على الرغم من الحراك السياسي الذي حدث في بلاد العرب بصور متنوعة خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أننا لم نقترب أبدا من مشهد تحول ديمقراطي حقيقي. فمعادلة السلطة ما زالت بيد النخب الحاكمة التي تحول بمزيج من القمع والاحتواء والرعوية دون تداولها، تتداخل تكوينات النخب بكثافة مع مؤسسات الدولة على نحو يكرس الإدارة السلطوية للمجتمع ويتلاشى معه عملاً الخط الفاصل بين ما هو سياسي (نخبة الحكم) وبين ما هو تنفيذي (الدولة بمؤسساتها السيادية وأدواتها البيروقراطية).

في هذا السياق تلعب الأجهزة الأمنية دوراً مفصلياً. ويمكن الادعاء، ودونما تعميم يخل بالاختلافات الجوهرية في طبائع النظم العربية، أن المؤسسات الأمنية بشقيها شبه العسكري (أجهزة الشرطة ووزارات الداخلية) والاستخباراتي (أجهزة المخابرات العاملة في الداخل والخارج) تلعب هذا الدور على مستويات ثلاثة. بدايةً، تضبط المؤسسات الأمنية العربية بمزيج من القيود الاستباقية والممارسات القمعية حركة الشارع وتحد من قدرة قوى المعارضة على الفعل السياسي والمشاركة في الانتخابات حين تحضر والتواجد في مساحات المجتمع المدني، سواء تمثل ذلك في منع المعارضين من تنظيم لقاءات جماهيرية أو مظاهرات أو الاتيان بمؤيدين إلى صناديق الاقتراع أو حرمانها من مكاسب مشروعة بتزوير نتائج الاستحقاقات الانتخابية أو حصار المنظمات غير الحكومية المستقلة. تتفاوت درجات القمع من الحالة المصرية إلى الجزائرية مروراً بالحالات العراقية والأردنية والمغربية والحالات الخليجية على سبيل المثال كما يختلف النمط السائد من قمع تعقبي متواصل إلى ممارسات ترتبط بلحظات الأزمة التي تمر بها نظم الحكم المعنية، إلا أن المحصلة الأهم للدور القمعي للمؤسسات الأمنية هي ضمان استقرار واستمرارية نظم حاكمة تفتقد في الأغلب الأعم للتأييد الشعبي وغرس ثقافة الخوف والعزوف عن المشاركة السياسية بين جموع المواطنين.

ثم يكتشف الناظر للنظم العربية سريعاً هيمنة المؤسسات الأمنية على السلطة التنفيذية وتوحشها إذا ما قورنت بمؤسسات وأجهزة الدولة الأخرى. لا تقتصر هذه الظاهرة على الجمهوريات الحديثة التي أرست دعائمها الجيوش بتدخلاتها في السياسة، والقائمون على الجيوش عادةً ما يرون في المؤسسات الأمنية امتداداً مكملاً للجيوش النظامية. بل تتجاوز هيمنة المؤسسات الأمنية الجمهوريات إلى الملكيات والإمارات القائمة بين المغرب والخليج. وفي حين يعود توحش المؤسسات الأمنية في السعودية والبحرين مثلاً إلى الغياب شبه الكامل للأجهزة السياسية الفعالة في الحالتين، يفسر ضعف المؤسسات البرلمانية والأجهزة البيروقراطية المدنية في مقابل الكفاءة التنظيمية العالية للشرطة والاستخبارات ذات الظاهرة في مصر والجزائر. يرتب كذلك شيوع القوانين والمحاكم الاستثنائية وحالات الطوارئ القابلة دوما للتمديد دون اعتبار للاشتراطات الدستورية، وتلك تروم بالأساس وبغض النظر عن الترنيمات الرسمية حول أخطار الإرهاب والتنظيمات الراديكالية العنيفة إحكام قبضة السيطرة السلطوية على المجتمع، إطلاق يد الأمنيين في التعامل مع العديد من ملفات السياسة الداخلية. تفتقد النظم العربية للأدوات السياسية الفعالة لإدارة سيطرتها على المجتمع وتلجأ ما أن تستبين ملامح خطر سياسي أو مجتمعي في الأفق، حتى وإن ادعت توجهاً إصلاحياً، إلى سلاحها الأمضى، البطش الأمني.

وعلى مستوى التكوين الداخلي للنخب العربية الحاكمة، تزيد مساحة تمثيل رجال الأمن إذا ما قورنت بالفئات الرئيسية الأخرى من شاكلة التكنوقراط وأصحاب الأعمال وأساتذة الجامعات. تراجع بالقطع، باستثناءات محدودة ربما شكلت الحالة التونسية وكذلك الحالة المغربية الراهنة، حضور الأمنيين في الصفوف الوزارية الأولى من مقاعد السلطة التنفيذية، إلا أن تغلغلهم فيما دونها أو فيما وراءها جلي بين. هنا تكفي مطالعة الخلفيات المهنية للمسؤولين التنفيذيين في الجهات المغربية والمحافظات المصرية والمحليات السعودية للتأكد من ثقل المركب الأمني للنخب. لكن الأخطر من ذلك هو واقع انتزاع المؤسسات الأمنية بحكم نفوذها في العديد من الحالات لما يشبه حق الفيتو على شخوص من يكلف بمنصب تنفيذي عام أو بموقع قيادي في المؤسسات التشريعية والقضائية فضلاً عن الأجهزة السياسية إن وجدت.

ترتب ممارسة الفيتو الأمني انحيازاً هيكلياً داخل النخب العربية لصالح المجموعات المحافظة الراغبة في استمرار أوضاع المجتمع المعني على ما هي عليه في مقابل عناصر إصلاحية تدين بالولاء للنظام ولكن تسعى لتجديد مؤسساته وآلياته. فالعقلية الأمنية لا تخشى من شيء بين الأرض والسماء أكثر من دعاة التغيير. عادةً ما يعني الفيتو الأمني، وهو يشكل عائق جوهري أمام حراك النخبة وتبديل دمائها، ترك النظم العربية إما بشريحة هشة من المصلحين الحقيقيين لا حول لهم ولا قوة أو بمجوعة أكبر من مدعي الإصلاح تصعد أسرع كلما تعاظم ولاءها للعقلية الأمنية.

فتغول المؤسسات الأمنية داخل بنية الدولة وخارجها يصطنع وضعا مشوها يصبح معه الحاكم، من جهة أولى، في قراءته لأوضاع البلاد والتحديات التي تواجهها وفي إدراكه لهواجس ومطالب وأمنيات الناس وكذلك في تحديده للقوانين والقرارات والإجراءات والسياسات واجبة التطبيق اليوم وغدا معتمدا بصورة شبه مطلقة (إن لم تكن مطلقة) على المعلومات الواردة له من المؤسسات الأمنية دون غيرها. ومهما تعددت مسميات هذه المؤسسات وتأرجحت اختصاصاتها وصلاحياتها بين التمايز والتداخل، والأخير يتحول إلى تضارب وتصارع في الكثير من الأحيان، فأنها تظل مثبته الأذن والأعين وكافة الحواس التنظيمية على فحص المواطن واستشعار المجتمع بحثا عن «المؤامرات» التي تحاك ضد السلطة وتوصيفا «للمتآمرين» على «الاستقرار»، وإن لم تجدها أو تجدهم أوجدتهم عنوة. فذلك هو الميل الطبيعي للمؤسسات الأمنية في كل مكان وزمان، وحتما تتلون به المعلومات التي تقدمها إلى الحكام. فتصبح الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها عموم الناس ليست سوى مؤامرات داخلية وخارجية، وتدرج على قوائم المتآمرين حركات شبابية ومنظمات غير حكومية وقوى ديمقراطية لا تريد لبلاد العرب غير الاستقرار الحقيقي. وعندما تتحول معلومات المؤسسات الأمنية إلى مصدر المعلومات الأساسي (إن لم يكن الوحيد) للحكام، فإن الميل يصير تشوها ويستحيل حديث المؤامرات والمتآمرين سياسة رسمية مكوناتها التعقب والقمع والإقصاء.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.