تبدو مواقف دونالد ترامب وهيلاري كلينتون من الاتفاق النووي الإيراني متناقضة ظاهرياً. فهو وصف خطة العمل المشتركة الشاملة بـ"الكارثية" و"المُفجعة" و"المريعة"، في حين قالت كلينتون إنها "تعتزّ" بأنها لعبت دوراً في إطلاق المفاوضات، وإن الاتفاق جعل أميركا "أكثر أماناً".

لكن عند التدقيق أكثر، قد لاتكون مواقفهما مختلفة بالقدر الذي يُخيَّل إلينا. فقد أعلن المرشّحان أنه لن يُسمَح أبداً لإيران بحيازة أسلحة نووية. فاستوحت كلينتون من رونالد ريغان مقاربتها التي عنونتها "لاتثق ودقّق"، واقترحت "اتخاذ تدابير تطبيق حازمة، وفرض رقابة قوية، ووضع عواقب واضحة لأي انتهاكات، واعتماد استراتيجية أوسع نطاقاً لمواجهة عدوان الجمهورية الإسلامية في المنطقة". ومن جهته، وعَد ترامب بتعزيز جهود التصدّي لتدخّلات طهران في المنطقة والقضاء على التنظيمات الإرهابية التي تدعمها.

صحيح أن ترامب قال، في خطاب نادر مُعَدّ مسبقاً أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، في آذار/مارس الماضي: "يأتي في مقدّمة أولوياتي تفكيك الاتفاق الكارثي مع إيران". لكنه أشار في الخطاب نفسه إلى هذا الاتفاق بكلمة "عقد"، وتعهّد بـ"تطبيق أحكام الاتفاق السابق من أجل إخضاع إيران للمساءلة الكاملة". واقع الحال أن موقف ترامب من الملف الإيراني يبدو منضبطاً إلى حدٍّ ما حين نقارنه مع تشكيكه بالتزام الولايات المتحدة بحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واقتراحاته السابقة الخاصة بحظر سفر المسلمين إلى الولايات المتحدة، وخططه الهادفة إلى قصف حقول النفط العراقية و"تسويتها بالأرض". إنه الوحيد تقريباً بين المرشحين الجمهوريين للرئاسة الذي امتنع عن إطلاق وعود بـ"تمزيق" خطة العمل المشتركة الشاملة، مشبّهاً إياها بعقود تجارية سيئة ورثها في أعماله، وجرى تصحيحها عن طريق التطبيق الصارم والدعاوى القانونية.

في غضون ذلك، وعلى الرغم عن اللغة قاسية اللهجة، لايزال الكونغرس ينبح أكثر مما يعض. من أجل الوقوف على الأسباب، لابد من أن نستعرض سريعاً الجهود التشريعية التي بُذِلت العام الماضي لتعطيل خطة العمل المشتركة الشاملة. ففي أيار/مايو 2015، أقرّ الكونغرس بغالبية ساحقة "قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني"، المعروف أيضاً بـ"قانون كوركر-كاردين"، كي يكون له دور في المداولات النووية. بما أن خطة العمل المشتركة الشاملة هي عبارة عن مجموعة من "الترتيبات غير الملزمة" بين ثماني أطراف تفاوضية من دون موقِّعين رسميين، تستطيع إدارة أوباما أن تستند إلى حجج قوية لتقول إن الخطة لاتخضع إلى الإشراف التشريعي. ومع ذلك، أبدى الرئيس باراك أوباما، في نهاية المطاف، دعمه لـ"قانون كوركر-كاردين" لأنه كان يشكّل ضمانة بأن حصيلة المراجعة لن تكون أبداً موضع تشكيك، على الرغم من وجود غالبية كبيرة معارِضة للاتفاق في كل من مجلسَي الشيوخ والنواب، بما في ذلك أعداد كبيرة من الديمقراطيين.

بغضّ النظر عن النقاشات الدستورية حول الصلاحيات التنفيذية، كان من الممكن أن يصرّ الكونغرس على التشدّد في آلية المصادقة على خطة العمل المشتركة الشاملة عبر فرض الحصول على 67 صوتاً في مجلس الشيوخ. لكن، بدلاً من ذلك، أنشأ "قانون كوركر-كاردين" آلية مراجعة يُعتبَر بموجبها أنه تمت الموافقة على الاتفاق، إلا إذا أقرّ الكونغرس قراراً مشتركاً بعدم الموافقة. ومع أنه كان يكفي الحصول على أكثرية مطلقة في كلٍّ من مجلسَي النواب والشيوخ لاعتماد مثل هذا القرار المشترك، إلا أن القواعد المتّبعة في مجلس الشيوخ تفرض عادةً إغلاق النقاش حول المسألة المطروحة قبل انطلاق عملية التصويت. ومن أجل إغلاق النقاش، ينبغي الحصول على موافقة ثلاثة أخماس أو ستين في المئة من أعضاء مجلس الشيوخ، مايعني أن بإمكان 41 عضواً فقط في مجلس الشيوخ تعطيل صدور قرار بعدم الموافقة على خطة العمل المشتركة الشاملة. وفي نهاية المطاف، تمكّن الرئيس من الحصول على الدعم من 42 عضواً في مجلس الشيوخ لمعارضة إغلاق النقاش، وهكذا لم يتمكن مجلس الشيوخ من التوصل إلى قرار بعدم الموافقة، على الرغم من معارضة 58 عضواً لخطة العمل المشتركة الشاملة. (لو أُقرّ القرار المشترك بعدم الموافقة، كان أوباما لينقضه من خلال حق الفيتو الذي يتمتع به. يُشار إلى أن إبطال الفيتو الرئاسي يتطلب أكثرية الثلثَين، مايعني أن الرئيس كان يحتاج، بموجب أحكام "قانون كوركر-كاردين"، إلى الدعم من الثلث زائد واحد في كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب للإبقاء على خطة العمل المشتركة الشاملة).

لماذا وافق غلاة المعارِضين لخطة العمل المشتركة الشاملة في الكونغرس على آلية مراجعة ضمنت خروج أوباما منتصراً؟ الجواب هو أنه تمت دوزنة النقاش بتأنٍّ من أجل إفساح المجال أمام أعضاء الكونغرس للتعبير عن معارضتهم العنيفة ومطالبتهم بإشراف تشريعي، إنما من دون أن يتحمّلوا لاحقاً مسؤولية دفع الأمور سريعاً نحو أزمة دولية، أو حتى مواجهة عسكرية، مع إيران.

إنها آلية العمل المعيارية في الكونغرس الأميركي. فانطلاقاً من الدروس المستمدّة من تجربة التصويت في تشرين الأول/أكتوبر 2002 للسماح باستخدام القوة العسكرية في العراق – وماترتّب عنها لاحقاً من تداعيات على المستوى العام – بدأ ممثّلو الشعب المنتخَبون في الحزبَين يبذلون قصارى جهدهم من أجل تجنّب اتخاذ مواقف في مسائل الحرب والسلم. على سبيل المثال، تهرّب الكونغرس من مسؤولياته في تأمين تغطية قانونية للحملة العسكرية الأميركية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، على الرغم من الجهود الفردية التي بذلها أعضاء مثل السناتور الديموقراطي تيم كاين والسناتور الجمهوري جيف فلايك.

في مجلس الشيوخ وحده هذا العام، أُطلِق ما لايقل عن أربع مبادرات تشريعية كبرى متعلقة بإيران (س. 2725، وس. 2988، وس. 3267، وس. 3281). وعلى الأرجح سيتم التوصل إلى طريقة، خلال الجلسة الأخيرة التي يعقدها الكونغرس المنتهية ولايته في نهاية العام الجاري، من أجل تجديد قانون العقوبات الإيراني الذي يشكّل مكوّناً أساسياً في منظومة العقوبات الأميركية ضد الجمهورية الإسلامية، والذي تنتهي مدّته في كانون الأول/ديسمبر المقبل. لكن على الرغم من التهديد والوعيد، غالب الظن أنه عندما يعيد الكونغرس النظر في الملف الإيراني بعد الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر، سوف يواصل العمل كما يفعل دائماً، أي أقل ما يمكن.

ثم، على الرغم من الاختلافات الحادة في اللهجة، يتبنّى ترامب وكلينتون مقاربتَين متشابهتين: تطبيق صارم للاتفاق النووي، يترافق مع اعتماد سياسة لردع العداء الإيراني ودعم الشركاء الإقليميين.

يبقى أن ننظر لتعرُّف طبيعة الإرث النهائي لخطة العمل المشتركة الشاملة. في المرحلة الراهنة، يبدو أن آمال داعمي الخطة الأكثر تفاؤلاً حول إطلاق الاتفاق حقبة جديدة في العلاقات الأميركية-الإيرانية أو إحداثه تحوّلاً في السياسة الإيرانية، سوف تتعرّض إٍلى خيبة أمل. غير أن الغالبية تجمع على أن خطة العمل المشتركة الشاملة حقّقت هدفها الأضيَق في مجال حظر الانتشار عبر قيامها، راهناً، بقطع كل المسارات التي يمكن أن تقود إيران نحو حيازة أسلحة نووية. وٍعلى المستوى السياسي، يُعتبر الاتفاق أمراً واقعاً. وفي حال إبطاله في العام 2017، قد يتسبّب ذلك باندلاع أزمة دولية من شأنها أن تصبّ في مصلحة طهران نظراً إلى تفكيك الجزء الأكبر من منظومة العقوبات الدولية.

إلى من كانوا يتوقّعون موت خطة العمل المشتركة الشاملة ميتةً شنيعة بعد خروج إدارة أوباما، لاتعوِّلوا على هذا الأمر.