حديث جلالة الملك الأسبوع الماضي امام رؤساء اللجان النيابية، حول ضعف التزام مؤسسات الدولة في تنفيذ الأوراق النقاشية، في غاية الأهمية، ويدل على استياء رأس الدولة تجاه التراخي الذي نشهده في بناء المؤسسات الراسخة والحياة الحزبية النيابية والتأسيس لحياة تعددية ديمقراطية واحزاب برامجية تقدم حلولا عملية للتحديات الكبيرة التي تواجه الأردن في المرحلة القادمة.

غريب أمر الكثيرين في هذا البلد الذين يدفعهم عدم معرفتهم او قدرتهم او رغبتهم في الانتقال بالأردن الى مرحلة الاعتماد على النفس فالاستقرار فالازدهار المستدامين الى مهاجمة كل جهد يحاول القيام بذلك، فيعتقدون انه يمكن تعويض نقص الحجة لديهم بالشتيمة والافتراء على الناس.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

كلما وقفت قوى الوضع القائم في وجه التغيير يحضرني قول جبران: الحياة لا تقيم في منازل الأمس.

وافقت الدولة اخيراً على عقد لقاء التحالف المدني بعد منعه الشهر الماضي، وأما وقد أصبح التحالف المدني رسميا حزبا تحت التأسيس، وسيعقد لقاءه الاول يوم السبت القادم، فإن جهوده في المرحلة القادمة ستركز على ما هو معه، وهو بلورة برنامج اقتصادي اجتماعي حقيقي، وبشكل تشاركي مع كافة أعضائه، لوضع تصور جاد وقابل للتطبيق لنقل الاردن من مرحلة النظام الريعي الى مرحلة الاعتماد على الذات ورفع مستوى الإنتاجية والنمو.

لا بد لهذا البرنامج أن يقدم تصورا واضحا لمعالجة الأمور التالية:

أولا: معالجة الاختلالات الرئيسية في الاقتصاد الاردني وهي المعدلات العالية للبطالة، والعجز المزمن في الموازنة، وتجاوز الدين العام لكافة الخطوط الحمراء، ووضع خطة متوسطة المدى لكيفية القيام بذلك بشكل جدي وتفصيلي بما في ذلك لجم النفقات الجارية في كافة مؤسسات الدولة والتوجه نحو الإنفاق الرأسمالي.

ثانيا: إعادة النظر بشكل جذري في نوعية الخدمات التعليمية والصحية، وضمان مجانيتها، وبشكل يرفع من مستوى الطبقات ذات الدخل المتدني والمتوسط ويسمح بتمكينها بشكل يؤدي الى توظيفها خارج القطاع العام الذي اصبح عاجزا عن استيعاب المزيد من القوى العاملة. بل إن تضخم أعداد هذه القوى في القطاع العام هو ما ادى أصلا الى تدني الخدمات الصحية والتعليمية التي تقدمها الدولة.

ثالثا: إعادة النظر جذريا في المناخ الاستثماري التشريعي بشكل يسمح للقطاع الخاص ان يصبح المشغّل الرئيس للعمالة، بما في ذلك تشجيع قيام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تشريعيا، وتسهيل حصول هذه المؤسسات على قروض بنكية بشروط ميسرة.

رابعا: تطوير نظام من الفصل والتوازن بشكل يسمح للقطاع العام ان يراقب اداء الاقتصاد ويمنع التجاوزات، بينما يصبح القطاع الخاص المحرك الرئيس للنمو. ويشمل تطوير هذا النظام إجراءات تشريعية لمعالجة الفساد بشكل مؤسسي لا انتقائي، وذلك من جهة إما منعه من الحدوث أو معاقبته لدى حدوثه ضمن منظومة ترسّخ مبدأ سيادة القانون على الجميع دون استثناء.

خامسا: الادراك التام ان مثل هذا البرنامج، والذي لا يزال بحاجة لتطويره تفصيليا، لا يمكن له النجاح دون المصارحة التامة مع الناس، فليس هناك من إصلاح دون كلفة، ودون توسيع قاعدة صنع القرار واشراك الناس في تحديد مستقبلهم. بمعنى اخر، لا فرصة للمصارحة دون التشاركية، ولا مجال لنجاح الاصلاح الاقتصادي دون السياسي.

بينما ينهمك البعض في إطلاق النار من أسلحة عهود بائدة قوامها الشتيمة والتكفير والتخوين واغتيال الشخصية حتى قبل ان يولد هذا الجهد وتتضح برامجه، سننهمك نحن، وأركز على نحن لأن هذا الجهد جماعي تشاركي وطني بامتياز، في ورش عمل للمساهمة في تقديم حلول عملية لمشاكل الناس.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.