد حكومة الدكتور مرسي. حينها، شرعت المؤسسة العسكرية في إصدار البيانات السياسية والتلميح إلى استعداد «الجيش» للتدخل لحماية الدولة المصرية. وفي أعقاب مظاهرات شعبية حاشدة في 30 حزيران/يونيو 2013، عزلت المؤسسة العسكرية الدكتور مرسي وعينت رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيساً مؤقتا. 

في صيف 2013، اصطّفت جبهة الإنقاذ (عدا نفر محدود للغاية من الليبراليين المحسوبين عليها كنت من بينهم) إلى جانب المؤسسة العسكرية وبررت في 3 تموز/يوليو 2013 الإطاحة غير الديمقراطية برئيس منتخب بوصفها خطوة ضرورية لإنهاء «خطر الحكم الإسلامي» والحفاظ على «هوية البلاد» و»إنقاذ الدولة» من الانهيار. مكن تأييد الأحزاب العلمانية ومعه الحراك الشعبي الواسع في 30 حزيران/يونيو، المؤسسة العسكرية من صناعة انطباع عام مؤداه أنها تتحرك سياسيا في سياق دعم جماهيري. كذلك أضفت جبهة الإنقاذ، والتي وقف منسقها العام الدكتور محمد البرادعي خلف وزير الدفاع السابق ورئيس الجمهورية الحالي عبد الفتاح السيسي فيما كان هذا الأخير يعلن الإطاحة غير الديمقراطية بالرئيس المنتخب ويلغي دستور 2012 المقر شعبيا، شيئا من الشرعية الدولية الخادعة على تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة وإنهاء تجربة التحول الديمقراطي التي بدأت في 2011.

في صيف 2013، لم تتأخّر المؤسسة العسكرية عن توكيد سيطرتها على العمل السياسي. فعلى رغم أنها قَبِلت بتواجد تمثيل قوي للأحزاب العلمانية في الحكومة التي شُكِّلَت في تموز/يوليو 2013، وعيّنت شخصيات عامة علمانية في الجمعية التأسيسية التي أنيط بها صياغة دستور جديد للبلاد، إلا أن المؤسسة العسكرية شرعت في ممارسة دور «الجهة صاحبة القرار والأمر والنهي» في قضايا الحكم والسياسة. ودعا وزير الدفاع السابق ورئيس الجمهورية الحالي، الذي أطلّ عليه العديد من المواطنين على أنه المُنقذ العسكري الجديد من «حالة اللااستقرار وغياب الأمن» التي عاشتها البلاد، المصريين إلى منحه تفويضاً شعبياً لمحاربة الجماعات الإرهابية (في 26 تموز/يوليو 2013، تمّ تنظيم مسيرات وتظاهرات شعبية في طول البلاد وعرضها دعماً لوزير الدفاع). وتولت وسائل الإعلام المدارة أمنيا بشكل متواصل ومنتظم الخلط بين أجندات الجماعات الإرهابية وأجندة جماعة الإخوان، كما شهرت بتلك القلة من الأصوات العلمانية التي رفضت تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة وعارضت انقلاب 3 تموز/يوليو 2013. وتميّزت بالترويج للحملات ضد الإسلاميين وتشهير بتلك القلة من الأصوات العلمانية التي رفضت الانقلاب.

عدا استقالة الدكتور البرادعي من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية المؤقت عقب الفض الدموي لاعتصام رابعة العدوية في 14 آب/أغسطس 2013، عمدت الأحزاب العلمانية إلى دعم المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وتجاهل الانتهاكات المفزعة لحقوق الإنسان. وانخرط العديد من السياسيين والمثقفين العلمانيين في الترويج لصورة وزير الدفاع السابق كمنقذ وطني، وقارنوه مراراً بالرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، فيما تعاون آخرون مع وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الأجهزة الأمنية لشن حملات تشهير عنيفة استهدفت الإسلاميين والنفر المعارض بين الليبراليين. وهكذا، ساعدت هذه التوجهات والخطوات العملية على تسهيل استلام المؤسسة العسكرية لمقاليد الحكم والسياسة في مصر، وأسقطت بالكامل أوراق الاعتماد الديمقراطية للأحزاب العلمانية ومعها ادعاءات قياداتها ورموزها بأنهم السَدَنة الحقيقيون لحقوق الإنسان والحريات في مصر. 

لكن، وبالنظر إلى أحوال مصر في 2018، انتهى المقام بالأحزاب العلمانية لأن تتخذ أحد ثلاثة مواقف من ترتيبات الحكم القائمة؛ (1) الدعم المطلق للسلطوية الجديدة التي تدير يومياتها رئاسة الجمهورية والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وتسيطر على كافة المؤسسات العامة الأخرى والإفادة من هذا الدعم للحصول على مقاعد وفيرة في البرلمان الحالي، (2) التأييد العام للسلطوية الجديدة مترافقاً مع محاولات للحفاظ على قدر محدود من الاستقلال السياسي يترجم إلى حيز صغير لانتقاد سياسات حكومية بعينها خاصة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، (3) الانتقال من مواقع التأييد إلى خانات معارضة السلطوية الجديدة واحتكارها لشؤون الحكم والسياسة ومن ثم مواجهة الكثير من الإجراءات القمعية والإبعاد الممنهج عن الفضاء العام والحياة السياسية. بيد أن أياً من هذه المواقف لم يمنع انهيار الدور السياسي للأحزاب العلمانية بين 2013 و2018، على الرغم من تزايد أعداد الأحزاب المُرخَّص لها إلى 83 حزباً لا تعرف أغلبية المواطنين أسماء أكثريتها.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.