خصصت مجلة "الايكونوميست" غلافها في شهر آب/أغسطس للحديث عن النظام المصري، ووضعت له عنواناً استفزازياً:"تخريب مصر". جاء في المقال: " ليس ثمة مايثير القلق في أي مكان، أكثر من ذلك

المزيج السام من التوتر الديموغرافي، والقمع السياسي، وانعدام الكفاءة الاقتصادية في مصر، في عهد الرجل القوي عبد الفتاح السيسي". وعلى رغم أن هذا المقال لم يُنحِ بلائمة كل مشاكل البلاد على النظام المصري القائم ، إلا انه حمّل الحكومة مسوؤلية القمع المُفرط، وسوء إدارة الاقتصاد، بعد خمس سنوات من التباطؤ الاقتصادي والاضطرابات السياسية. وحذّرت المجلة من أن هذا المزيج من كلٍ من التوتر الديموغرافي، والاستبداد، والصعوبات الاقتصادية الكأداء، ستوفّر ظروف اندلاع "الانفجار التالي".

لو أن أحداً تعلّم شيئاً عن مصر والشرق الأوسط عموماً، لأدرك أن مثل هذه التكهنات غالباً ماتكون مخطئة. وينسحب هذا على أولئك الذين استبعدوا قبل العام 2011 احتمال اندلاع انتفاضة ثورية في مصر؛ كما يسحب نفسه اليوم أيضاً على من يرى أن ثمة رابطاً حتمياً بين الواقع الاقتصادي القاتم في مصر وبين تجدُّد تفجُّر الاحتجاجات السياسية.  صحيح أن مثالب ومكامن الضعف في الاقتصاد المصري قد تقود إلى لااستقرار مستقبلي، إلا أن هذه ليست مسألة حتمية.  فالبؤس والمعاناة في حد ذاتهما لا يشعلا فتيل الانتفاضات.

هذا الاعتبار هو الذي حفزني على وضع دراسة مؤخراً، نُشرت بالعربية على الموقع الالكتروني امركز كارنيغي للشرق الأوسط21 تموز/يوليو 2016 تحت عنوان "النظام المصري ومعضلة إعادة تأسيس السلطوية"، حللت فيها طبيعة المأزق الذي يعاني منه نظام السيسي في مجال ترسيخ السيطرة السلطوية، وشدّدت على أن:

"الأزمة الاقتصادية الراهنة في مصر ستؤثر بشكلٍ كبير على نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي المدعوم من الجيش في السنوات المقبلة، وستوقع النظام في معضلة تحول دون توطيد دعائم السلطوية. فالتحدّيات الاقتصادية والمالية التي تواجه البلاد، تحرم القيادة من الموارد اللازمة للحفاظ على القاعدة الداعمة لها في صفوف موظفي بيروقراطية الدولة والقطاع العام. لكن في غضون ذلك، يمتنع النظام عن إجراء الإصلاحات اللازمة لمعالجة هذه المعوّقات، نظراً إلى أنها قد تثير غضب دائرة أنصاره الأساسيين أنفسهم".

والحال أنه لاسبيل لفهم آفاق واحتمالات الأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر، إلا في الإطار والسياق الأوسع للتطورات منذ العام 2011. فالبلاد قد شهدت تحولّاً سياسياً فشل في إنتاج جهاز سياسي فعّال ومُستدام. والدعم الشعبي لاستيلاء الجيش على السلطة في تموز/يوليو 2013، كان تعبيراً عن كلٍ من خيبة الأمل من السياسات، وعن الخوف من الفوضى والنزاعات الأهلية. ومثل هذه العوامل لاتزال حاضرة الآن، خاصة حين نضع في الاعتبار الحروب المتواصلة المندلعة في كل أنحاء المنطقة. علاوة على ذلك، أسفرت القبضة الحديدية للنظام، والرقابة على الإعلام، وحظر الاحتجاجات الشعبية، عن محو أي هامش لترجمة السخط إلى عمل سياسي مُتّسق.

مايعنيه ذلك هو أنه يُحتمل أن ينجو النظام بجلده من تآكل الوضع الاقتصادي في البلاد. وهذا حدث من قبل وبوسائل أكثر دراماتيكية في بلدان مثل زيمبابوي في عهد روبرت موغابي وفي نظام حكم عمر البشير في السودان. وبالتالي، السؤال الأهم لا يتمحور حول ما إذا كان نظام السيسي سيبقى، بل حول نوع النظام الذي يُحتمل أن ينبثق من الاضطراب الاقتصادي. نظام السيسي سيبقى فقط من خلال مواصلة الحُكم عبر القمع، ولكن مع غياب التمثيل الواضح لمصالح الفئات الاجتماعية والقواعد التي يأمل، أو يزعم، تمثيلها. هذه هي المعضلة التي يواجهها النظام، وهي تعني أن الحكم السلطوي قد يتحقق بأثمان سياسية واقتصادية واجتماعية باهظة. إن مستقبل مصر قد يتضمن سخطاً مديداً، ولكن ليس انفجاراً مدوّيا.