يوما بعد يوم، تكتسب السلطويات الجديدة في بلاد العرب القدرة على تطوير آليات إضافية بغية للسيطرة على مؤسسات الدولة وإخضاع المجتمع وتزييف وعي المواطن وفرض ثقافة الخوف عليه. خلال السنوات الممتدة من بدء عمليات تصفية الربيع العربي وحصاره سياسيا وأمنيا وماليا وانتهاك حقوق المطالبين بالحرية في 2012 وإلى 2018، توالت محاولات نخب الحكم والنخب الإعلامية المتحالفة معها والمدارة أمنيا لصياغة مقولات ومزاعم تطالب الناس تارة بعدم التوقف عن تأييد الحكام، وتارة أخرى تحثهم على العزوف عن الشأن العام، وتارة ثالثة تستهدف منعهم عن تطوير العزوف إن تنامى إلى معارضة يتبعها بحث عن بديل. 

تتسع في الخطاب الرسمي للسلطويات الجديدة وفي الخطاب الإعلامي الموالي لها دوائر «الأعداء والمتآمرين» الذين يُدفع باتجاههم بالمسؤولية عن كافة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تحيط حلقاتها ببلاد العرب. وتواصل نخب الحكم والحلفاء في الإعلام ضخ دماء إضافية للكراهية والإقصاء ونزع الإنسانية لكي يعتاش عليها وحش الاستقطاب المجتمعي ولتطلق تعويلا عليها اليد القمعية. يخرج رسميون ومسؤولون حكوميون ليطلقوا اتهامات جزافية بشأن هوية المتورطين في الفساد والعنف ونشر الفكر المتطرف (المتشدد)، وليشيعوا الروح الانتقامية بين الناس ثم يتبعونها بتبرير انتهاكات الحقوق والحريات التي تطول رجال أعمال وأمراء وناشطين في المجتمع المدني والحركات الاجتماعية والمطالبة بإنزال العقاب الجماعي والفوري بهم دون إجراءات تقاضي منضبطة وعادلة. يفعلون ذلك دون اعتبار للتداعيات الكارثية للجزافية والتعميم على نسيج المجتمع الواحد، دون تقدير لخطورة مشاعر الانتقام والتشفي وشررها المتطاير باتجاه المجتمع والدولة وتداعياتها الكارثية على مبادئ الحق والعدل.

تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
عمرو حمزاوي

باحث غير مقيم
برنامج كارنيغي للشرق الأوسط

المزيد من إصدارات الباحث

بل صارت السلطويات الجديدة في بلاد العرب تتباهى بإجراءاتها الاستبدادية. حكومات في الجمهوريات والملكيات والإمارات لم يعد يعنيها كثيرا لا الطلب على الحرية داخل مجتمعاتها، ولا الامتعاض العالمي من ممارساتها القمعية. هذه الحكومات تعطي ظهورها لحديث سيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات وضرورة إتباع قواعد الشفافية والرقابة والمحاسبة الذي تنتجه بين الحين والآخر منظمات أممية وبعض الدوائر الغربية، إما إدراكا منها إما لمحدودية فاعلية المنظمات الأممية أو لازدواجية معايير الغربيين الذين دوما ما يغلبون مصالحهم على كل شيء آخر. يعلو صوت الحكومات العربية مسفها من الفكرة الديمقراطية، مرة بالزعم بأولوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على الحقوق السياسية والمدنية ومرات بمطالبة المنظمات الأممية والدوائر الغربية «بإدراك أن ما يصلح للغرب لا يصلح للعرب. بين ظهرانينا، لا تنكر السلطويات الجديدة عداءها للمجتمع المدني وللمنظمات الحقوقية في الداخل العربي وفي الخارج، فتتعقب المنظمات في الداخل وتتهم منظمات الخارج بالتآمر والعمالة.

وللسلطويات الجديدة في بلاد العرب خدمة السلطان الذين يسوقون كل المبررات الفاسدة للاستبداد ولحكم الفرد ولتسفيه المطالبة بالحقوق والحريات. هؤلاء هم من يزينون كل قانون استثنائي يعطل ضمانات التقاضي العادل ويختزل حقوق وحريات المواطن ويؤسس للمزيد من الممارسات القمعية، ويروجون لكل ممارسة استبدادية تجعل من الحكام ونخبهم محتكري السلطة والقوة، ويمعنون في التماهي مع ادعاءات الصوت الواحد والرأي الواحد والموقف الواحد الصادرة عن السلطويات الجديدة. خدمة السلطان يغيبون العقل، يمتهنون المعلومة، يسفهون الرأي الآخر، يرفضون الاختلاف، ويشوهون المختلفين معهم. يذبحون فضيلتي التفكير والتسامح على محراب الرأي الواحد، وبفعل ضجيج أصواتهم المرتفعة التي لا أبدا تأتي بمعنى أو مضمون. يغتالون الإنسانية، إما بترويج الادعاءات الزائفة للحكام وآلاتهم القمعية أو بنشر الكراهية لمعارضيهم السلميين ولكل مطالب بالديمقراطية والتغيير. خدمة السلطان لا يمثلون أيديولوجية معينة أو تيار معين أو جماعة معينة، فمنهم الموجود في صفوف اليمين واليسار ومنهم من يمتهنون الدين ومنهم من يدعون العلمانية. غير أن ما يجمعهم هو تحملهم للمسؤولية الأخلاقية عن الانتهاكات المروعة التي تشهدها بلاد العرب وتورطهم في إسكات الصوت الآخر والرأي الآخر والموقف الآخر وفرض ثقافة الخوف على الناس.

تلك هي بضع سمات رئيسية للسلطويات الجديدة في بلادنا. تختلف التفاصيل وتختلف الأسماء والأماكن والتواريخ، وتظل حقائق التباهي بالاستبداد وتبريره وتزييف وعي المواطن وفرض ثقافة الخوف عليه حاضرة من المحيط إلى الخليج.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.