تجمّع نحو 150 محتجاً، في الأول من أيلول/سبتمبر، عند المدخل الرئيس لحقل نفط عراقي شاسع، يُدعى نهر بن عمر، مهدّدين باقتحامه وتعطيل الإنتاج. واحتشد آلاف آخرون أمام مقر حكومة المحافظة في مدينة البصرة المجاورة، مطالبين بحلول فورية للمشاكل موقع شكواهم، وتتعلق بتأمين الخدمات، والبطالة، وتلوّث المياه.

أُصيب ستة أشخاص على الأقل بجروح في الصدامات التي وقعت مع الشرطة، وأُلقي القبض على 16 آخرين.

حارث حسن
حارث حسن باحث أول غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على العراق، والطائفية، وسياسات الهوية، والقوى الدينية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
More >

لم تكن هذه التظاهرات حادثة معزولة. فقد عمّت الاحتجاجات المحافظات الواقعة جنوب البلاد خلال الصيف المنصرم، بدافع الغضب والإحباط على خلفية النقص في الخدمات، وغياب المساواة الاقتصادية، والبطالة في منطقة غنية بالموارد النفطية المدرّة للأرباح.

وقد لجأت الحكومة العراقية، العاجزة عن تلبية مطالب المحتجّين، إلى مزيج من التدابير القسرية والرشاوى الجماعية. وفي وقت سابق من الصيف، أقدمت القوى الأمنية العراقية، المتحالفة مع الميليشيات، على قتل ما لايقل عن 14 متظاهراً واعتقال أكثر من مئتَين، في حين قُطِعت خدمة الإنترنت لمنع التواصل بين الناشطين.

في الوقت نفسه، أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي عن بعض التدابير لتهدئة المحتجّين، ومنها استحداث 10 آلاف وظيفة لأبناء البصرة في القطاع العام الذي يعاني أصلاً من التضخّم والخلل الوظيفي.

في حين أفضت هذه التدابير إلى استتباب الهدوء مؤقتاً في بعض المناطق، يقف العراق اليوم عند منعطف أساسي. فبعد انقضاء أكثر من 15 عاماً على سقوط نظام صدام حسين، لايزال الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل مفرط على موارده النفطية، ويرزح تحت عبء القطاع العام المضخَّم، كما يكبّله الفساد والمحسوبيات، ويغرق في لجج اللامساواة الشديدة.

لقد أماط الهبوط في أسعار النفط العام 2014، اللثام عن هذه الشوائب، ودفعَ بالتوترات الاجتماعية الناجمة عن الفقر واللامساواة، إلى حافة الانفجار.

وفي حين أن الزيادات الطفيفة التي سُجّلت راهناً في أسعار النفط تتيح نافذة أمل صغيرة لمعالجة هذه التحديات، كشفت الاحتجاجات التي تجتاح جنوب البلاد أن صبر العراقيين بدأ ينفد.

السياسة الإثنية والثروة النفطية

استخدم العراق، خلال الطفرة النفطية من 2004 إلى 2013، إيراداته المتزايدة لاستحداث وظائف في القطاع العام والحفاظ على الإذعان المجتمعي من خلال "اقتصاد قائم على الإعانات الحكومية"، وكان من مفاعيله إعادة توزيع الثروة النفطية عن طريق المعونات الحكومية المختلفة.

وقد أفضى التركيز على تقاسم السلطة على أساس إثني في الحكومة، إلى هيمنة الأحزاب السياسية على المؤسسات، ودفعَ بالقادة إلى استخدام سيطرتهم على الأجهزة المختلفة من أجل إغداق المكافآت على حلفائهم وتمرير الأموال إلى قواعد ناخبة معيّنة.

كانت النتيجة تضخُّم القطاع العام إلى درجة كبيرة، بحيث بات متخَماً بممثّلي الأحزاب الإثنية والطائفية بدلاً من إسناد الوظائف إلى أشخاص يتمتعون بالكفاءة. لقد حوّلت شبكات المحسوبيات العراق إلى واحد من أكثر البلدان فساداً في العالم. وفي حين كانت هذه الشبكات في طور النمو والازدهار في مرحلة ارتفاع أسعار النفط واستفحال التعصّب المذهبي والانقسامات على أساس الهوية، إلا أن الأمور بدأت تتغيّر في العام 2014، مع الهبوط الشديد في أسعار النفط. وجاءت الهزيمة التي لحقت بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بعد عامَين، لتُخفّف من حدّة الهواجس المذهبية وتُطلق تعبئةً شاملة في المجتمع بكامله دعماً للمطالب الاقتصادية والاجتماعية.

لقد تسبّبت ثقافة المحسوبيات المتجذّرة بتفاقم مشاعر اليأس لدى الشباب العراقي، لأنها لم تترك متّسعاً كافياً للحراك الاجتماعي والتقدّم الاقتصادي خارج إطار الانضمام إلى هذه الشبكات الزبائنية.

وعلى الرغم من أن العبادي حاول تبنّي إجراءات متشدّدة تجاه بعض المتّهمين بالفساد، إلا أن المقاربة التي تعطي الأولوية للأفراد لن تكون فعّالة ومجدية. لايمكن مكافحة الفساد إلا عبر إجراء إصلاح منهجي وإرساء منظومة قانونية مستقلة.

لقد تسبّب توزيع المناصب العامة الأساسية على الأحزاب، بتحويل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات، وحال دون قيام مساءلة حقيقية، نظراً إلى أن الأحزاب نفسها تفرض سطوتها على مجلس النواب وتمارس تأثيرها على القضاء وهيئة النزاهة.

"طريق ثالث"

على الرغم من تصاعُد الأصوات المطالِبة بالتغيير، دأبت هذه الأحزاب، على الدوام، على إعادة إنتاج سيطرتها من خلال منظومة انتخابية غير ديمقراطية إلى حد كبير، وكذلك عن طريق المحسوبيات، والميليشيات، وعبر اللجوء، عند الضرورة، إلى التزوير الانتخابي.

حتى عندما قاطعت أكثرية من الناخبين الانتخابات العامة الأخيرة، لم يُحدث ذلك تغييراً في سلوكيات الأحزاب السياسية التي واصلت اتّباع الممارسات نفسها في إطار تفاوُضها على تشكيل الحكومة.

وتشير التقديرات إلى أن ستين في المئة من العراقيين هم دون سن الـ25. وفي غضون سنوات قليلة، ستبلغ نسبة السكان الذين هم في سن العمل الذروة، ويجب أن تكون البلاد مستعدّة للإفادة من هذه القوة. كما ينبغي على العراق أن يعمل على رفع التحديات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن البطالة، وندرة موارد الدولة، وعدم المساواة، وسوء الحوكمة، والنمو الديموغرافي السريع، والأزمة البيئية التي تزداد سوءاً بسبب الشحّ المتزايد في المياه.

ونظراً إلى الغضب الشعبي المتعاظم في العراق، فإن السبيل الوحيد للمضي قدماً، هو زيادة فاعلية الدولة وتعزيز المساءلة، الأمر الذي يتعذّر تحقيقه من دون تغيير المبادئ الأساسية التي طبعت أسلوب الدولة في العمل. تحتاج البلاد إلى رؤية إنمائية بعيداً من الثقافة الريعية وسياسة الهوية التي لعبت المؤسسات الحكومية دوراً كبيراً فيها.

وفي هذا الإطار، يجب أن يركّز الإصلاح على دفع البلاد بعيداً من المنظومة المركزية الفاشلة التي تساهم في تمكين النخب الحاكمة وشبكات المحسوبيات التابعة لها. وينبغي أن يتجنّب أيضاً سياسات التحرير الاقتصادي غير المتروّية التي تتجاهل الدور الأساسي للدولة في إعادة توزيع الثروات وتوفير الأمن الاجتماعي.

يجب أن يتبع المجهود الإصلاحي في العراق "طريقاً ثالثاً".

حالياً، تبلغ نسبة البطالة لدى الشباب نحو 20 في المئة، ومعظم خرّيجي الجامعات العراقية يستهويهم الأمان الذي توفّره الوظيفة في القطاع العام. وإذا تمكّنت الحكومة من التخطيط بفاعلية لتنمية جديدة، ومن تنفيذ برامج تدريبية جديدة لشبابها، يمكن أن تتحوّل الطفرة السكانية في العراق إلى محرّك الاقتصاد، لكن إذا استمرت المنظومة الراهنة، فغالب الظن أنها ستؤدي إلى المزيد من الاضطرابات.

ثمة مجالات عدّة يجب أن تشملها استراتيجيةٌ إنمائية جديدة. وتُتيح الطاقة المُتجدّدة فرصة لتنويع الاقتصاد واستحداث وظائف جديدة. ومن شأن اعتماد التكنولوجيات الجديدة في الري وإعادة التحريج أن ينقذ القطاع الزراعي العراقي ويؤمّن موارد أكثر استدامة للمستقبل. كما يمكن أن يساهم التخطيط الأسري في الحد من الطفرة الديموغرافية وفي تأمين درجة معيّنة من الوئام الاجتماعي.

تتوقّف هذه الخطوات على تحلّي الأطراف الحاكمة بالإرادة السياسية لمعالجة جذور الأزمة الراهنة.

والواقع أن مشكلة العراق الأساسية تكمن في اتّساع الهوّة بين التوقعات الشعبية وبين قدرة الدولة على الاستجابة لها. كان من الممكن ردم هذه الهوة لو أن المجموعات الحاكمة لم تُعطِ الأولوية لمكاسبها ومكاسب أزلامها على حساب الحوكمة المسؤولة.

لقد وجّهت الاحتجاجات الأخيرة رسالة قوية إلى هؤلاء؛ ومن شأن تجاهُلها أن يَنزع مزيداً من الشرعية عن المنظومة الراهنة، ويدفع بالغضب الشعبي إلى الجنوح نحو احتجاجات أكثر جذرية.

 نُشِر هذا المقال أساساً على موقع الجزيرة.