ظهرت الأسبوع الماضي نتائج تقرير الشفافية الدولية حول انطباعات الفساد عالميا، وجاءت النتائج مخزية للمنطقة العربية بشكل عام، ولنا ايضا. وحلت الإمارات العربية في المرتبة الاولى عربيا وكان ترتيبها 21 من أصل 180 دولة شملها التقرير، ويعود ذلك الى سيادة القانون في تلك الدولة رغم غياب الحريات السياسية. وجاءت ست دول عربية ضمن أدنى عشر دول في القائمة.

اما نحن في الاْردن، فنواصل تراجعنا على القائمة، فبعد ان كان ترتيبنا 37 عام 2003، جاء ترتيبنا اليوم في المنزلة 59 رغم مرور خمسة عشر عاما وبعد كل الحديث والهيئات عن الإصلاحات ومحاربة الفساد. ثم لا تستدعي هذه التقارير ولو تعليقا حكوميا من باب ذَرّ الرماد في العيون.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

ويأتي هذا التقرير ليضيف الى العديد من التقارير الاخرى التي تشير جميعها الى غياب الحاكمية الرشيدة في الوطن العربي. فها هو تقرير فريدوم هاوس يصنف الغالبية العظمى من الدول العربية على انها دول غير حرة، وها هي تقارير الامم المتحدة للمنطقة العربية، والمعدّة من باحثين وباحثات عرب، وغيرها الكثير من التقارير تظهر أن المنطقة العربية في أسفل سلم كافة المناطق في العالم من حيث التمكين الديمقراطي والحريات ومكافحة الفساد.

هل نستغرب ان لا تستدعي هذه التقارير اي ردود فعل جدية من الحكومة؟ وقد أصبح الواقع على الارض، كما عدد التقارير العربية والدولية الصادرة عن المنطقة، كافٍ لاقناع المواطن العربي ان هذه التقارير تعبر عن حقيقة مؤلمة وليست جزءا من مؤامرة كونية ضد المنطقة العربية.

الحقيقة ان غياب العمل الجدي لمحاربة الفساد وإعلاء شأن الحاكمية الرشيدة يفهم تماما أنه تم وضعه ضمن الإطار العام الذي يحكم سياسة الحكومة، وهو اطار يهدف بالدرجة الاولى الى ابقاء الاحتكار الحالي من قبل هذه الحكومة على مفاصل القرار وعدم السماح لأي جهد قد يؤدي في المدى القريب او البعيد الى توسيع قاعدة المشاركة في صنع القرار والوصول الى توازن بين السلطات ومحاربة الفساد مؤسسيا ومنهجيا. فإذا كان ثمن هذا الاحتكار غياب الحريات او استشراء الفساد، فليكن، طالما ان الشعب لا يرفع صوته، وطالما كانت اهتمامات المجتمع الدولي منصبة على أمور أخرى عدا التنمية السياسية والاقتصادية الجادة.

متى ما أدركنا هذا الإطار العام الذي يحكم عمل الحكومة، تصبح سياساتها، او غيابها، مفهومة، لأننا نطلب منها ما لا يقع ضمن أولوياتها، بل قد يأتي عكس هذه الاولويات تماما. ويصبح الرد على تذمرات المواطنين مثلا مختزلا بتغيير الاشخاص، وها نحن نشهد التعديل السادس على الحكومة خلال سنة ونصف، من دون أن يطرح حتى للنقاش فيما اذا كان النهج يحتاج إلى مراجعة، بينما نتائجه تذهب من سيّئ الى أسوأ، على قاعدة نقتل المذنب ليعيش الذنب.

تمر السنوات، وتتوالى التقارير، تتراكم الأزمات، وتظهر الأرقام بما لا يدع مجالا للشك نتيجة الاصرار على النهج الريعي الحالي، والحكومة غير عابئة بذلك!

تتعرض البلاد لأزمة اقتصادية خانقة اليوم، أدت الى احتجاجات شعبية في أماكن عدة من البلاد. ألم يحن الوقت لعدم التعامل مع هذه الاحتجاجات من زاوية وجاهية فقط دون اعطاء المواطن صوتا اكبر في عملية المشاركة في صنع القرار؟ ألم يصبح واضحا أن الموضوع ليس اقتصاديا فقط، وأن القلوب مليانة؟ للآسف، لا يحدث شيء من هذا. قافلة الحكومة تسير، ولم نعد نعرف إلى أين، ولسانها يقول للمواطن العادي، اعترض كما شئت، و"على بال مين ياللي بترقص بالعتمة".

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.