لعب الحزب الإسلامي العراقي دوراً هاماً في رسم ملامح العملية السياسية في العراق. فقد كان، لبعض الوقت بمثابة ممثل الأمر الواقع للطائفة السنية العربية في العراق بعد الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية في العام ٢٠٠٣. ومع ذلك، فإن الحزب الإسلامي العراقي قد وقع ضحية تعقيدات الساحة السياسية السنية العراقية ومآزق العمل في بيئة ذات استقطابات طائفية وإثنية متفاقمة.

فخلافاً لمعظم القوى السنية الأخرى، لم يتبنّ الحزب الإسلامي العراقي خيار المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة، وحافظ على علاقات جيدة مع نظرائه الشيعة والأكراد. وقد سهّل ذلك دور الحزب الإسلامي في المشاركة في حكم العراق (وإن كان دوراً ثانوياً مقارنة بالأحزاب الشيعية الرئيسة). ومع ذلك، دفع الحزب ثمناً باهضاً، حتى قبل التراجع الكبير لشعبيته في أوساط المجتمع السني في انتخابات أيار/مايو ٢٠١٨، لأنه فشل في الوفاء بوعوده في توفير الخدمات والأمن. لقد أثبت الحزب الإسلامي العراقي قدرته على الصمود، ولكن ما لم يتمكن من استعادة وتعزيز شعبيته، فمن غير المرجح أن يستعيد دوراً مهماً في الحكم في العراق.

الجذور الديموغرافية والسياسية للحزب الإسلامي العراقي

يُنظر إلى الحزب الإسلامي العراقي عموماً على أنه واجهة لتنظيم الإخوان المسلمين، على الرغم من أن المسؤولين في الحزب دأبوا على إنكار ذلك.1 ولكن يمكن رؤية تشابه الحزب الإسلامي مع الإخوان المسلمين من خلال المقاربة المشتركة بينهما في أنموذج نظام الحكم الإسلامي.2 بالإضافة إلى ذلك فإن قادة الحزب قد استعاروا أفكاراً جديدة من المجتمعات الديمقراطية القائمة في البلدان الأوروبية التي عاشوا فيها خلال فترة تغربهم القسري.3 وهذا يساعد على تفسير أسباب تبنّي الحزب نهجًا أكثر مؤسساتية للسياسة في فترة ما بعد ٢٠٠٣، ما دفعه إلى المشاركة في مؤسسات الحكم العراقية.

مهنّد سلوم
مهنّد سلوم محاضر مشارك في معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إكسيتر.

تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر في العام ١٩٢٨، وبعد فترة وجيزة بدأت أفكار الجماعة تنتشر في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. في العام ١٩٤٤، أنشئت أولى خلايا الإخوان المسلمين في حي الأعظمية في بغداد من قبل مجموعة أساتذة جامعيين مصريين يعملون في العراق. وقد استقطب هؤلاء شباناً عراقيين في عضوية التنظيم ذوي تعليم جيد قادرين على نشر فكر جماعة الإخوان المسلمين. وبحلول العام ١٩٤٨، أصبح الأعضاء نشطين بشكل علني، وحشدوا المسلمين للقتال في فلسطين، داعين إلى وحدة المسلمين، وتعزيز القيم الإسلامية.

في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، سمح الحكم الملكي في العراق لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين بالتسجيل الرسمي ككيان سياسي. ومع ذلك، لم يسمح القانون العراقي في ذلك الوقت للجماعات السياسية بالتسجيل كفروع لكيانات تأسست أو تعمل في الخارج. وبدلاً من ذلك، سجلت جماعة الإخوان المسلمين باسم جمعية الإخوة الإسلامية التي تمكنت من العمل بشكل رسمي وبحرية في ظل النظام الملكي. تمثل تلك الفترة حقبة ذهبية للحريات في تاريخ العراق الحديث بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين في العراق.

حتى الستينيات، كان كلّا من الحزب الشيوعي العراقي وجماعة الإخوان المسلمين ينظرون إلى بعضهم بعضاً على أنه يشكل تهديداً وجوديا للآخر. لفتت شعبية الحزب الشيوعي العراقي انتباه جميع الجماعات الإسلامية، بما في ذلك "المرجعية"، وهي أعلى سلطة دينية للشيعة العراقيين. وبعد أن أطيح بالنظام الملكي في ١٤ تموز/يوليو ١٩٥٨، هاجمت الأحزاب اليسارية، بما في ذلك الحزب الشيوعي وبعض العناصر البعثية، مقر جماعة الإخوان المسلمين في بغداد، ودفعت مرشدها الروحي "الشيخ محمد محمود الصواف"، إلى المنفى.4 ولتجنّب المزيد من الهجمات والاعتقالات، قررت جماعة الإخوان المسلمين أن تتحوّل إلى العمل السرّي.

يوم ٦ كانون الثاني/يناير العام ١٩٦٠، أصدر رئيس الوزراء آنذاك عبد الكريم قاسم قانوناً جديداً ينظم تأسيس الأحزاب السياسية. وبعد أكثر من شهر بقليل، في ١٢ شباط/فبراير ١٩٦٠، أصدر السيد محسن الحكيم، وهو رجل دين شيعي بارز، فتوى حرم بموجبها الانتساب إلى الحزب الشيوعي العراقي. في ٢٦ نيسان/أبريل ١٩٦٠، قامت مجموعة من اثني عشر عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين باغتنام الفرصة فأسست "الحزب الإسلامي العراقي"،5 مدركين أن القانون الجديد وفتوى الحكيم التي تستهدف منافساً كبيراً لهم تمثلان فرصة مهمة لعودة نشاط الجماعة سياسياً.

إن علاقة الحزب الإسلامي العراقي بجماعة الإخوان المسلمين يكتنفها الغموض. فوفقاً لمحسن عبد الحميد، الرئيس السابق لمجلس شورى الحزب الإسلامي العراقي، فقد تم تأسيس الحزب كواجهة للإخوان المسلمين، كما وصفها. وقد قامت اللجنة المركزية للإخوان المسلمين بتسجيل الحزب الإسلامي العراقي كحزب سياسي، في حين بقي أعضاء كبار آخرون في الخفاء تحسباً لقيام الحكومة العراقية باعتقال قادة الحزب بهدف حل جماعة الإخوان.

غير أن أياد السامرّائي، الأمين العام الحالي للحزب الإسلامي العراقي، قد أنكر هذا السرد التاريخي.6 فوفقاً له، فإن سياسات الحزب لاترتبط بجماعة الإخوان المسلمين، وإن ٩٠ في المئة من أعضاء الحزب الإسلامي العراقي ليسوا أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين. بغض النظر عن مدى ارتباطه مع جماعة الإخوان المسلمين، فإن الحزب الإسلامي العراقي قد خرج من جماعة الإخوان ويتبنى الإيديولوجية نفسها، وينظر إليه معظم العراقيين على أنه واجهة مغلفة للتنظيم، حتى لو فضل الحزب الإسلامي اليوم أن يصف نفسه بأنه كيان منفصل ذو جذور فكرية وتاريخية تمتد إلى جماعة الاخوان المسلمين.

في العام ١٩٦١، علّقت الحكومة العراقية نشاطات الحزب الإسلامي العراقي. ومع ذلك، تابع الإخوان المسلمون أنشطتهم الدينية والاجتماعية. وحين استلم حزب البعث السلطة بعد انقلاب العام ١٩٦٨، بات مُرتاباً وقلقاً على نحو متزايد من نشاطات جماعة الإخوان. وبين ١٩٧٠ و١٩٨٧، راقب النظام عن كثب أنشطة جماعة الاخوان المسلمين، وبدأت باعتقال الأعضاء. ولتجنب الاضطهاد، انكفأت جماعة الإخوان المسلمين وقادة الحزب الإسلامي العراقي إلى العمل السري مرة أخرى.7 في كانون الأول/ديسمبر ١٩٨٧، كشف نظام البعث تنظيم الإخوان السري واعتقل العديد من كبار أعضاء الجماعة،8 بينما فر آخرون من العراق. كثير من هؤلاء الأعضاء لجأوا إلى أوروبا - بعيداً عن ذراع النظام الطويلة. الأمر الذي وضع نهاية مؤقتة لأنشطة الحزب في العراق.

في العام ١٩٩٢، بعد عام من حرب الخليج الأولى، استأنف الحزب الإسلامي العراقي أنشطته السياسية في المنفى.9 كما شارك الحزب في الجهود الإنسانية لمساعدة العراقيين الذين عانوا من عقوبات الأمم المتحدة بعد الحرب.10 في نفس الوقت الذي واصل فيه الحزب الإسلامي العراقي سعيه لتغيير النظام، عارض الحصار الاقتصادي المفروض على العراق وخطط غزو البلاد. في العام ٢٠٠٢، عندما بدأت الولايات المتحدة التحضير لغزو العراق، نظمت مؤتمراً في لندن لإعداد المعارضة لليوم الذي يلي سقوط النظام. رفض الحزب الإسلامي العراقي المشاركة فيه، تماشياً مع موقفه المبدئي الرافض للاحتلال.11 ومع ذلك، وبعد أن احتلت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق في العام ٢٠٠٣، عاد معظم أعضاء الحزب الإسلامي العراقي إلى بلادهم ليلعبوا دوراً في الحياة السياسية.

شكّلت مشاركة الحزب الإسلامي العراقي في السياسة خروجًا عن نموذجه السابق لنظام الحكم الإسلامي الذي يشاطره مع جماعة الإخوان المسلمين، حيث كان كلاهما ينتهج أسلوب التدرج من القاعدة إلى القمة في الوصول إلى الحكم. وخلافاً لمدارس الفكر السياسي الإسلامي الأخرى، يعتقد الإخوان المسلمون والحزب الإسلامي العراقي أن إنشاء مجتمع إسلامي سيؤدي حتمًا إلى تشكيل حكومة إسلامية.12 بينما تتبنى مدارس أخرى للإسلام السياسي، مثل السلفية الجهادية وبعض مدارس الشيعة الاثني عشرية، منهج السعي من أعلى إلى أسفل لنظام الحكم الإسلامي. لقد مثّلت مشاركة الحزب الإسلامي العراقي في حكومة ما بعد ٢٠٠٣ في العراق خروجًا عن نهجه السابق في الوصول إلى الحكم بأسلوب من القاعدة (الشعبية) إلى قمة (هرم السلطة)، وأحدث شرخاً بين الحزب الإسلامي العراقي وجمهوره السني.

الطريق من المنفى إلى الحكم

لعب الحزب الإسلامي العراقي دورًا هامًا في رسم ملامح البيئة السياسية لعهد ما بعد العام ٢٠٠٣ من خلال كونه في البداية أحد الممثلين الوحيدين للسنة العرب. وجد المجتمع السني نفسه على مفترق طرق عندما بدأت سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) ببناء العملية السياسية بعد الحرب على أساس نظام المحاصصة العرقية والطائفية. لقد أيقظ تشكيل مجلس الحكم، والجمعية الوطنية، والحكومة العراقية المؤقتة على أساس هذا النظام الإثني الطائفي أسوأ مخاوف العراقيين من تفكك منظومة الدولة في بلدهم. بين العامين ٢٠٠٤ و٢٠١٨، تم منح أعضاء الحزب الإسلامي العراقي مناصب عليا في إطار هذا النظام، بما في ذلك رئاسة البرلمان ومنصب نائب رئيس الجمهورية، وتم تعيين آخرين وزراء أو نواب وزراء. وقد انتقل الحزب الإسلامي العراقي من حزب معارض إسلامي في المنفى إلى حزب مشارك في عملية صناعة القرار العراقي.

خلال هذه الفترة، واجه الحزب العديد من التحديات التي استمرت في بلورة نظرة مجتمعه إليه. أولاً، بين العامين ٢٠٠٣ و٢٠١١، قاوم العديد من السنة الاحتلال الذي تقوده الولايات المتحدة بالقوة، وهو ما عارضه الحزب. وبدلاً من ذلك، عمل الحزب في الغالب كوسيط بين المقاومة السنية وقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة، محاولاً التخفيف من وطأة النتائج المدمرة المحتملة للمواجهات العسكرية. ثانياً، سمحت بيئة الاحتلال والمقاومة المسلحة للجماعات المتطرفة، مثل تنظيم القاعدة وبعد ذلك تنظيم الدولة الإسلامية بتثبيت نفسها في المجتمع السني. هذه الجماعات شجبت الحزب الإسلامي العراقي باعتباره دمية في يد قوى الاحتلال وممثل ضعيف للسنة. وثالثا، على الرغم من الاستياء السني، شارك الحزب الإسلامي العراقي في مجلس الحكم العراقي الذي أنشأته سلطة التحالف التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية.

إن قرار الحزب الإسلامي العراقي الانضمام إلى مجلس الحكم ومعارضة المقاومة المسلحة ميزه عن الجماعات السنية الأخرى، مثل البعثيين وضباط الجيش من النظام السابق، ورابطة علماء المسلمين في العراق، والسلفيين، الذين دعموا جميعهم خيار المقاومة المسلّحة.13 خصوم الحزب اتهموه بالانضمام إلى الحكومة من أجل تعزيز مصالحه الخاصة، وإسباغه رداء الشرعية على الاحتلال بسبب هذه المشاركة.14 فيما دافع الحزب الإسلامي العراقي عن مشاركته السياسية وتأييده لدستور جديد بأنها خطوات ضرورية لبناء دولة عراقية جديدة.

هذا الخلاف حول استخدام الوسائل العسكرية أو السياسية لإنهاء الاحتلال يستمر في تكريس الاستقطاب في أوساط العرب السنة. وعلى الرغم من حقيقة انسحاب قوات التحالف من العراق في العام ٢٠١١، فإن السنة لا يزالون منقسمين بين أولئك الذين انضموا إلى العملية السياسية التي دشّنها مجلس الحكم وأولئك الذين اعتبروا العملية غير شرعية ورفضوها. يشير معارضو الحزب الإسلامي العراقي إلى أن تراجع شعبية الحزب في المدن ذات الأغلبية السنية دليل على أنه لا يعكس إرادة مجتمعه.15

أحد الأمثلة على التصدعات السنية الداخلية التي أثارتها مواقف الحزب الإسلامي العراقي هي علاقته مع هيئة علماء المسلمين. يدعي الحزب الإسلامي العراقي أنه هو من أسس هيئة علماء المسلمين في العام ٢٠٠٣، مباشرة بعد الغزو، لكي تكون كياناً سنياً يمكن أن يوازنالمرجعية الشيعية.16 ومع ذلك، أوصى مجلس شورى الحزب الإسلامي العراقي أن لا يتولّى قيادة الهيئة أحد أعضاء الحزب، وذلك لتجنب أي صراع محتمل مع المرجعية. وبدلا من ذلك، فقد اختار الناخبون على اختلافهم رجل الدين السلفي الراحل حارث الضاري لقيادة الهيئة. وبذلك سلّمت قيادة الهيئة إلى أحد خصوم الحزب، نظراً للاختلافات الفكرية بين السلفيين والإخوان المسلمين.

اتسعت الهوة بين الحزب الإسلامي العراقي وهيئة علماء المسلمين في العراق. فقد انشق عبد السلام الكبيسي، وهوأحد أعضاء الحزب الذي استضاف الاجتماع الأوّل للجنة التنفيذية للهيئة في منزله،17 وتحالف مع الضاري وأسس جماعة مسلحة تحت اسم "جيش الراشدين" لمقاتلة قوات التحالف. وبالرغم من أن هيئة علماء المسلمين في العراق نفت مزاعم الحزب الإسلامي أنه هو من أسس الهيئة،18 إلّا أنها اعترفت أن من بين أوائل أعضائها من جاء من الحزب الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين.19 في نهاية المطاف، فشلت هيئة علماء المسلمين في تحقيق هدفها المنشود في توحيد السنة ودفعهم إلى الالتفاف حول رؤية سياسية واجتماعية مشتركة. بل على العكس من ذلك فقد فاقمت من حدة الاستقطاب السني الداخلي.20

كانت أسباب الانقسامات السنية أكثر من مجرد خلاف حول المشاركة في العملية السياسية في مرحلة ما بعد ٢٠٠٣. حيث أن هنالك انقسامات إيديولوجية - مثل العداء بين الحزب الإسلامي العراقي وهيئة علماء المسلمين في العراق – وعوامل إقليمية تفعل فعلها. أثّر الواقع السياسي الجديد للعراق على بلدان الجوار مثل إيران والسعودية وسورية وتركيا التي يمتلك كلّ منها تركيبة سكانية مختلطة مشابهة لتركيبة العراق السكانية. وهكذا، تدخّلت القوى الخارجية، أو تفاعلت، مع النظام السياسي العراقي الجديد لحماية مصالحها الاستراتيجية وضمان عدم تجاوز التغييرات في العراق عتبة الحدود.

وقد أدت تلك المنافسات الإقليمية إلى إضعاف الحزب الإسلامي العراقي. بعد العام ٢٠١٣، قادت الميول الفكرية للحزب نحو الإخوان المسلمين إلى وضعه في قلب الصراع الذي يشمل المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة ومصر وتركيا. فقد تضامن الحزب الإسلامي العراقي مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ضد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي الذي تدعمته كل من تركيا وقطر وتعارضه كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. بالنتيجة، بعد أن قطع عدد من الدول العربية والدول الأخرى علاقاتها مع قطر في حزيران/يونيو ٢٠١٧، وجد الحزب الإسلامي العراقي نفسه أكثر عزلة ولم يتمكن من الحصول على الدعم المادي من دول الخليج، ما أدّى إلى تقويض مكانته وتأثيره المحلي.

مستقبل الحزب الإسلامي العراقي في السياسة العراقية

لقد أثرت الانقسامات داخل الأوساط السنية سلباً على الأداء الانتخابي للحزب الإسلامي العراقي. فبعد أن شعر الحزب بتراجع شعبيته في المدن ذات الأغلبية السنية، غير استراتيجيته لخوض انتخابات أيار/مايو ٢٠١٨. ففي حين كان قد شارك سابقاً تحت اسم الحزب أو تزعم قوائم انتخابية، فقد شارك أعضاؤه في الانتخابات الأخيرة بصفتهم مرشحين مستقلين في قوائم ائتلافات الأحزاب السياسية الأخرى، وليس كأعضاء في الحزب الإسلامي العراقي. ويقول مسؤولو الحزب الإسلامي العراقي إن الحزب فاز بأربعة عشر مقعدًا برلمانيًا من أصل ٣٢٩ مقعدًا، وهو عدد أقل من المقاعد التي فاز بها في انتخابات ٢٠٠٥ و٢٠١٠ و٢٠١٤.21 لكن يصعب تأكيد هذا الرقم إذ ليس كل النواب الموالين للحزب، أعضاء فيه.

ومع ذلك، فإن الحزب الإسلامي العراقي سوف ينجو على الأرجح من تراجع شعبيته وما ترتب علي ذلك من خسارة في المناصب الحكومية لأن الحزب يتفوق على منافسيه بميزة مهمة خلافاً لمعظم نظرائه من السنة، الذين يعتمدون على شراء الولاء، ذلك أن الحزب الإسلامي العراقي هو منظمة هرمية ذات جوهر تنظيمي متين يتبنى إيديولوجيا مشتركة. على الرغم من أن الحزب الإسلامي كان له نصيبه العادل من المنافسات والانقاسامات الداخلية، إلا أن تماسكه الإيديولوجي وآلياته الاستشارية لحل النزاعات الداخلية قد أبقت الحزب متماسكاً حتى الآن.22

يقر الحزب الإسلامي بتراجع شعبيته، بيد أنه يعتقد أن هذا لاعلاقة له بأدائه، وإنما يعكس اتجاهًا أوسع يؤثر على شعبية كل الأحزاب السياسية الرئيسية على مستوى العالم. فالجمهور العراقي محبط من الحزب الإسلامي وحزب الدعوة الإسلامي الحاكم بسبب فشلهما في توفير الأمن والخدمات الأساسية وفرص العمل، وهي ظاهرة تتكرر في بلدان أخرى.23 وفي الوقت نفسه، يتراجع تمثيل العرب السنة في الحكومة بسبب تنامي نفوذ الأحزاب الشيعية. ومع ذلك، فعلى الرغم من الإحباط المتزايد لدى العراقيين من الفساد، فإن الأحزاب الإسلامية المتهمة بالفساد تهيمن على القوائم الانتخابية الفائزة في انتخابات ٢٠١٨. ويمكن إرجاع هذا التنافر إلى إفتقار خصوم الإسلاميين إلى الموارد والتنظيم، فضلاً عن حقيقة أن النخب السياسية قد انخرطت في تعزيز الثقافة الريعية فوضعت اتباعها في دوائر الدولة، ما أدى إلى بروز نظام غير مجهّز بشكل كافي لمواجهة الانتهاكات.

وبغض النظر عن الكيفية التي يفسر بها الحزب الإسلامي العراقي مكانته المتدنية بين أوساط السنة، فقد عانى الحزب بالفعل من الفشل في الوفاء بالوعود لحماية المجتمع السني وتوفير الخدمات وتحسين نظام الحكم. يلقي منتقدوا الحزب الإسلامي العراقي السنة باللوم على الحزب لفشله في حماية السنة خلال العنف الطائفي بين العامين ٢٠٠٦ و٢٠٠٩. بعد تفجير مرقد الإمام العسكري في سامراء العام ٢٠٠٦، تم إعدام الآلاف من السنة على أيدي ميليشيات شيعية تابعة للحكومة وتهجير عشرات الآلاف من النازحين داخلياً مما أدى إلى تغييرات في التركيبة السكانية في محافظات كبرى مثل بغداد وديالى. خلال تلك الفترة، كان أكبر مسؤول حكومي سني هو الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، طارق الهاشمي، الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس الجمهورية.

وفي الوقت نفسه، تفتقر المدن ذات الأغلبية السنية إلى الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والخدمات الصحية والكهرباء. وفي حين أن معدلات البطالة مرتفعة بشكل عام في العراق، فإن المدن ذات الأغلبية السنية لديها أعلى معدلات البطالة. وبالتالي، فإن معارضي الحزب الإسلامي العراقي قد نجحوا في إقناع عدد متزايد من السنة بأن حزب الحزب الإسلامي العراقي هو جهة غير أمينة وغير كفؤ ولا يخدم سوى مصالحه الخاصة. ومما يزيد الأمور سوءًا أن الحزب الإسلامي العراقي فشل في التأثير بفعالية على سياسات الحكومة، ما يقوض خططه في السعي إلى تقاسم السلطة مع الأحزاب السياسية الشيعية الرئيسة وحماية السنّة من العنف المفرط الموجه ضدهم من قبل السلطات.

في السنوات القادمة، من المرجح أن يراجع الحزب الإسلامي العراقي أداءه في الانتخابات البرلمانية، ويحدد نقاط ضعفه، ويعيد تقييم علاقاته مع الفاعلين المحليين والإقليميين، والأهم من ذلك، يعيد تقييم مشاركته في العملية السياسية لما بعد العام ٢٠٠٣. إن البراغماتية والترابط التنظيمي للحزب الإسلامي العراقي يعني ان الحزب سيستمر في العمل في السياسي في المستقبل المنظور، حتى لو كانت قدرته على مضاهاة طموحاته غير مؤكدة.

الخلاصة

لقد استغرق الإخوان المسلمون والحزب الإسلامي العراقي حوالي ستين سنة للوصول إلى السلطة، منذ أن تم تشكيل أول خلية للإخوان المسلمين في العراق إلى غزو البلاد في العام ٢٠٠٣. كانت المنظمتان قادرتين على البقاء على قيد الحياة في ظل النظام الملكي العراقي، وصعود وزوال الأنظمة البعثية، والعنف الطائفي والإثني والإرهاب الذي عصف بالعراق بعد ٢٠٠٣. ومع ذلك، فإن تاريخ الحزب كان مختلطا. فبعد الإطاحة بنظام صدام حسين في العام ٢٠٠٣، مُنح مسؤولو الحزب الإسلامي العراقي الفرصة للمشاركة في حكومات ما بعد الاحتلال، وتولي مناصب عليا في الدولة. لكن بسبب التقارب مع سلطة الاحتلال الذي تقوده الولايات المتحدة وبنهج مخالف لإرادة أغلبية السنة، خسر الحزب الإسلامي العراقي الدعم داخل جمهوره السني.

وقد تفاقم هذا الأمر بسبب عدم قدرة الأعضاء على أداء مهامهم الإدارية بنجاح والعزلة الإقليمية التي عانى منها الحزب الإسلامي بسبب ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين. علاوةً على ذلك، فإن تخلّي الحزب عن أنموذج من القاعدة (الجماهيرية) الى قمة (هرم السلطة) التي وضعتها جماعة الإخوان المسلمين، والاعتماد أكثر على وضعه داخل الطبقة السياسية العراقية التي فقدت مصداقيتها، جعلت الحزب يفقد أرضيته. ما لم تتغير هذه التوجهات، فمن غير المرجح أن يستعيد الحزب الإسلامي العراقي دورًا هامًا في الحكم في العراق.

وعلى ضوء ما سبق، فإن مسار الحزب الإسلامي العراقي حالياً يشير إلى أنه يسعى إلى الابتعاد عن جماعة الإخوان المسلمين من أجل تحسين علاقته مع الجهات السياسية المحلية والإقليمية والدولية. لكن انفصاله عن جماعة الإخوان المسلمين لايعني بالضرورة التخلي عن مجمل أفكارها. من التحديات الرئيسية التي سيواجهها الحزب الإسلامي العراقي في السنوات الأربع القادمة هي التوفيق بين منهجيته المؤسساتية وفكره الإيديولوجي في الحكم - بعبارة أخرى، المشاركة في المؤسسات الحكومية مع الدفع في الوقت ذاته إلى اتباع نهج تصاعدي (من القاعدة الجماهيرية إلى هرم السلطة) من شأنه أن يساعد في حشد وتعبئة قواعده الجماهيرية. وبالتالي، ومن خلال التوفيق بين هذه الجوانب من هويته السياسية بعد الاحتلال، قد يعزز الحزب الإسلامي العراقي من جديد فرصه في تعزيز دوره في هيكلية السلطة العراقية.

الهوامش

1 مقابلة أجراها المؤلّف مع أياد السامرائي (الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي)، ليدز، 2 آب/أغسطس 2018.

2 المصدر السابق.

3 مقابلة أجراها المؤلّف مع فريد صبري (ممثل الحزب الاسلامي العراقي في بريطانيا)، لندن، 5 آب/أغسطس 2018.

4 المصدر السابق.

5 مقابلة أجراها المؤلّف مع فريد صبري، لندن، 5 آب/أغسطس 2018.

6 مقابلة أجراها المؤلّف مع أياد السامرائي، ليدز، 2 آب/أغسطس 2018.

7 المصدر السابق.

8 مقابلة أجراها المؤلّف مع فريد صبري، لندن، 5 آب/أغسطس 2018.

9 المصدر السابق.

10 المصدر السابق.

11 المصدر السابق.

12 المصدر السابق.

13 مقابلة أجراها المؤلّف مع مثنى الضاري (الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق)، عمّان، 26 كانون الثاني/يناير 2016.

14 المصدر السابق.

15 المصدر السابق.

16 مقابلة أجراها المؤلّف مع فريد صبري، لندن، 5 آب/أغسطس 2018.

17 المصدر السابق.

18 مقابلة أجراها المؤلّف مع عبد الحميد العاني (مسؤول قسم الإعلام في هيئة علماء المسلمين في العراق)، من خلال رسائل مباشرة على تويتر، 18 تموز/يوليو 2018.

19 المصدر السابق.

20 مقابلة أجراها المؤلّف مع مثنى الضاري، عمّان، 26 كانون الثاني/يناير 2016.

21 مقابلة أجراها المؤلّف مع فريد صبري، لندن، 5 آب/أغسطس 2018.

22 مقابلة أجراها المؤلّف مع عمر عبد الستار (عضو سابق في البرلمان العراقي وعضو في هيئة علماء المسلمين في العراق)، اسطنبول، 13 كانون الأول/ديسمبر 2016.

23 مقابلة أجراها المؤلّف مع فريد صبري، لندن، 5 آب/أغسطس 2018.