حاول الرئيس الأميركي ترامب في بداية عهده، وربما عملا بنصيحة العديد من مستشاريه الأولين، طمأنة الشعب الأميركي من سياساته المتطرفة والعدوانية، فكان أن جاء بالعديد من أركان عهده ممن عرف عنهم الاتزان والعقلانية، أمثال وزير الخارجية السابق تيلرسون ومستشار الأمن القومي السابق مكماستر ونائب مستشار الأمن القومي دينا باول ووزير الدفاع ماتيس وغيرهم. ولعب كل هؤلاء دورا محوريا ليس بالضرورة تجاه اتخاذ سياسات محلية وخارجية إيجابية، ولكن في باب اتقاء الشر ومنع الرئيس من اتخاذ سياسات متهورة وغير مدروسة كحرب على إيران أو كوريا الشمالية مثلا. فقط في الجانب الفلسطيني كشر الرئيس ترامب عن أنيابه منذ اللحظة الأولى، فجاء بديفيد فريمان سفيرا لدى إسرائيل، وهو من الداعمين المغالين لإسرائيل ولبناء المستوطنات، وبصهره جارد كوشنر ومستشاره جيسون غرينبلات "لإيجاد حل دائم للنزاع العربي الإسرائيلي" وهم من المغالين في تأييدهم لإسرائيل وممن لا يفقهون شيئا أو يبالون بالمعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال.

اليوم تتكشف الصورة الحقيقية للإدارة الأميركية من دون تجميل، فما كادت تمر سنة حتى ضاق ترامب ذرعا بأي اعتدال داخل إدارته، وبدأ مبكرا بتطفيش أو طرد كل من كان يقدم له نصيحة صادقة، حتى وصلنا اليوم لوضع لا يكاد يبقى داخل هذه الإدارة من المعتدلين المتزنين إلا وزير الدفاع ماتيس. وبإضافة بومبيو وزيرا للخارجية وجون بولتون مستشارا للأمن القومي، فقد

اكتملت دائرة الولاء الأعمى لإسرائيل داخل الإدارة الأميركية، وسيطر اليمين المسيحي الصهيوني المتطرف بقيادة نائب الرئيس بنس على السياسة الاميركية تجاه النزاع العربي-الإسرائيلي.

لقد تعاملت شخصيا مع جون بولتون حين كنت وزيرا للخارجية، وكان مسؤولا كبيرا في وزارة الخارجية الأميركية، وأجزم أنه ليس لديه ذرة احترام للعرب، بل حقد إيديولوجي خطير ودعم غير مشروط لأكثر السياسات الإسرائيلية تطرفا. وسيكون التعامل معه ومع وزير الخارجية بومبيو في غاية الصعوبة إلا اذا شاءت الدول العربية تجاهل هذه التحديات والدخول في المجاملات العقيمة من دون مصارحة الإدارة الأميركية حول خطورة سياساتها.

يثبت الرئيس الأميركي كل يوم كم كان رهان العديد من المسؤولين العرب خاطئا حين هللوا لقدومه.. وكان الاعتقاد أن ترامب سيركز على معاداة إيران فقط وينسى مواضيع الديمقراطية والحوكمة، باعتبار أن الديمقراطية لديهم تطور خاطئ وخطير. بات واضحا اليوم مدى قصر نظر هذه السياسة، ومدى عداء هذه الإدارة الأميركية للعرب والمسلمين، فمن  اعتقد أنه سيسلم من شرها لمجرد تجنبه مواضيع الحوكمة، أمل أن يرى اليوم مقدار خطئه في التقدير. وليس أدل على نظرة ترامب للعرب منظر استقباله ولي العهد السعودي وهو يعرض أمامه لافتات كبيرة تظهر حجم العقود الموقعة مع السعودية بطريقة استعراضية فجة لا يمكن أن تسر أي عربي.

قد يكون خبر تأجيل صفقة القرن التطور الإيجابي الوحيد داخل الإدارة التي يبدو أن حتى عماها تجاه إسرائيل لم يحُل دون التوصل لقناعة أن هذه صفقة لا يمكن أن تحوز بالحد الأدنى من القبول لدى أي طرف فلسطيني أو عربي، ولكن هذا التأجيل لا يعني التحول عن السياسة المعادية للعرب.

عندما تقوم أي إدارة بطمس الأصوات المخالفة، واتباع نهج إقصائي يطبل ولا يناقش، ويرفض الاستماع للآراء الأخرى، فهكذا تكون النتيجة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.