في حين تبدو الأوضاع ممسوكة في جبهة حلب الغربية الخاضعة إلى سيطرة الحكومة، تتعرّض جبهة حلب الشرقية التي يسيطر عليها الثوار، إلى الحصار مجدّداً. وفيما كانت الولايات المتحدة وروسيا تتشاحنان حول الهدنات وإدخال المساعدات الإنسانية، اخترق الجيش السوري، بدعمٍ من الطائرات الروسية والمقاتلين الأجانب الشيعة، خطوط الثوّار السنّة على مقربة من منطقة الراموسة في حلب. 

ويشتبه البعض أنه ربما كان للاتفاقات الأميركية-الروسية أو الروسية-التركية تأثير على التطورات في أرض المعركة. وفي حين ينفي قادة الثوّار ذلك، مُشيرين إلى أن كل مافي الأمر أنهم واجهوا ظروفاً سلبية جدّاً، ليس ثمة شك في أن الهزيمة في الراموسة لها علاقة بتركيا؛ إذ أن استعمال الأتراك للثوار السوريين في حرب بالوكالة ضدّ التنظيم المسمّى "الدولة الإسلامية" وضد القوات الكردية، تَسَبَّب بسحب عدد كبير من المقاتلين من جبهة الحرب ضد الرئيس بشار الأسد وتوجيههم نحو جبهة أخرى، ما أدّى إلى ضعضعة خطوط المعارضة في حلب.

الثوّار لم يلقوا الخطبة بعد في وسط حلب

فرضَ ائتلاف جيش الفتح المكوّن من ثوّار إسلاميين من إدلب وحلب، سيطرته على الراموسة والمنطقة المحيطة بكلية المدفعية، طوال شهر كامل تقريباً، بدعمٍ تركي على ماذُكر. وهكذا قطع الثوار الجزء الغربي من مدينة حلب عن خط الإمدادات الأساسي باتجاه مدينة حماه، وأنشأوا ممرّاً بين الجزء الشرقي من مدينة حلب وريفها الخاضع إلى سيطرتهم. وحوّل الاستيلاء على كليّة المدفعية في مطلع آب/أغسطس الماضي، الهزيمة إلى نصر، وأحيا من جديد آمال الثوار بتحقيق النصر في المدينة في نهاية المطاف.

وكان الداعية الجهادي السعودي عبدالله المحيسني قد زمجر متوعّداً، في شريط فيديو ترويجي من الراموسة، قائلاً: "إن المعركة ليست لفك الحصار، فك الحصار بداية المعركة، المعركة بإذن الله لنلقي الخطبة الثانية في ساحة سعد الله الجابري"، في إشارة إلى الساحة الشهيرة في وسط حلب.

لكن الجهاديين لن يُلقوا أي خطبة قريباً في ساحة سعد الله الجابري، بعدما عادت كليّة المدفعية مجدّداً تحت سيطرة الأسد.

نصر باهظ للأسد

لاريب أن المعركة، بالنسبة إلى بشار الأسد الذي خسر المئات من جنوده في محاولة طرد الثوار من كلية المدفعية، كانت درساً باهظ الثمن عن أهمية حماية الخاصرة. فالمنطقة سقطت، بحسب التقارير، في أيدي جيش الفتح في آب/أغسطس الماضي، لأن الجيش السوري انسحب للقتال على جبهات أخرى. ولم يبقَ في الميدان سوى ميليشيا محلّية انتهى بها الأمر بالفرار من مواقعها.

مشكلة الأسد الأساسية هي أنه لايملك عدداً كافياً من الجنود للتواجد في كل مكان في آن. ولا حتى تمكّن آلاف المتطوّعين الإسلاميين الشيعة، الذين يتدفّقون من العراق وإيران ولبنان، من التعويض عن هذا النقص في العنصر البشري. وهكذا، لايبقى أمام الأسد سوى الاختيار بين الحدّ من طموحاته بالسيطرة على الأراضي، أو القيام بمغامرات محفوفة بالمخاطر. الهجوم على حلب كان مغامرة، ومع أنه يبدو الآن أن هذا الهجوم حقّق النتائج المتوخّاة، إلا أنه كاد يفشل في ذلك. فواقع الحال أنه فيما كان الجيش يستعد للسيطرة على كليّة المدفعية في مطلع أيلول/سبتمبر، أُرغِم على تحويل عناصره نحو شمال حماه حيث كان هجوم آخر يشنّه الثوّار بدأ بقضم أراضٍ خاضعة إلى سيطرة النظام. ومع أن الحكومة نجحت لاحقاً في اختراق خطوط الثوّار، كان الثمن باهظاً، ولايزال الوضع هشّاً. فغالب الظن أن جيش الفتح لن يتخلّى عن المعركة، وقد يشنّ هجوماً مضادّاً أو يجد فجوة أخرى في دفاعات الأسد يتسلّل من خلالها. كما أن المحاولات الروسية-الأميركية للتوصّل إلى اتفاق دبلوماسي حول حلب قد تُحدِث تغييرات في ساحة المعركة، وربما لن تكون كلّها مستساغة للأسد.

لكن حاليّاً، وحتى إذا افترضنا أن الجيش سيتمكّن من الحفاظ على سيطرته في حماه، فقد عاد الوضع إلى حدٍّ كبير إلى ماكان عليه في تموز/يوليو الماضي. فالجزء الشرقي من حلب الذي يسيطر عليه الثوار أضحى مجدّداً تحت الحصار الشديد، ونجح الأسد في فرض سيطرته على الطريق المؤدّي إلى الجزء الغربي من مدينة حلب، ما أتاح له التقدّم بوضوح في الشمال. وعلى الرغم من تعرّضه إلى انتكاسات حول مدينة حماه، تمكّنت قواته من استعادة مدينتَي داريا والمعضمية غرب دمشق، وتُواصل تقدّمها في الغوطة الشرقية.

بعبارةٍ أخرى، عدا الانتكاسة في حماه، يبدو أن الأسد يرسّخ قبضته على ما اصطلح البعض على تسميته "سورية المفيدة". وإذا استمر الوضع على هذا المنوال، مع دفع قوات المعارضة نحو الانكفاء في المدن المحاصَرة والمناطق الريفية، سيكون لذلك على الأرجح تداعيات على نظرة الأفرقاء الخارجيين إلى النزاع وإدارتهم له.

حاجات الثوار والأولويات التركية

سيستخلص الثوار السوريون دروساً أيضاً مما حدث. فالسبب الأكثر وضوحاً لهزيمتهم في كليّة المدفعية كان التفاوت في القوة بين جيش الفتح والمجموعات المتحالفة معه من جهة، وبين القوات التابعة لسورية وروسيا وإيران وحزب الله من جهة ثانية. هذا التفاوت في القوة محبِطٌ بما فيه الكفاية، لكن غالب الظن أيضاً أن الثوار سيتوصّلون إلى استنتاجات مقلقة أخرى انطلاقاً مما جرى في حلب.

أحد هذه الاستنتاجات هو أن المشكلة التي يعاني منها هؤلاء الثوار جرّاء خوضهم حرباً بالوكالة عن الآخرين، بدأت تلقي بثقلها عليهم الآن. من الأخبار السارّة النادرة وسط الحالة المُزرية التي يتخبّط فيها الثوار السوريون، النصر الذي حققوه في الرابع من أيلول/سبتمبر عند الحدود التركية شمال شرق حلب، حيث حاربوا تحت قيادة القوات الخاصة التركية لطرد تنظيم الدولة الإسلامية والمجموعات الكردية المناهضة لتركيا. يهدف التدخّل التركي الذي انطلق في 24 آب/أغسطس الماضي، إلى إقامة منطقة عازلة لإبعاد تنظيم الدولة الإسلامية من المنطقة الحدودية – وهذا مطلب أميركي قديم – والحؤول في الوقت نفسه دون نشوء إقليم متّصل خاضع إلى السيطرة الكردية في شمال سورية. يتشاطر الثوّار السوريون هذَين الهدفَين، إلا أنهما لايشكّلان أولوية بالنسبة إليهما بقدر الحفاظ على السيطرة في حلب. بيد أن الثوّار المتحدّرين من حلب تعرّضوا إلى ضغوط من تركيا، التي دفعت لهم أموالاً للبقاء على الجبهة الحدودية، بدلاً من العودة إلى مسقط رأسهم للقتال.

يَصعب الحصول على أرقام موثوقة، إلا أن بعض التقديرات تشير إلى أن نحو ألف إلى خمسة آلاف سوري شاركوا في التدخّل الافتتاحي في 24 آب/أغسطس، ومعظمهم ينتمون إلى فصائل وطنية ومجموعات إسلامية معتدلة خضعت إلى مجهر التدقيق من الولايات المتحدة، وتعمل تحت راية الجيش السوري الحر. وكان الآلاف يتمركزون أيضاً في جيب حدودي آخر، على مقربة من أعزاز، قبل أن ينضموا إلى عملية تطهير الحدود التي تشنّها تركيا. للمقارنة، أشارت تقديرات وكالة "رويترز" إلى أن عدد عناصر القوة الأساسية التي يقودها جيش الفتح والتي استولت على كليّة المدفعية، بلغ نحو ستة إلى ثمانية آلاف مقاتل. وعلى الرغم من أن الثوار السوريين سيفيدون على الأرجح من انتشارهم في المنطقة الحدودية التركية في بعض النواحي، إلا أنه يبدو مؤكّداً أنهم كانوا ليحقّقوا مكاسب أكبر لو استُخدِم هؤلاء العناصر لممارسة ضغوط على الأسد في حلب. لكن كانت لدى تركيا مخطّطات أخرى، لأن أولوياتها مختلفة؛ وفي نهاية المطاف، اختار آلاف المقاتلين السير خلف أنقرة.

منذ العام 2014، قصفت نحو عشرة أسلحة جو مناطق في سورية، وانخرط عشرات آلاف المقاتلين الأجانب في المعارك الدائرة حالياً على أراضي هذه الدولة. ومع هذا التدويل المتسارع للحرب السورية، ستصبح العلاقات المتنافرة بين الأسياد ووكلائهم أكثر شيوعاً على الأرجح.