على النقيض من الاتهامات الواهية التي تكيلها السلطوية الجديدة في مصر إلى منظمات المجتمع المدني المستقلة وإلى المدافعين عن حقوق الإنسان بزعم تآمرها وتآمرهم لتدمير البلاد وفرض الفوضى، فإن السلطوية الجديدة هي المسؤولة الأولى عن تهديد استقرار وأمن مصر وفرص تعافيها من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة بسبب سياسات القمع المباشر (التوظيف العنيف والمفرط للأدوات الأمنية) وغير المباشر (تمرير القوانين المقيدة للحريات) وانتهاكات الحقوق والحريات المتراكمة التي تورط بها مؤسسات وأجهزة الدولة. فمثل هذه السياسات والمظالم المترتبة عليها تقوض السلم المجتمعي، مثلما تقوض الثقة الشعبية في الحكم ومن ثم تضعفه على المدى المتوسط والطويل.

تمارس السلطوية الجديدة تشويها ممنهجا لمعارضيها وتصطنع منهم قوائم الأعداء والإرهابيين دون اعتبار لتداعيات ذلك على مبادئ حكم القانون وشعور المواطنين بالعدالة. بل أن الحكم في مصر في معرض تطبيقه لسياسات القمع المباشر وغير المباشر يتجاهل التداعيات الخطيرة لسياساته إن لجهة دفع بعض ممن يواجهون عنف النظام إلى اللجوء إلى العنف المضاد واعتناق الأفكار الراديكالية والترويج الزائف لها كبديل وحيد لمواجهة الظلم أو لجهة اصطناع بيئات مجتمعية حاضنة للعنف.

والحصيلة هي إغلاق الفضاء العام، وإلغاء السياسة، وتمكين مروجي نظريات المؤامرة وخطاب الكراهية ومقولات الشعبوية الدينية والوطنية من تزييف وعي الناس. الحصيلة هي حالة إنكار للمظالم ولانتهاكات حقوق الإنسان، وإسكات أصوات المدافعين عن حقوق الإنسان والمطالبين بالتحول الديمقراطي. زيفا، تصير جرائم الاختفاء القسري والتعذيب والقتل خارج القانون ممارسات مشروعة تستهدف حماية الاستقرار والأمن ومواجهة الإرهاب.

ليس بغريب أن تنكر السلطوية الجديدة في مصر وضعية الأزمة المستحكمة التي ترتبها أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة يتحمل كلفتها الفقراء والأسر محدودة الدخل، أوضاع صعبة يتقاطع معها إطلاق اليد القمعية باتجاه المواطن والمجتمع. ليس بغريب أن يراوح الحكم فيما خص المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات المتراكمة بين نفي حدوثها وبين توصيفها كحالات فردية «جاري التعامل معها» من قبل السلطات العامة. ليس بغريب أن يتورط بعض الرسميين في التحريض على العقاب الجماعي لمعارضي الحكم (وما الحملة الأخيرة لسلب حرية معارضين من أمثال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والمحامي هيثم محمدين والدكتور شادي الغزالي حرب إلا دليل بين على ذلك)، وفي الترويج لغرائز الانتقام دون أن يتوقف أحد في دولاب الدولة أمام هذه الكارثة أو يبدي شيئا من الاهتمام بتداعياتها السلبية على القليل المتبقي من ثقة الناس في المؤسسات والأجهزة العامة وثقتهم في إمكانية العدل في بر مصر.

ليس بغريب أن تستنزف الموارد العامة المحدودة بين الكلفة الباهظة «للمشروعات الكبرى» التي يعلن عنها دون دراسات علمية جادة وبين تضخم موازنات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وأن تتواصل من ثم إجراءات رفع الأسعار (الزيادة الأخيرة في سعر الوقود مثالا) وعمليات الاقتراض والاستدانة من الخارج وتتراجع بشدة فرص التنمية المستدامة.

ليس ذلك بغريب فنظم الحكم السلطوية يندر أن تنجح اقتصاديا واجتماعيا، وهي تمعن عادة في إنكار القمع ونفي الظلم، وبعضها يعتاش بالفعل على صناعة متجددة باستمرار «للأعداء» الذين تستطيل قوائمهم وتبرر ممارسات العقاب الجماعي بحقهم. ومن الطبيعي أيضا أن تكون الوجوه الأخرى لجمهورية القمع والخوف التي تنتجها السلطوية في مصر هي سطوة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتهميش كل ما عداها داخل بنية الدولة وسلطاتها ومؤسساتها العامة، وهي أيضا إمساك بارانويا الخوف من المواطن والمجتمع بالحكام على الرغم من أسوار القمع العالية التي يشيدونها لإخضاع الناس والموارد التي يهدرونها في تزييف الوعي العام لمقايضتهم بالخبز والأمن على الحق والحرية.

لا يأمن حكام النظم السلطوية أبدا جانب المواطن، ويجعلون من «الاشتباه» فيه أساسا لتعقبه وتهديده بالقمع وتعريضه له. لا يأمنون كذلك أبدا جانب المجتمع الذي قد لا تنطلي عليه طويلا ألاعيب تزييف الوعي، وسرعان ما يظهر التململ من الظلم ثم يبدي الاستياء من المظالم متبوعا بالمطالبة بمحاسبة المتورطين والبحث عن بدائل أفضل لإدارة شؤون البلاد.

لكل ذلك، يتصاعد بوتائر متسارعة انتقال السلطوية الجديدة في مصر إلى اعتماد أساسي على القدرات القمعية، وعلى ممارسات الضبط والتعقب الأمني التي يتجاوز نطاقها المعارضين الفعليين والمحتملين ويتسع ليشمل عموم الناس. صار القمع عقيدة رسمية، والحاكم وأعوانه تسيطر عليهم بارانويا «الأخطار الخفية والمؤامرات السرية»، والأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية تقصي جميع منافسيها بعيدا عن دوائر الحكم وتستتبع السلطات العامة وتفرض على النخب الاقتصادية والمالية شراكة «الربح نظير التأييد» وشراكة «الحماية نظير الامتناع عن المعارضة» وتهيمن على الفضاء العام على نحو يغتال حريته وموضوعيته.

لكل ذلك، يوظف الحكم السلطوي أيضا القمع غير المباشر من خلال صناعة وتمرير القوانين المقيدة للحريات وتوظيفها لإغلاق الفضاء العام وإلغاء السياسة وإعادة توطين الخوف بين المواطنين. وفي وقت تعصف به الأزمات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية بالبلاد، يصعب توقع أن تتوقف السلطوية الجديدة في مصر عن القمع وانتهاكات الحقوق والحريات أو أن تكف عن صناعة الأعداء والمتآمرين المتوهمين لتمرير القمع والانتهاكات باتجاه الطلاب والشباب والعمال والأصوات السلمية المطالبة بالديمقراطية. كما يصعب توقع أن تنفتح السلطوية على صيغة للحكم بها قبول لشيء من الشراكة مع قوى مجتمعية وسياسية رئيسية أو تحرير للفضاء العام والمجتمع المدني من حرب الإلغاء والحصار الراهنة. لك الله يا مصر.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.