في حين تَركّزَ الكثير من اهتمام العالم مؤخراً على تهديد النهب والتدمير الذي تطرحه قوات تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة تدمر السورية الصحراوية العريقة، تُمثِّل الأضرار التي لحقت بإمدادات الطاقة وبالأرباح المحتملة على الأرجح مصدر قلق أكبر لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. فمباشرةً بعد استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على تدمر في أيار/مايو 2015، سيطر التنظيم على حقول الغاز المجاورة، وحرم النظام من 45 في المئة من موارد الغاز والكهرباء، وفقاً لتقديرات صادرة عن المعارضة السورية.

أهمية تدمر

كان تنظيم الدولة الإسلامية يطمع في السيطرة على موارد النظام من الغاز منذ تموز/يوليو 2015 على الأقل، حين انتشرت في أجزاء من جبل الشاعر، وهو جزء من منطقة تحتوي على حقول غاز هائلة يُقال إنها تُنتِج ثلاثة ملايين متر مكعّب (106 ملايين قدم مكعّب) من الغاز الطبيعي الخام (المعروف أيضاً بالغاز الخام) يوميّاً، مقارنةً بإجمالي الإنتاج الوطني اليومي الذي يُقدَّر بحوالى 14.8 مليون متر مكعّب، وفقاً لوزارة النفط والثروة المعدنية السورية.

يقع جبل الشاعر على بعد 150 كيلومتراً (93 ميلاً) تقريباً شمال غرب تدمر، ويزوِّد بالغاز معمل إيبلا لمعالجة الغاز في منطقة الفرقلس إلى الغرب، والتي تؤمّن الغاز التجاري (المعروف أيضاً بالغاز الجاف أو الغاز المُعالَج) أو غاز الميثان إلى المحطات المُولِّدة للكهرباء التي تغذّي الشبكة الوطنية. أبقت قوات النظام سيطرتها على حقول الغاز الفعلية في جبل الشاعر في تموز/يوليو 2014، لكن تنظيم الدولة الإسلامية استولى على أربع آبار في هجوم جديد شنّه في أواخر تشرين الأول/أكتوبر. واستعاد الجيش العربي السوري التابع للأسد المنطقة مجدّداً، مع أن محطة تجميع الغاز في جبل الشاعر قد تضرّرت بشدة ومعظم الآبار أُغلِق. واستؤنِف الإمداد من الآبار المجاورة المملوكة للصين إلى معمل حيّان لمعالجة الغاز، والذي بدأ إنتاجه في العام 2009، وهو عبارة عن مركز توزيع لاحتياطي غاز البترول المُسال والنفط ومكثّفات الغاز إلى محطات توليد الكهرباء في مناطق عدّة من البلاد.

في وجه دفاعات النظام الكثيفة حول جبل الشاعر، حوّل تنظيم الدولة الإسلامية تركيزه باتجاه تدمر، التي كانت ساحة معظم التطورات التي شهدها قطاع الغاز في سورية منذ منتصف التسعينيات. وكان يُتوقَّع أن تتمكّن حقول المنطقة في نهاية المطاف من إنتاج 9 ملايين متر مكعّب من الغاز الخام يوميّاً. وهذه الحقول تشمل آراك ودبيسان والهيل وحيّان وجحار والمهر ونجيب والسُخنة وأبو رباح، والتي تُسهِم مجتمعةً في نصف إنتاج سورية من الغاز الطبيعي الخام وغاز البترول المُسال، وفقاً لمصدر مطّلع كان يعمل سابقاً في القطاع. إضافةً إلى ذلك، تشكّل تدمر نقطة عبور لخطوط الأنابيب التي تنقل الغاز من الحقول المهمة في محافظتَي الحسكة شمال شرق سورية ودير الزور شرق البلاد.

باختصار، تشكّل تدمر صلة الوصل بين استخراج أو نقل كل إنتاج الغاز السوري تقريباً، وبين محطات المعالجة وتوليد الطاقة الكهربائية الواقعة غرب البلاد، والتي تُزوِّد المناطق التي تعيش فيها غالبية السكّان بالكهرباء والغاز للاستخدام المنزلي والصناعي.

في 1 آذار/مارس 2015، وقبل أكثر من شهرين على استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على تدمر، قامت قوات التنظيم بالسيطرة على حقول الهيل للغاز – وهي الأكبر في منطقة تدمر – وعلى حقول آراك، ما أدّى إلى انقطاع التيار الكهربائي في دمشق. ويحتوي آراك، الذي أُنشئ في العام 1995، على محطة تجميع تمرّ عبرها تدفّقات الغاز الرئيسة من منطقة تدمر إلى المحطة المركزية في مدينة حمص، المرتبطة بدورها بمحطة بانياس الواقعة على ساحل المتوسط. استعادت قوات النظام لاحقاً هذه الحقول، لكن تنظيم الدولة الإسلامية سيطر عليها نهائيّاً في 21 أيار/مايو، إضافةً إلى حقل جزل النفطي ومحطة الضخ T3 شرق تدمر، والتي كانت تُستخدَم لنقل النفط من العراق إلى ميناء التصدير في طرطوس الواقعة على الساحل السوري.

ثمة افتراض شائع بأن اهتمام تنظيم الدولة الإسلامية في الاستيلاء على حقول الغاز ينبع في المقام الأول من رغبته في الحصول على موارد طبيعية قابلة للتسويق، بشكلٍ يشبه كثيراً كيفية استغلاله الحقول النفطية في المناطق الخاضعة إلى سيطرته. لكن، على عكس النفط، الذي يمكن تكريره من خلال عمليات بدائية في منشآت مؤقّتة، يتطلّب الغاز معدّات تنقية متطورة وخطوط أنابيب متخصّصة لنقله.

يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على معمل واحد لمعالجة الغاز – يُعرَف باسم "كونوكو" تيمّناً بالشركة الأميركية التي بنَته، ويقع جنوب دير الزور – يُقال إنه لايزال ناشطاً على الرغم من استمرار الضربات الجوية الأميركية على مقربة منه منذ أيلول/سبتمبر 2014، وإن كان هذا النشاط يجري على مستوى متراجع بشكل ملحوظ بسبب الأضرار وغياب الصيانة التشغيلية الروتينية. ويُعتقَد أن التنظيم يستخدم المعمل، الذي يستخرج غاز البترول المُسال من البروبان/البوتان المشتقَّين من الغاز الطبيعي لملء قوارير غاز الطهو المُستخدَمة في المنازل في المناطق الخاضعة إلى سيطرة التنظيم. إلا أن إنتاج المعمل الأساسي كان الغاز الجاف الذي كان يُستخدَم لتزويد معمل جندر لتوليد الطاقة الكهربائية التابع للنظام جنوب حمص، علماً أن هذا التزويد متواصل على مايبدو حتى الآن على الأقل.

وكما يدلّ مثال معمل "كونوكو"، إن البنية التحتية لغاز سورية مُوجَّهة بمعظمها نحو إيصال الغاز إلى غرب البلاد، حيث يقع معظم المعامل المتخصّصة لمعالجة الغاز وتوليد الكهرباء – والخاضعة إلى سيطرة الأسد. فالتأثير الفوري لسقوط تدمر وحقول الغاز فيها هو إذاً حرمان النظام من مصدر مهم لإنتاج الطاقة وعائداتها. وهذا كان بشكل شبه مؤكّد المنطق وراء هجمات تنظيم الدولة الإسلامية على جبل الشاعر في العام 2014: ضرب أهداف عالية القيمة للنظام بدلاً من تحقيق مكاسب ميدانية دائمة. كما أن تدمر تُقدِّم للتنظيم فرصةً أكبر حتى لتحقيق مكاسب غير متكافئة – مقارنةً باستثماره المحدود في القوة القتالية البشرية – ولاكتساب أفضلية استراتيجية. يُذكَر أنه في العام 2013، استُخِدم أكثر من 90 في المئة من إنتاج الغاز السوري لتوليد الكهرباء، وفقاً لمصادر حكومية. وتشير المعلومات من العام 2012 إلى أن حصة الغاز الطبيعي من توليد الكهرباء بلغت 6.3 ملايين طن مكافئ نفطي، مقارنةً بـ2.4 مليون طن من المازوت.

الواقع أن الاعتماد على الغاز ازداد مع أن الإنتاج الوطني انخفض من 8.7 مليارات متر مكعب في العام 2011، إلى 7.6 مليارات في العام 2012، و5.9 مليارات في العام 2013، وحوالى 5.4 مليارات في العام 2014. وفي الأشهر الأربعة الأولى من العام 2015، بلغ الإنتاج 15.6 مليون متر مكعب في اليوم (5.7 مليارات متر مكعب سنوياً)، وفقاً لوزارة النفط والموارد المعدنية، مع أن مصادر مطّلعة على قطاع الغاز السوري اعتبرت ذلك تفاؤلاً مفرطاً؛ إذ أشار وزير النفط سليمان العباس في تصريح له إلى قدرٍ أكثر تواضعاً من الإنتاج يبلغ 10 ملايين متر مكعبة في اليوم (3.65 مليارات متر مكعب سنوياً) قبيل سقوط تدمر. وقد فجّر تنظيم الدولة الإسلامية في 31 أيار/مايو خط أنابيب غاز قرب منطقة الفرقلس التي يسيطر عليها النظام، كما لو أنه يشدّد على أن عنوان لعبته الآن هو حرمان النظام من الموارد الأساسية. والفرقلس تضمّ حقل غاز "هائلاً"، علماً أن حقوق التنقيب في الحقل مُنِحَت لشركة صينية، لكن عملية الاستخراج الفعلي لم تبدأ بعد. والأهم أن موقع الفرقلس يضمّ معمل إيبلا لمعالجة الغاز (الذي كانت تشغّله سابقاً شركة بترو-كندا (سنكور))، ومنشأة Stroytransgaz المجاورة لمعالجة الغاز وتوزيعه، ومحطة وصل تربط أنابيب النفط والغاز التي تضمّ الخط المعروف باسم خط الغاز العربي – الأكبر في سورية – بمحطات الطاقة وموانئ التصدير إلى الغرب.

إذن، قد يكون الهدف من التهديد الذي يفرضه تنظيم الدولة الإسلامية على الفرقلس اكتساب الأفضلية. فالنظام يحتفظ شمال حمص المجاورة بمنشأة إنتاج كبيرة جداً، وإن كانت قديمة. في المقابل، لايملك التنظيم مايكفي من المعامل لتمكينه من إنتاج وتسويق الغاز الصالح للاستخدام لأغراض منزلية أو صناعية، وهو من المستبعد أن يستولي على المعامل التي يحتاج إليها وهي لاتزال في حالة جيدة. لذا، قد يكون تنظيم الدولة الإسلامية في صدد دفع النظام إلى إجراء مقايضة: استمرار تدفّق الغاز من الحقول الشرقية إلى المعامل التي يسيطر عليها النظام، مقابل دفع هذا الأخير أموالاً للتنظيم أو تزويده بالكهرباء. هذا هو نوع الاتفاق الذي أتاح استمرار العمل في سدّ الفرات الواقع قرب الرقة، والذي يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية ولكن يُصان بمساعدة تقنية من قبل النظام.