منذ خمس سنوات، كانت سورية تملك واحداً من أعلى معدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية في العالم العربي، ومعدّل إلمام بالقراءة والكتابة يفوق المعدّل الإقليمي ليصل إلى 90 في المئة للرجال والنساء على حدٍّ سواء. أمّا اليوم، فقد دُمِّرَت المدارس بسبب الحروب السورية القائمة وشُرِّد أطفالها، إذ فرّ الكثيرون عبر الحدود إلى لبنان والأردن وتركيا. وتتضاعف وطأة المعاناة والخراب اللذين تعرّض اليهما هؤلاء الأطفال، من جرّاء فقدان فرص الحصول على التعليم، ولاسيما أن حوالى 2.8 مليون طفل سوري هم الآن خارج المدرسة.

وبسبب معاناتهم من الغضب والصدمة من جرّاء ما تعرّضوا إليه وافتقارهم إلى مستقبلٍ يتطلّعون إليه، يواجه الكثير منهم خطراً جديّاً يتمثّل في التحوّل إلى التطرّف. فعلى حدّ تعبير أحد مسؤولي الحماية في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف): "إذا لم نبادر الآن إلى إنقاذ هؤلاء الأطفال، فلن يفقدوا قيمهم وحسب، بل سيفقدون الأمل أيضاً".

مع ذلك، لا يزال هناك أفق. إذ يتحرّك أفراد ومنظمات المجتمع المدني لسدّ جزءٍ من هذه الفجوة وإتاحة فسحة أمل لهؤلاء الأطفال.

أزمة تعليم في لبنان

دفعت الحرب في سورية أكثر من 4 ملايين شخص إلى الفرار من البلاد، نصفهم من الأطفال دون سن الثامنة عشرة. ويستضيف لبنان الآن أكثر من 1.1 مليون سوري، أي ما يعادل 257 لاجئاً لكل 1000 نسمة، مايشكّل ضغطاً هائلاً لبلدٍ يبلغ عدد سكانه 4.2 مليون نسمة فقط.

من بين هؤلاء اللاجئين، ثمة حوالى 400 ألف طفل في سن الدراسة، تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة. وهذا يعني أن عدد الأطفال السوريين في سن الدراسة في لبنان يفوق الآن عدد الأطفال اللبنانيين في المدارس الحكومية. بيد أن التعليم حلمٌ بعيد المنال بالنسبة إلى غالبية الأطفال السوريين اللاجئين المقيمين في لبنان. ففي العام الدراسي 2014-2015، التحق 30 ألفاً فقط من الأطفال السوريين اللاجئين في لبنان بالمدارس.

ويُعزى ذلك جزئيّاً إلى تحديات عملية ترتبط بقدرة المؤسسات اللبنانية، فهي غير مهيّأة بصورة كافية لاستيعاب تدفّق الأعداد الهائلة من اللاجئين. وتشمل العوائقُ التي تحول دون التحاق الأطفال بالمدارس، عدمَ وجود أمكنة في المدارس، فضلاً عن اكتظاظ الفصول الدراسية، ومحدودية البرامج الخاصة بتعويض سنوات التعليم الضائعة، ومعاناة الأطفال من الصدمات النفسية، وافتقارهم إلى الوثائق الرسمية.

 يقوم الأفراد ومنظمات المجتمع المدني بخطوات تضمن حصول الأطفال السوريين على التعليم وتحول دون تحوَلهم إلى جيل ضائع.

على الرغم من أن الحكومة اللبنانية تطبّق الآن نظام النوبتين في المدارس (قبل الظهر وبعده)، إلا أن هذا الإجراء غير كافٍ. إذ سيستمر حرمان ما لايقلّ عن نصف عدد الأطفال السوريين من هذا الحق الأساسي، وسيبقون خارج نظم التعليم الرسمية. وبعد أربع سنوات من الصراع، تبدو النتائج مروّعة بقدر ما كان يمكن توقّعها. ومقارنةً مع الوضع الذي كان قائماً في مرحلة ماقبل الحرب، حين كان جميع الأطفال السوريين تقريباً يتمتّعون بالقدرة الأساسية على القراءة والكتابة، ثمة الآن 35 في المئة من الأطفال السوريين اللاجئين في سهل البقاع اللبناني، على سبيل المثال، عاجزين عن القراءة والكتابة.

الفقر وعمالة الأطفال وعمليات التجنيد من جانب المتطرّفين

حتى لو كان لبنان قادراً على توفير المعلّمين والتسهيلات اللازمة، لن يكون هذا الأمر كافياً لحلّ المشكلة، ذلك أن الأسر السورية تواجه عقبات عديدة تحول دون إرسال أطفالها إلى المدرسة.

يُعدّ الفقر أحد أكبر المشاكل. فقد ترك العديد من السوريين منازلهم في سورية برفقة أطفالهم، خالين الوفاض إلا من الملابس التي كانوا يرتدونها، وانتهى بهم المطاف في المناطق الأكثر حرماناً في لبنان، حيث يتنافسوا على الموارد الشحيحة مع لبنانيين فقراء مثلهم. واستنزفت عائلات أخرى مدّخراتها من أجل تأمين بعض مقوّمات البقاء، فتراكمت عليها الديون، ماجعلها عرضةً إلى مستوى عالٍ من انعدام الأمن الغذائي. ويتفاقم الوضع بسرعة في ظل ارتفاع نسبة أسر اللاجئين السوريين التي تعيش تحت خط الفقر (البالغ 3.84 دولار للشخص الواحد في اليوم) من 50 إلى 70 في المئة منذ العام 2014.

ونتيجةً لذلك، أصبحت عمالة الأطفال السوريين شائعة الآن في لبنان، مع أنها غير مشروعة. فقد اضطرّ الأطفال إلى التخلّي عن التعليم والانضمام إلى القوى العاملة لإعالة أسرهم، ناهيك عن أن حوالى ثلث الأطفال السوريين اللاجئين المنخرطين في سوق العمل هم دون سن الرابعة عشرة، وبعضهم لاتزيد أعمارهم عن ستة أعوام. ويعمل غالبيتهم في الاقتصاد غير الرسمي، إذ يزاولون عملهم في القطاع الزراعي أو قطاع البناء أو قطاع الصناعة أو تعليب اللحوم أو غيرها من المهن. ويتحمّل الكثير منهم نوبات عمل تتراوح بين 12 أو 14 ساعة في مقابل 4 دولارات أميركية.

ترتدي عمالة الأطفال أشكالاً مختلفة في المدن الكبيرة، حيث يتسوّل الكثيرون في الشوارع، مايجعلهم عرضة إلى الاستغلال والتحرّش. ويشمل ذلك المشاركة في أنشطة غير مشروعة مثل الإتجار بالمخدّرات والدعارة، ويفسح المجال لاحتمال تجنيدهم من جانب مجموعات متطرّفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية.

لاشكّ من أن لهذا النقص في تعليم الأطفال اللاجئين تداعيات كارثية على مستقبلهم. فمع فقدان المهارات الأساسية في القراءة أو الحساب، تتقلص كمّاً ونوعاً الخيارات المتاحة للأطفال والشباب لدخول سوق العمل أو ممارسة أي نشاط تجاري. والأهم من ذلك أن التعليم أيضاً يُبعد الأطفال عن الحرب، وفقاً لتحليل صدر مؤخراً عن مختلف الأسباب التي قدّمها الأطفال السوريون حول مشاركتهم في القتال. إضافةً إلى تعرّضهم للتعذيب على أيدي القوات الحكومية، أو التحاقهم بأصدقاء أو أفراد من الأسرة للمشاركة في القتال، أو مشاركتهم في الاحتجاجات السياسية، أو حاجتهم إلى فرص عمل، يبرز سبب آخر هو الافتقار إلى التعليم في صفوف الأطفال الذين يعيشون في مناطق محاصرة لاوجود للمدارس فيها، أو الذين طُردوا من المدرسة لأسباب سياسية.

كما أن الكيانات المارقة التي تسعى إلى الإيقاع بالأطفال، تستخدم التعليم باعتباره أداة للتجنيد. فعلى سبيل المثال، تستخدم جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة برامج التعليم المجّاني لتجنيد الأطفال للقتال تحت رايتها. وغالباً ماتتضمّن هذه البرامج تدريباً على استخدام السلاح. وينشط تنظيم الدولة الإسلامية أيضاً في تجنيد الأطفال لأغراض عسكرية، ويسمّيهم "أشبال الخلافة"، ويُدفعون إلى حضور عمليات الإعدام ومشاهدة صلب الجثث في الساحات العامة. وعلى غرار سائر المجموعات المتطرّفة، يستخدم تنظيم الدولة الإسلامية المدارس لتلقين الأطفال عقيدته، ويدرّبهم على استخدام السلاح، ويجبرهم على الانخراط في المعارك.

مع ذلك، وعلى الرغم من الأهمية الواضحة للتعليم، لايزال هذا القطاع يعاني من نقص حادّ في التمويل، خصوصاً أن الجهات المانحة الدولية لم تؤمّن سوى نصف مبلغ 1.3 مليار الذي طلبته الأمم المتحدة لتلبية حاجات اللاجئين الأساسية.

ونظراً إلى حجم الأزمة، تركّز معظم المساعدات على الحاجات الإنسانية الفورية مثل الغذاء والكساء، على حساب الاستثمار في مستقبل أطفال سورية على المدى الطويل. وبالتالي، لم تتلقّ الأمم المتحدة سوى 129 مليون دولار أميركي حتى تموز/يوليو 2015، مع أنها تحتاج إلى 455 مليون دولار أميركي لسدّ حاجات قطاع التعليم وحده.

المجتمع المدني يملأ الفراغ

حاول العديد من منظمات المجتمع المدني ملءَ هذه الفجوة من خلال توفير فصول تعليم ومحو أمية غير رسمية للأطفال السوريين اللاجئين. تُعتبر "أنا أقرأ"، إحدى هذه الجمعيات، إذ تقدّم هذه الجمعية التي تأسّست في العام 1994، فصولَ محو أمية للأطفال المحرومين الذين تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات وأربع عشرة سنة في لبنان، وتحاول الآن مساعدة اللاجئين.

 يقوم الأفراد ومنظمات المجتمع المدني بخطوات تضمن حصول الأطفال السوريين على التعليم وتحول دون تحوَلهم إلى جيل ضائع.

منذ العام 2012، وبالتعاون مع منظمة اليونيسف، تصدّت جمعية "أنا أقرأ" للأزمة السورية من خلال توفير التعليم المجاني للأطفال اللاجئين. وإلى جانب تنظيم فصول محو أمية وأنشطة ترفيهية، زوّدت الجمعية الأطفال بالحقائب المدرسية والقرطاسية واللوازم الصحية والكتب، وقدّمت المشورة للآباء والأمهات حول كيفية تأمين التعليم الرسمي لأبنائهم.

ولتوسيع نطاق انتشارها، نظمت "أنا أقرأ" برامج لإشراك السلطات والمجتمعات المحلية في لبنان لإطلاعها على فوائد التحاق الأطفال السوريين بالمدارس وتسهيل التعليم. وقد استندت إحدى المبادرات إلى تحديد المجتمعات المكتظّة بالسكان اللاجئين واستئجار أراضٍ خاصة في المنطقة، من أجل توفير بيئة تعليمية آمنة للطلاب.

خلال فصلي الصيف الماضيين، جهّزت المنظمة 16 مدرسة خاصة ومركزين وإحدى عشرة خيمة في أماكن السكن العشوائية، وفّرت جميعها التعليم لـ 11.123 من الأطفال السوريين خارج المدرسة في لبنان. وشملت الدورات الدراسية، التي استمرت 6 أسابيع أو 12 أسبوعاً، موادّ محو الأمية إضافةً إلى الرياضيات واللغة والمساعدة في الفروض المدرسية والدعم النفسي. وشارك الطلاب في برامج توعية تضمنت دروساً حول اللاعنف والنظافة والصحة والممارسات الثقافية المختلفة.

أطفال مدرسة الأوزاعي

تقع إحدى المدارس الصيفية التابعة لجمعية "أنا أقرأ" في منطقة الأوزاعي، وهي حي عشوائي يقع في ضواحي بيروت الجنوبية ويعود تاريخه إلى سبعينيات القرن الماضي. ويعيش في منطقة الأوزاعي حوالى 50 ألف شخص، يتألّف الكثير منهم من الأشخاص الذين هُجِّروا من مناطق إقامتهم خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامَي 1975-1990، ومن آخرين لايملكون القدرة المادية للإقامة في أي مكان آخر.

وقد حرص الأطفال السوريون اللاجئون في المناطق المحيطة على الذهاب إلى المدرسة بأي ثمن، حتى في الصيف الماضي.

نذكر على سبيل المثال أمينة وشقيقها وابن عمهما. هؤلاء الثلاثة لاجئون من حلب استقرّوا في الأوزاعي، على بُعد عشر دقائق فقط سيراً على الأقدام من مدرستهم. غير أنهم ظلّوا يتعرّضون إلى إساءات لفظية من بعض الأطفال الذين يقطنون الحي، ما حدا بأسرهم إلى اتخاذ قرار الانتقال إلى منطقة أخرى في ضواحي بيروت، آملةً أن تكون أكثر ترحيباً. وعلى الرغم من ذلك، فقد أصر هؤلاء الأطفال على الذهاب الى مدرسة الأوزاعي كل يوم، فهي شكلت المتنفّس الوحيد لهم خلال صيف بيروت الحار، لدرجة أنهم كانوا يتساءلون في ما بينهم عما سيعملون لملء الفراغ وقد انتهت الفترة الدراسية.

الطالب الآخر، بلال ابن السنوات الست، كان كتوماً، خجولاً ويعاني من صدمة واضحة حين بدأ دراسته في مدرسة الأوزاعي. لكن في اليوم الأخير من المدرسة، تساءل وعيناه مُغرورقان بالدموع: "هل هذا يعني أنني لن أعود غداً؟"

لقد كان شعور الفخر بإنجازهم جلياً لدى الأطفال في يومهم الأخير من المدرسة، وهم يلوّحون بشهاداتهم الجديدة بحماسة.

جُلّ مانتمنّاه أن تحدث إنجازات مماثلة مع مزيدٍ من الأطفال السوريين في لبنان. فمع أن منظمات مثل "أنا أقرأ" تسعى إلى منح هؤلاء الأطفال الحق الإنساني الأساسي في التعليم وتوفير الفرص التي يحتاجونها لتحقيق النجاح، بيد أنها لاتستطيع وحدها أن تملأ الفراغ الناجم عن فشل المجتمع الدولي.