تؤكّد مصادر مطّلعة على عمليات الأمم المتحدة في سورية أن علي الزعتري من الأردن سوف يتسنّم منصب المندوب المقيم ومنسّق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في دمشق خلفاً ليعقوب الحلو، على الرغم من عدم صدور بيان علني بهذا الخصوص حتى الآن. وهكذا يصبح الزعتري المسؤول الأممي الأعلى رتبةً في سورية، ومهمّته الإشراف على جهاز ضخم للمساعدات، وإدارة العلاقات الحسّاسة مع المسؤولين السوريين ومجموعات الثوار، وتوجيه جهود المساعدات الأممية عبر متاهة من الأفخاخ الأخلاقية.

يشغل الحلو، وهو سوداني مخضرم في منظومة الأمم المتحدة وعمل سابقاً مديراً لمنطقة الشرق الأوسط في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، منصب المنسّق في دمشق منذ آب/أغسطس 2013. وفي 27 حزيران/يونيو 2016، عيّنه أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، نائب المبعوث الخاص لدى بعثة الأمم المتحدة في ليبيريا.

علي الزعتري الذي يتسلّم المنصب خلفاً للحلو، مواطنٌ أردني من أصل فلسطيني. وهو، على غرار الحلو، مسؤول مخضرم في الأمم المتحدة في مجال المساعدات، ويعمل حالياً في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وكان مقرّ عمله سابقاً في السودان. كما سبق أن عمل منسّقاً مقيماً في دمشق، بين العامَين 2004 و2007. وفي رصيده خبرة مهمة، و"يُعتبَر صلباً، لابل ديناميكياً"، بحسب مسؤول في إحدى المنظمات الأهلية غير السورية مقرّه في دمشق.

تأثير النظام السوري على عمليات الأمم المتحدة

بعد اختيار الزعتري الذي ورد اسمه مع ثلاثة مرشحين آخرين للمنصب، تمت ترقيته سريعاً عبر آلية الأمم المتحدة، بحسب ما أُفيد، وذلك حرصاً على تأمين انتقال سلس من الحلو. كما أن حكومة الرئيس بشار الأسد، التي عليها، باعتبارها ممثّلة عن دولة سيادية تُعتبر عضواً في المنظمة العالمية، المصادقة على عمليات الأمم المتحدة في سورية، وافقت سريعاً على تعيينه.

أثارت مسألة التأثير الذي يمارسه النظام السوري على قرارات الأمم المتحدة نقاشات حادّة داخل المنظمة والأوساط الديبلوماسية. فغالباً ماتسعى السلطات في دمشق إلى توجيه المساعدات نحو المناطق الخاضعة إلى سيطرتها، فيما تمنع قوافل الأمم المتحدة من دخول الأراضي الخاضعة إلى سيطرة المعارضة والبلدات المحاصَرة من الجيش. وتصطدم المناشدات التي تطلقها الأمم المتحدة من أجل السماح لها بإرسال الموادّ الغذائية إلى البلدات التي ترزح تحت وطأة أزمات إنسانية، بعراقيل بيروقراطية متمادية. ففي العام 2015، لم تتلقَّ الأمم المتحدة ردّاً على نحو 75 في المئة من الطلبات التي تقدّمت بها لنقل المساعدات عبر الخطوط الأمامية، وفي نهاية المطاف، لم تتمكّن سوى من تنفيذ عشرة في المئة تقريباً من هذه المهام. ونتيجةً لذلك، سُجِّلت مئات الوفيات بسبب الجوع خلال الأعوام المنصرمة. وإذا أضفنا الأمراض وسواها من المشكلات المتعلقة بسوء التغذية إلى هذا الرقم، قد تصبح حصيلة الضحايا الفعلية أكبر بأشواط.

مما لاشك فيه أن عدداً كبيراً من مجموعات الثوار السورية يتصرّف بأسلوب مماثل، عبر استهداف المدنيين بصورة روتينية، واحتجاز الرهائن، ومنع الموادّ الغذائية والأدوية من الوصول إلى المناطق المحاصَرة. ومن المعلوم أن الثوّار يعمَدون، شأنهم في ذلك شأن النظام، إلى منع القوافل الإنسانية من مواصلة مسارها، وإلى سرقة المساعدات، وفرض شروط سياسية على عمليات المساعدة. لكنْ ثمة اختلافٌ أساسي: قد يُقدِم الأفرقاء غير الدولتيين على قطع الطرقات، لكنهم لايتمتعون بالسلطة القانونية لوقف مشروع أممي غير مستحَبّ بالنسبة إليهم بمجرّد الامتناع عن توقيع ورقة، في حين أن النظام السوري يملك تلك الصلاحية ويستخدمها بكثرة. فعلى سبيل المثال، رفضت وزارة الخارجية السورية السماح لقوافل المساعدات الأممية الآتية من تركيا بالعبور إلى شمال سورية، على الرغم من المعاناة الهائلة للمدنيين في هذه المنطقة. ولذلك، ترتدي علاقات الأمم المتحدة مع النظام أهمية محورية، وقد وُضِعت تحت مجهر التدقيق.

مجلس الأمن يفرض معابر حدودية

مارست بعض الدول الداعمِة للمعارضة، ولاسيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ضغوطاً طوال سنوات من أجل تأمين وصول شامل للمساعدات الإنسانية إلى مختلف المجتمعات المحلية في سورية. وقد لقيت هذه المطالب مقاومة من روسيا والصين، لكن في نهاية المطاف، حتى حلفاء الأسد بدأوا يشعرون بالإحراج من سلوك الحكومة السورية.

في شباط/فبراير 2014، أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 2139، محذّراً من أن "تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب القتال، محظور بموجب القانون الإنساني الدولي". لكنّ شيئاً لم يتغيّر، وسرعان ما أعقبه القرار 2165 الذي يجري تجديده سنوياً. أتاح القرار لقوافل المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة أن تستخدم، بحسب ما ترتئيه مناسباً، أربعة معابر حدودية (اثنَين عبر تركيا، وواحد عبر العراق، وآخر عبر الأردن) للوصول إلى المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام السوري. لايزال يتعيّن على الأمم المتحدة تبليغ دمشق مسبقاً، لكنها لم تعد مضطرة إلى طلب الإذن لعبور الحدود.

كان هذا قراراً رائداً. فمن خلاله، جرّد مجلس الأمن رسمياً الأسد من حقّه السيادي في ضبط تحرّكات الأمم المتحدة في دخول سورية والخروج منها. ومنذ ذلك الحين، استطاعت القوافل عبور الحدود ونقل المواد الغذائية والأدوية والبطانيات والخيَم وسواها من المساعدات إلى ملايين المدنيين المَعوزين في شمال سورية وجنوبها، من دون أن يتمكّن المسؤولون في دمشق من وقفها.

السجال حول حيادية الأمم المتحدة

لاتزال الأمم المتحدة تُواجه عقبات كأداء في محاولتها إرسال المساعدات عبر الخطوط الأمامية (مايُسمّى المساعدات عبر خطوط النزاع)، وإلى المدن المحاصَرة. وتجد وكالات الأمم المتحدة في دمشق نفسها مضطرة، بصورة يومية، إلى التفاوض والمساومة مع النظام حول التوقيت والمكان والآلية المتعلقة بشروط السماح لها بالعمل: "إذا لم نجلب الطعام إلى هذه البلدة، هل يمكننا رجاءً إرسال الأدوية إلى تلك البلدة؟"

واجه الحلو، خلال رئاسته لعمليات الأمم المتحدة، انتقادات من المعارضة السورية التي اتّهمته بالفشل في اتخاذ موقف مناهض لهذه الانتهاكات. ونشرت مجموعة ناشطة تحت اسم "حملة سورية"، والتي تحظى بالدعم من مجموعات معارِضة سورية، تقييماً لاذعاً لولايته في تقرير صدر عنها مؤخراً:

عبر إعطاء الأولوية للتعاون مع النظام السوري مهما كان الثمن، أتاحت الأمم المتحدة لطرف واحد في النزاع إدارة توزيع مليارات الدولارات من المساعدات الدولية، ماتسبّب بمصرع آلاف المدنيين، بسبب التجويع، أو الأمراض الناجمة عن سوء التغذية، أو عدم الوصول إلى المساعدة الطبية.

يُصرّ نقّاد على أن الحلو ومسؤولين أمميين آخرين في دمشق كانوا يردّدون كالببغاء وجهات النظر التي يتبنّاها النظام، وعلى أنهم كانوا يعانون على مايبدو من "متلازمة ستوكهولم"* التي دفعتهم إلى إعطاء الأولوية لعلاقتهم مع السلطات مقدّمين إياها على مختلف الاهتمامات الأخرى. ويلفتون إلى أن بعض وكالات الأمم المتحدة في دمشق اعترضت حتى على القرار 2165، بعدما حذّرها المسؤولون السوريون، على مايبدو، من مغبّة طردها من سورية في حال اعتماد القرار. غير أن النظام لم ينفّذ تهديده.

لكن في المقابل، يشير المدافعون عن الحلو إلى أنه انتقد مراراً وتكراراً التلاعب بالمساعدات الإنسانية، مثل إدانته علناً التجويع الذي فرضه الجيش السوري وحزب الله على بلدة مضايا في 2015-2016 بعدما كانت السلطات السورية أنكرت الأمر معتبرةً أنها حملة دعائية مغرِضة يبثّها الثوّار. ويشدّدون أيضاً على أن عدداً كبيراً من موظفي الأمم المتحدة في سورية تعرّضوا إلى الاعتقال على أيدي الأجهزة الأمنية، وعلى أن الوضع محفوف بالمخاطر التي تهدّد جميع العاملين في هذا المجال.

قال المسؤول في المنظمة غير الحكومية في دمشق: " لم تكن الانتقادات الموجّهة إلى الحلو مُنصفة، وقد صدرت عن أشخاص لايفقهون السياق السوري أو طريقة عمل الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة"، مضيفاً:

هدف الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة هو مساعدة السوريين، وليس إسقاط النظام. يعيش معظم السوريين في مناطق خاضعة إلى سيطرة هذا الأخير، ويتواجد السواد الأعظم من السوريين المعوزين في المناطق الخاضعة إلى سيطرة النظام، ومعظم المناطق المحاصَرة لايمكن الوصول إليها إلا من خلال الأراضي التي يسيطر عليها النظام. لقد بذل فريق الأمم المتحدة في البلاد قصارى جهده للوصول إلى جميع السوريين، بما في ذلك أولئك الذين يعيشون خارج المناطق الخاضعة إلى سيطرة النظام. لقد نفّذوا عمليات عبر خطوط النزاع معرّضين أنفسهم لمخاطر جمّة. لكن سورية دولة عضو في الأمم المتحدة، والوكالات الإنسانية بمثابة ضيوف لدى النظام. تؤمّن هذه الوكالات المواد الغذائية لملايين الأشخاص، وعليها بالطبع التعاون مع الأجهزة الحكومية كي تتمكّن من المساهمة في تنظيف المياه، وزراعة المحاصيل الغذائية، وتعليم الأولاد، وإيواء النازحين.

يجد البعض أن كلّاً من هذين التوصيفَين ينطوي على شيء من الصحّة. قال لي ديبلوماسي غربي ذو خبرة واسعة في النزاع السوري: "ثمة مشكلة في مختلف الأقسام التابعة لمنظمة الأمم المتحدة تتعلق بالتنسيق بين دمشق والمكاتب الأخرى، والتي يبدو أن كل واحد منها يرى الأمور على طريقته الخاصة". أضاف:

تتلوّن آراء الناس بحسب البيئة التي يتواجدون فيها. هذا أمرٌ محتوم، ولاينطبق فقط على مكاتب الأمم المتحدة في دمشق. فهذا مانشهده أيضاً في المكتبَين عند معبرَي غازي عنتاب وعمّان. لكن كان المُراد أن يغطّي مكتب دمشق البلاد بأسرها. أما المكاتب عند المعابر، فقد أُنشِئت لاحقاً بمثابة مكاتب مكمِّلة مخصّصة للمناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة. ولم يكن الهدف منها على الإطلاق التعامل مع طرفَي النزاع وإرساء توازن بينهما.

تصرّف مكتب دمشق، في مناسبات عدّة، بطريقة دفاعية ولم يشجّع على فتح نقاش  حول كيفية تلاعب النظام بالمساعدات تحقيقاً لمآرب سياسية، وغالباً مابرّر سلوكه هذا بالقول إنه يجب الابتعاد عن تسييس المساعدات الإنسانية. هذا مستحيل في الحالة السورية، لأن كل شيء مسيّس. لكن المسألة تتعلق في نهاية المطاف باتخاذ قرارات صعبة للغاية؛ قرارات لاينبغي التفرد في اتخاذها. لهذا بالضبط من المهم جداً إجراء نقاش شفّاف، وتجنُّب إلقاء هذه المسائل الشائكة ببساطة على كاهل مكتب يتعرض إلى الابتزاز من قِبَل النظام السوري. لأن هذا مايحدث في الحقيقة.

شركاء مسيَّسون

مؤخراً، طفا عددٌ كبير من هذه الحجج على السطح مجدّداً، مع انطلاق سجال حاد حول العقود التي أبرمتها الأمم المتحدة مع منظمات سورية يديرها أفراد من عائلة الأسد، كما ورد في تقرير في صحيفة الغارديان. إذ تبيّن أنه يتعيّن على وكالات الأمم المتحدة، إذا ما أرادت تنفيذ مهامها، عقد شراكات مع منظمات محلية، على أن تكون هذه المنظمات حائزة أولاً على ترخيص من وزارة الخارجية السورية.

يحاجج نقّاد بأن الأمم المتحدة تسبّبت بتقويض نزاهة برنامجها للمساعدات عبر إقامة شراكات مع منظمات على غرار "جمعية البستان"، وهي مؤسسة خيرية يديرها الملياردير رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري، ومعروفة بتمويلها القوات شبه العسكرية الموالية للأسد. وقال رينود ليندرز، الاختصاصي في الشأن السوري في جامعة كينغز كولدج في لندن، في مقابلة أُجريَت معه في طور الإعداد لهذا المقال: "تُظهر المعلومات التي كشفتها صحيفة الغارديان واستنتاجاتي الخاصة أن الأمم المتحدة عَمَدت منذ العام 2012، وبصورة متواصلة، إلى منح عقود مشتريات مربحة جدّاً إلى مسؤولين كبار في النظام وأزلامهم، فأمّنت لهم، عن غير قصد منها، حبل نجاة"، مضيفاً:

احتضنت وكالات الأمم المتحدة أيضاً مجموعات خيرية يديرها النظام، وبعضها يموِّل ميليشيات موالية للنظام، وذلك بصفة "شركاء في التنفيذ". بما أن هذه الإفشاءات تأتي على خلفية تراكم الأدلّة عن استسلام الأمم المتحدة لمناورات النظام، لابد من المبادرة فوراً إلى تشكيل لجنة للتقصّي عن أداء المنظمة. فمن شأن ذلك أن يساهم، على أقل تقدير، في إعادة بعض النفوذ إلى الأمم المتحدة في تعاطيها مع النظام، لأنه يمكن استخدام هذا التدقيق مبرّراً للتوقّف عن الإذعان لمطالب النظام.

غير أن بعض المطّلعين على عمليات المساعدات في دمشق يقولون إن الأمور في سورية تسير هكذا، ببساطة. إذ يخضع الاقتصاد إلى سيطرة أشخاص مقرّبين من عائلة الأسد، ولايُسمَح للمنظمات الأهلية المستقلة بالعمل في البلاد، وبالتالي البدائل محدودة. وعلى العاملين في مجال المساعدات أن يحافظوا أيضاً على علاقات ودّية مع النخبة الحاكمة كي يتمكّنوا من إنجاز أي شيء على الإطلاق، لأنهم لايستطيعون تخطّي الجمود البيروقراطي والفساد من دون تدخّل من السلطات العليا من حين إلى آخر لدفع الأمور نحو الأمام. وكذلك، غالباً ماتتمكّن المنظمات غير الحكومية والشركات المدعومة من الحكومة من العمل في عمق المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة، سواءً بطريقة مباشرة أو عن طريق وسطاء. وينطبق الأمر نفسه على المؤسسات العامة، مثل وزارتَي الصحة والتعليم، والتي غالباً ماتستمر في العمل في المناطق الخاضعة إلى سيطرة الثوّار السنّة أو الأكراد أو تنظيم الدولة الإسلامية، مع أنه يتم تمويلها وإدارتها انطلاقاً من دمشق. بعبارة أخرى، تتمتع بعض هذه المنظمات والمؤسسات بالمؤهلات التي تخوّلها أن تصبح شريكة في التنفيذ للمنظمات المعنية بالمساعدات، حتى لو لم تُوجِّه الزمرة الحاكمة الأمم المتحدة نحو التعاون مع المؤسسات العائلية المحظيّة، مع العلم بأن هذا ماتفعله بالضبط.

قال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، لـلإذاعة الكندية ردّاً على مقال الغارديان: "يجب أن يفهم الأشخاص السياق الذي نعمل فيه"، مضيفاً:

نعمل في سورية في وضع سياسي وعسكري ليس من صنعنا. عندما نعمل خارج دمشق، علينا تأمين الخدمات الأساسية، مثل خدمات الهاتف أو المحروقات. نضع قوائم، وهناك عدد محدود من الباعة. هذا هو الوضع حيث نعمل، وليست لدينا خيارات أخرى. الخيار الآخر الوحيد هو التوقّف عن العمل في سورية، وفي حال فعلنا ذلك، سيصبح الملايين من دون مساعدات. لاتتمتع الأمم المتحدة بالحرية التي تتمتع بها المنظمات الأهلية الدولية.

لايقتنع ليندرز ونقّاد آخرون بهذا الكلام، وهم يشيرون إلى أن المشكلة تفاقمت بسبب سلوك مكتب الأمم المتحدة في دمشق، وعدم تحلّي المنظمة بالشفافية اللازمة. كتب ليندرز مؤخراً: "إنشاء لجنة تقصٍّ للتدقيق في سلوك الأمم المتحدة وأدائها في سورية هو أقل مايجدر بالمنظمة فعله".

اكتسب هذا الرأي مزيداً من الدعم في الثامن من أيلول/سبتمبر الجاري، عندما أعلن تحالف مؤلّف من 73 منظمة غير حكومية ومجموعة مساعدات يعمل  في المناطق الخاضعة إلى سيطرة الثوار، انسحابه من آلية رقابة مشتركة يديرها مكتب الأمم المتحدة في دمشق، وذلك احتجاجاً على ماوصفه بميول الأمم المتحدة الموالية للأسد. يُشار إلى أن معظم هذه المجموعات على صلة بمجموعات معارِضة أو حكومات موالية للمعارضة، وكانت رسالة الانسحاب إشارة سياسية واضحة. لكنّها شريكة مهمّة للأمم المتحدة في سورية، وقد أعلنت أنها تقدّم المساعدات لأكثر من سبعة ملايين نسمة في سورية والبلدان المجاورة.

قال ممثّل عن مجموعات المساعدات لصحيفة الغارديان: "نحن راضون عن الفريق التركي، لكن رؤساءهم في دمشق لايصغون إليهم"، مضيفاً: "فقدنا الثقة بطريقة عملهم، ونرغب في رؤية تغييرات كبرى في أسلوب عملهم للتعامل مع الأوضاع السورية". وقد اعتبرت الصحيفة أن انسحاب هذا العدد الكبير من المجموعات من منظومة تشارُك المعلومات في الأمم المتحدة "يعني عملياً أن الأمم المتحدة لن تتمكّن من الاستمرار في مواكبة مايجري في شمال سورية وفي المناطق الخاضعة إلى سيطرة المعارضة، حيث تقوم المنظمات الأهلية بالجزء الأكبر من عملها".

حان وقت النقاش

مما لاشك فيه أن كل الأطراف تُجمع على أن المنظمات الإنسانية تواجه مروحة من المناطق غير الواضحة والشائكة اقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً في سورية. ومادامت الحرب مستمرة، سيواصل الأسد وخصومه استغلال المساعدات والجوع ومعاناة المدنيين لتحقيق مآربهم، وستتابع الأمم المتحدة التأرجح بين نقيضَين كلاهما سيّئ: إما استعداء الحكومة إلى درجة تَعَمَد معها هذه الأخيرة إلى إلغاء برامج المساعدات المنقِذة للحياة، وإما السماح بأن تُستخدَم المساعدات الدولية بمثابة جزرة يتم التلويح بها مع عصا الجيش السوري.

يقول الديبلوماسي الغربي: "من الأهمية بمكان أن نجري نقاشاً حول هذه المسائل، نظراً إلى حجم المعاناة الشديد. هناك دكتاتورية قاسية، ومجموعات إرهابية مجنونة، وفوضى، غير أن الحاجات في مجال المساعدات كبيرة جدّاً إلى درجة أنه لابد من فعل شيء ما. يقتضي ذلك اتخاذ بعض الخيارات فائقة الصعوبة".

يتسلّم علي الزعتري منصبه الجديد متسلّحاً بمؤهلات ممتازة، لكن ينتظره عملٌ كثير وشاق، لوجستياً وسياسياً على السواء. وبالنسبة إلى ملايين السوريين الذين يعانون الأمرَّين بسبب هذه الحرب الهمجية، يرتدي تعامل الأمم المتحدة مع هذه المسائل الحسّاسة أهمية قصوى.

 

*متلازمة ستوكهولم هي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوّه أو من أساء إليه، أو يظهر بعض علامات الولاء له.