انتهى التمرّد غرب دمشق. فبعد أربعة أعوام من القتال، استعاد الجيش السوري في 25 آب/أغسطس الماضي السيطرة على داريا من أيدي الثوار، الذين استسلموا بعد أسابيع من القتال العنيف، والقصف المتواصل، والأزمة الإنسانية المستفحِلة بسبب الحصار المديد الذي فرضه النظام على قوافل المساعدات الإنسانية.

جرى توقيع اتفاق وافق الثوّار بموجبه على الانسحاب إلى شمال سورية، مع مجموعة صغيرة من المدنيين الذين كانوا قد مكثوا في المدينة التي دمّرها القصف. ونُقِلت مجموعة أخرى من المدنيين والمقاتلين الذين وافقوا على تسليم أسلحتهم بالحافلات إلى ملاجئ خاضعة إلى سيطرة النظام في منطقة دمشق، لكن لم يُسمَح لهم بالبقاء في داريا. ويوضح سام هيلر من مؤسسة The Century Foundation أن الثوار والموالين للنظام يرَوْن في سقوط المدينة أمراً غاية في الرمزية:

تُعدّ خسارة داريا نقطة تحوّل في الحرب السورية. فبالنسبة إلى شريحة كبيرة في المعارضة السورية، كانت داريا تجسّد أفضل مافي الثورة السورية، إذ كانت معقلاً للحراك المدني والثوار الوطنيين من الجيش السوري الحر الذين تماسكوا وثابروا لسنوات في ظل ظروف سلبية جدّاً، حتى مع انزلاق مناطق أخرى خاضعة إلى سيطرة الثوّار نحو الجهادية والاقتتال الداخلي بين الفصائل. كانت داريا، في نظر نظام بشار الأسد والقاعدة الموالية له، تطرح تهديداً قويّاً على العاصمة دمشق، من خلال زرع بزور العنف وعدم الأمان على بعد أميال فقط من قلب المدينة والقصر الرئاسي.

بدأت ردود الفعل تتوالى أيضاً من المجتمع الدولي. ففي مايتعلق بالأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المتعدّدة التي تعمل في سورية، دفع سقوط داريا التساؤلات عن نزاهة عملياتها واستقلاليتها إلى الواجهة، مع تحوُّل النزاع شيئاً فشيئاً نحو مرحلة جديدة يُرجَّح أن يَلقى فيها مزيدٌ من المدن مصيراً مشابهاً.

الأسد يحكم قبضته على "سورية المفيدة"

مع سقوط داريا، انهارت فلول التمرّد غرب دمشق. وإذ بدأ آخر السكّان المتبقّين في داريا نزوحهم شمالاً، سرعان ماتبعهم أبناء ضاحية معضمية الشام المجاورة. فعلى الرغم من توقيع مقاتلي المعارضة في المعضمية هدنة مع الجيش، كشفت تقارير عن تعرّضهم إلى ضغوط لمغادرة المنطقة بعد استسلام داريا. وقال ناشط إعلامي مقيم في المعضمية لموقع "الجزيرة" الإلكتروني: "لم يكن تفاوضاً ولامباحثات، بل كان تهديداً. قالوا لنا كلاماً مفاده: ’إما أن تستسلموا أو نحرق المعضمية‘". 

يواصل الثوار القتال شرق دمشق، لكن قوات النظام تحقّق تقدّماً مهمّاً هناك أيضاً. لقد انهارت دفاعات الثوار في مايُعرَف بمنطقة الغوطة الشرقية خلال الربيع الماضي، بعد معارك ضارية دارت بين الفصائل المسلّحة. فقد سقطت الخاصرتان الجنوبية والشرقية في هذه المنطقة، وتتقدّم قوات الأسد رويداً رويداً نحو ضواحي مدينة دوما، مركز الغوطة الشرقية. في غضون ذلك، أعادت الحكومة فرض حصارها مجدّداً على الجزء الشرقي من مدينة حلب في شمال البلاد.

وهذا يعني أن النظام يُحكِم على مايبدو قبضته شيئاً فشيئاً على المناطق ذات الكثافة السكّانية الأعلى في سورية، أي ما اصطلح البعض على تسميته "سورية المفيدة". لكن الجيش يعاني أيضاً من الضعف في أماكن أخرى. ففي منطقة الفرات، مثلاً، خسر النظام معظم المناطق التي كانت خاضعة إلى سيطرته لمصلحة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو يحتفظ بعدد ضئيل من المعاقل التي تشكّل جيوباً وسط مساحات شاسعة من الأراضي الخاضعة إلى سيطرة الأكراد. هناك، لايصبّ توازن القوى في مصلحة الأسد، خاصة مع قيام الأكراد مؤخّراً بشنّ هجوم عنيف على الميليشيات الموالية له في الحسكة. وفي أماكن أخرى، تحديداً في المناطق الخاضعة إلى سيطرة الثوار في الأرياف مثل إدلب، تعرّضت المؤسسات الحكومية إلى التدمير في خضمّ هجمات عنيفة. لكن، وعلى طول المحور الذي يربط وسط سورية بغربها، أي المحور الممتدّ من حلب، مروراً بحماه وحمص، ووصولاً إلى دمشق، يتم تطويق الثوار شيئاً فشيئاً في جيوب تتألف بمعظمها من أراضٍ ريفية، فيما يُحكم النظام قبضته على المدن الكبرى ويقضي على ماتبقّى من مقاومة فيها. قد لايكون الأسد في موقعٍ يخوّله استعادة السيطرة عسكرياً على كامل الأراضي السورية، لكن يبدو أنه يحقّق، بفضل الدعم الإيراني والروسي، مكاسب في المناطق التي ترتدي الأهمية الأكبر بالنسبة إليه.

بالطبع، لاينبغي اعتبار أيّ شيء من المسلّمات. ذلك أن الوضع في حلب لايزال هشّاً، وقد تكبّد الجيش مؤخراً هزائم جسيمة في جبهة تعاني من النقص في العناصر البشرية في شمال حماه. لايبدو أحدٌ خارج القصر الرئاسي، وربما داخله أيضاً، واثقاً من استدامة موقع النظام في المدى الأطول، نظراً إلى هشاشة الاقتصاد السوري، والنقص في أعداد المقاتلين الموالين له، والمشاكل البنيوية التي تنهش الدولة من داخل. لكن على الرغم من أن الأسد قد يصبح ضعيفاً في المدى الطويل، إلا أن المعارضة ليست في موقع جيّد للإفادة من هذا الوضع. ففصائل المعارضة التي تُعتبَر الأكثر قبولاً من الغرب يتم ابعادها عن جبهات القتال بصورة مطّردة، واستخدامها في دعم مشاريع منفصلة لمصلحة جهات خارجية، بهدف حماية حدود الدول المجاورة، في حين أن الدعامة الأساسية للتمرّد مُتسربلة بلوثة التطرّف الجهادي إلى درجة يستحيل معها أن تفكّر الدول الغربية جدّياً في دعمها.

الحصار، ومخططات التجويع والطرد

إذن، يطرح سقوط داريا أسئلة شائكة بالنسبة إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية. إذ يمارس نظام الأسد (وبعض معارضيه) تكتيكات التجويع منذ سنوات، وهي ارتكابات تندرج بلا أدنى لبس في إطار جرائم الحرب. وفي شباط/فبراير 2014، أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع قراراً بشأن سورية، شدّد فيه على أن "استخدام تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل القتال، محظورٌ بموجب القانون الإنساني الدولي". بيد أن الأفرقاء المتناحرين لم يكترثوا للقرار.

يتبيّن، بحسب ما أظهرته الأحداث في أماكن مثل اليرموك ومضايا، والآن داريا، أن الحصار وإنزال عقاب جماعي بالمدنيين هما من التكتيكات الأكثر فعّالية في الحرب السورية. فهذا الأسلوب يتيح للقوات المهاجِمة احتواء المنطقة المستهدَفة، مع خفض احتمال وقوع ضحايا في صفوفها (القوات) إلى حدّه الأدنى، كما يمكّنها في الوقت نفسه من انتزاع تنازلات مالية وسياسية مقابل مايُفترَض أنه من بديهيات السلوك الإنساني: مثل تأمين الطعام إلى المدنيين المحاصَرين. إذا ما أراد الجيش السوري، الذي يعاني على الدوام من النقص في العناصر البشرية، التوسّع أكثر من دون التعرّض إلى الإنهاك الشديد، فغالب الظن أنه سيزيد من الاعتماد على حلولٍ مشابهة لما طبّقه في داريا، بما في ذلك إصدار الأوامر بطرد المدنيين من المناطق التي يُعتبَر ضبطها وفرض الأمن فيها باهظَي التكلفة.

ترى المعارضة في هذه الاستراتيجية تطهيراً سياسياً ومذهبياً. ففي حين أن مسألة داريا كانت معقّدة (سُمِح لعدد كبير من أبنائها بالبقاء في الأراضي الخاضعة إلى سيطرة النظام، إنما ليس في مسقط رأسهم)، من السهل أن نلمس كيف أن الطرد المدفوع رسمياً بعوامل عسكرية قد يتأثر بالديناميكيات المذهبية الدائمة الحضور في الحرب. وفي بعض المناطق، سيكون التمييز على الأرجح نظريّاً.

لقد جرى التوصّل إلى اتفاق مشابه، مع أنه لم يُطبَّق بعد، مع منطقة اليرموك التي تخضع إلى سيطرة الجهاديين وتعاني من التجويع في جنوب دمشق. كذلك يتفاوض حي الوعر في حمص على اتفاق منفصل مع النظام من شأنه أن يكون أقل إثارة للجدل لأنه سيؤدّي، بحسب التقارير، إلى طرد المقاتلين مع السماح للمدنيين بالبقاء. وإذا استمر الجيش في التقدّم، يمكن أن تُطبَّق هذه المخططات أيضاً على البلدات الخاضعة إلى سيطرة الثوار حول الرستن شمال حمص، وفي منطقة الغوطة الشرقية. فضلاً عن ذلك، يروّج الأسد وحلفاؤه الروس لفكرة إجلاء المدنيين من شرق حلب المحاصَر، إنما من دون أمل كبير بالحصول على موافقة الأمم المتحدة.

تسوية براغماتية أم تواطؤ أخلاقي؟

تعتبر منظمات المساعدات الدولية والأمم المتحدة أن من المهم جدّاً ضمان استقلاليتها والحرص على عدم تحوُّل موظّفيها، عن غير قصد، إلى أدوات في استراتيجية تقوم على طرد المدنيين بالقوة. فمن شأن ذلك أن يتعارض مع روحية مبادئ الأمم المتحدة حول تسوية النزاعات، وأن يشكّل سابقة خطيرة عبر تكوين انطباع لدى الأفرقاء المسلّحين أن بإمكانهم استهداف المدنيين وطردهم، مع إفلات تام من العقاب في سورية، وربما في أماكن أخرى.

تساءل مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية، ستافان دي ميستورا: "هل يجوز أن نتجاهل واقع أن هناك في الوقت الراهن استراتيجية واضحة لتطبيق ماحدث في داريا، في الوعر ومعضمية الشام؟" حتى أن وكيل أمين عام الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسّق الإغاثة في حالات الطوارئ، ستيفن أوبراين، الذي يُعتبَر المسؤول الأول عن المساعدات الإنسانية في الأمم المتحدة، قال كلاماً أكثر صراحة:

تُعدّ الاتفاقات التي تؤدّي إلى إجلاء جماعي للمدنيين بعد فترة مطوّلة من الحصار، مخالفة للقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان. لنكن واضحين، يجب رفع الحصارات كافة؛ الحصار تكتيك يعود إلى القرون الوسطى. وينبغي ألا يتم ذلك من خلال اتفاقات، أياً كان نوعها، تؤدّي إلى تهجير المدنيين قسراً. ماحصل في داريا يجب ألا يشكّل سابقة في التعامل مع المناطق المحاصَرة الأخرى في سورية. من الضروري أن يُسمَح لجميع النازحين بالعودة طوعاً، بأمان وكرامة، إلى منازلهم ما أن يصبح الوضع مؤاتياً.

قد تكون عودة السكان ضرورية، لكن ذلك لايزيد من احتمالات تحقيق ذلك. فغالب الظن أن نزوح المدنيين من داريا ومدن أخرى سيتحوّل إلى وضع دائم. يدرك مسؤولو الأمم المتحدة ذلك، ولهذا السبب بالذات يعترضون كثيراً.