فيما وراء سنواتها الأولى في الحكم والتي طوعت بها أداة التشريع لأغراض إخضاع المواطن والسيطرة على المجتمع وأصدرت من القوانين ما يرمي إلى منع حرية التعبير عن الرأي وإعادة بناء جدار الخوف في وجه الناس والقضاء على المجتمع المدني المستقل وابتداع هيئات حكومية جديدة لمد نفوذ الرئاسة والاستخبارات والأمن في الفضاء العام، تواصل السلطوية المصرية في 2018 توظيف الصلاحيات التشريعية للبرلمان المدار أمنيا لتمرير قوانين إضافية تعمق من قبضتها الحديدية.

في هذا السياق، أصدر رئيس الجمهورية القانون رقم 179 لسنة 2018 بإنشاء «الهيئة الوطنية للصحافة» التي عهد إليها بتولي إدارة المؤسسات الصحافية القومية (أي جميع الكيانات الصحافية والمواقع الإلكترونية ذات الملكية العامة) وأعطيت سلطات واسعة تشمل الرقابة على الأداء وتعيين رؤساء التحرير والتقييم الدوري الشامل ومساءلة القيادات الإدارية والتحريرية وتشكيل مجالس إدارات الكيانات الصحافية وتشكيل الجمعيات العمومية. ولكي تضمن الرئاسة ومن ثم الاستخبارات والأمن الهيمنة على الهيئة، أعطى القانون لرئيس الجمهورية الحق في تعيين رئيسها ولعضوين بها وإلى ثلاثتهم ينضم أعضاء آخرون من الحكومة (وزارة المالية) والبرلمان ومجلس الدولة ثم يأتي أخيرا عضوان يمثلان نقابة الصحافيين. بتشكيل كهذا، لن يرتفع بالهيئة صوت يعارض إرادة السلطوية.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

أصدر رئيس الجمهورية أيضا القانون رقم 180 لسنة 2018 المتعلق بتنظيم «الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» والذي تكشف مواده عزم السلطوية على إحكام حلقات السيطرة على الفضاء العام. فالقانون المكون من أكثر من 90 مادة يستخدم العديد من الصياغات عصية التعريف القانوني المنضبط لفرض القيود على المؤسسات الصحافية والوسائل الإعلامية والمواقع الإلكترونية ذات الملكية العامة والخاصة والتي يحظر عليها «نشر أو بث أي مادة أو إعلان يتعارض محتواه مع أحكام الدستور أو تدعو إلى مخالفة القانون أو تخالف الالتزامات الواردة في ميثاق الشرف المهني أو يخالف النظام العام أو الآداب العامة أو يحض على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية» (مادة 4). ثم يتسع نطاق الحظر ليشمل «نشر أو بث أخبار كاذبة أو ما يدعو إلى مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية أو ينطوي على تمييز بين المواطنين أو يدعو إلى العنصرية أو يتضمن طعنا في أعراض الأفراد أو سبا أو قذفا لهم أو امتهانا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية»، بل ويمتد الحظر هنا إلى كل المواقع الإلكترونية الشخصية (كصفحات الأفراد على فيسبوك وحساباتهم على موقع تويتر) التي يبلغ عدد متابعيها خمسة آلاف متابع أو أكثر (مادة 19).

كذلك يواصل القانون رقم 180 لسنة 2018 ابتداع هيئات حكومية جديدة لمد النفوذ الرئاسي والاستخباراتي والأمني بإنشاء «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» المخول صلاحيات فرض الرقابة على المؤسسات الصحافية والإعلامية والمواقع الإلكترونية في أوقات الحرب والتعبئة العامة (مادة3)، ومنع مطبوعات أو مواد إعلامية أو إعلانية صدرت أو جرى بثها من الخارج من الدخول إلى مصر أو التداول أو العرض (مادة 4)، ومنع تداول ما من شأنه «تكدير السلم العام» (مادة 4)، والترخيص للوسائل الإعلامية (مادة 60) وللمواقع الإلكترونية إن المصرية أو الفروع المصرية لمواقع خارجية (مادة 6)، وصلاحية فحص ميزانيات الصحف ومراجعة الحسابات الختامية للوسائل الإعلامية والمواقع الإلكترونية (مادة 48 ومادة 66)، ويخطر المجلس أيضا بإصدار الصحف الجديدة (مادة 40) وله صلاحية الترخيص بإنشاء المنصات الفضائية والرقمية المشفرة (ترد في نص القانون بالكلمة الإنكليزية platform) ويشترط لمنح التراخيص أن تكون الشركات المعنية مملوكة للدولة (مادة 72).

مثله مثل «الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية» الذي ابتدعه قانون الجمعيات الأهلية (القانون رقم 70 لسنة 2017)، يصطنع في كيان المجلس الأعلى للإعلام وحشا حكوميا ذا صلاحيات رقابية وعقابية كاسحة ويضمن القانون عبر الآليات التي يقرها لتشكيل المجلس سيطرة الرئاسة والاستخبارات والأمن عليه. يعين رئيس الجمهورية رئيس المجلس ويختار بجانبه شخصية عامة لعضويته، وإليهما ينضم ممثلون عن «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» والبرلمان والمجلس الأعلى للجامعات وأخيرا عن نقابتي الصحافيين والإعلاميين. بل أن القانون، وهو يحوي طيفا من العقوبات المالية والعقوبات السالبة للحرية حال مخالفة الصحف والوسائل الإعلامية والمواقع الإلكترونية لمقتضياته، يعطي المجلس الأعلى للإعلام صلاحية توقيع الجزاءات المالية (مادة 94) وصلاحية إلغاء التراخيص (مادة 95) وصلاحية إقامة الدعاوى القضائية عن أي مخالفة (مادة 96).

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.