أطلق الثوّار في حلب، في آب/أغسطس الماضي، على محاولتهم فك الحصار عن المدينة، اسم ابراهيم يوسف. كان يوسف هذا أحد عناصر حركة "الطليعة المقاتلة" التي قادت، إلى جانب الإخوان المسلمين، تمرّداً إسلامياً ضد النظام السوري في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات. وهو تولّى قيادة المجموعة التي استولت آنذاك على كليّة المدفعية في حلب في شهر حزيران/يونيو من العام 1979، وعمد إلى الفصل بين الطلاب العلويين والسنّة في الكليّة، قبل أن يُقدِم على إعدام 83 طالباً علويّاً.

ربما لم يعد للطليعة المقاتلة، وهي أول مجموعة جهادية بكل ما للكلمة من معنى في سورية، وجودٌ منذ وقت طويل، غير أن إرثها مستمر وتنهل منه حالياً مجموعات من الثوار. فعلى سبيل المثال، أطلقت الفصائل العسكرية في ريف حماه على هجومها الأخير على المواقع الخاضعة إلى سيطرة النظام اسم "غزوة الشهيد مروان حديد"، الذي كان المؤسّس الكاريزمي للطليعة المقاتلة وقائدها الأول، قبل وفاته في السجن عام 1976.

لطالما كانت "الأحداث" التي وقعت في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، بما في ذلك ممارسات الطليعة المقاتلة، من المحرّمات في سورية وبمثابة صندوق أسود سرّي في تاريخ البلاد. ولذا، رأى البعض في تكاثر الإشارات مؤخراً إلى المجموعة في أوساط الثوار، سواء كانوا إسلاميين رسمياً أم لا، "قعراً جديداً" للمعارضة السورية ومؤشراً عن "جنوحها نحو التشدّد". ونظراً إلى التقدّم الميداني الذي يحققه النظام السوري، بمساعدة من الميليشيات الشيعية الأجنبية التي غالباً مايُنظَر إليها بأنها متعصّبة مذهبياً، أقدم عدد كبير من فصائل الثوّار على التقرّب أكثر من جبهة فتح الشام، المعروفة سابقاً بجبهة النصرة، وحلفائها الجهاديين. بيد أن الحضور الرمزي المتزايد للطليعة المقاتلة في خطاب الثوار ينطوي على أكثر من "الجنوح نحو التشدّد".

"أبطال" الثمانينيات

من المُلفِت أن إرث الطليعة المقاتلة احتضنته، منذ المراحل الأولى للثورة، مجموعات على صلة بالجيش السوري الحر الذي لم يُظهر علناً أجندة إسلامية سياسية أو مذهبية. ويبدو أن الدافع وراء العودة إلى جهادية الثمانينيات كان اعتقاداً منتشراً على نطاق واسع في أوساط المعارضة السنّية بأن مقاتلي الطليعة المقاتلة لم يكونوا على الإطلاق "مجرمين" أو "إرهابيين"، كما وصفهم حزب البعث، بل على العكس تماماً، كانوا أبطالاً يجب الاحتفاء بتضحياتهم ونضالاتهم ضد النظام.

أُنشئت الطليعة المقاتلة في مطلع سبعينيات القرن الماضي كفرعٍ من فروع جماعة الإخوان المسلمين في سورية. وسرعان ما استقطبت الاهتمام بسبب النبرة الإسلامية المتشدّدة التي كان يستخدمها مروان حديد الذي تحدّث عن العلويين بعبارات تحقيرية، واصفاً إياهم بأنهم "كلاب نُصَيريون" ودعا إلى إنشاء دولة إسلامية في سورية. بيد أن العامل الذي أكسب الطليعة المقاتلة الاحترام، حتى من السنّة العلمانيين، كان معارضتها المستميتة لنظامٍ أثارت سياسته الاقتصادية نفور شريحة كبيرة من الطبقة الوسطى في المدن.

استندت الطليعة المقاتلة إلى هذه الشعبية للشروع في تجنيد العناصر في صفوفها، وباتت تملك، اعتباراً من العام 1976، عدداً كافياً من المقاتلين لاغتيال مسؤولين في النظام.

دفع الهجوم على كلية المدفعية في حلب بحافظ الأسد إلى التشدّد أكثر في قمعه للمعارضة السورية، ما أدّى إلى قيام تحالف بين جماعة الإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة للردّ على النظام وإسقاطه. وقد مُني كلاهما بالهزيمة في شباط/فبراير 1982 بعد مواجهة أخيرة في معقلهما في حماه.

أُرغِم فلول أنصار المجموعتَين على المغادرة إلى المنفى. وفي حين تمكّن الإخوان المسلمون من البقاء واستعادوا شيئاً فشيئاً درجة معيّنة من الحضور السياسي، لم يعد للطليعة المقاتلة أي وجود رسمي بعد إلقاء القبض على زعيمها عدنان عقلة في العام 1982. وقد انضم بعض مقاتليها إلى الجهاد الأفغاني ولاحقاً إلى تنظيم القاعدة، فيما ظلّ آخرون مستقلّين. والتحقت أقلية صغيرة منهم بجماعة الإخوان المسلمين السورية وارتقى بعض أعضائها، على غرار عادل فارس، إلى مناصب مهمة داخل الجماعة. 

صراع على الإرث

دفعت الأزمة التي اندلعت في في سورية في العام 2011، ولاسيما استخدام النظام المكثّف للعنف لسحق المحتجّين، عدداً كبيراً من هؤلاء المقاتلين السابقين إما إلى تمويل التمرّد أو إلى العودة إلى ديارهم للانخراط في النضال العسكري. وهم فعلوا ذلك بطرق مختلفة للغاية. ففي حين انضم البعض، على غرار أبو فراس السوري، إلى جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في سورية، التحق البعض الآخر، مثل أبو خالد السوري، بحركة أحرار الشام السلفية التي كانت أولويتها محاربة النظام السوري.

ساهمت عودة هذه الشخصيات التاريخية إلى سورية في إعادة إحياء الروايات عن الطليعة المقاتلة، مادفع الثوار إلى التنافس في مابينهم لانتزاع صفة الجهة التي تجسّد بطريقة أفضل الإرث الثوري للطليعة المقاتلة. وفي العام 2012، عندما كانت المعارضة المسلّحة لاتزال محلية ومجزّأة إلى حد كبير، بدأت كوكبة من المجموعات في مدن عدّة تعتمد أسماء للإيحاء بأنها تستلهم أسلوبها من الطليعة المقاتلة، ومن ضمها كتائب الطليعة المقاتلة وكتيبة الشهيد مروان حديد.
    
انضم الإخوان المسلمون إلى هذه الموجة مع العلم بأنهم كانوا قد بذلوا جهوداً حثيثة في العقود السابقة للنأي بأنفسهم عن ممارسات الطليعة المقاتلة. وهكذا، مع قيام الإخوان بحشد مجموعات ثورية متعاطفة، طوال العام 2013، تحت جناح هيئة دروع الثورة، بات واضحاً أن بعض هذه المجموعات اعتمد أسماء مستوحاة من تاريخ الطليعة المقاتلة ومن تحالفها مع الإخوان المسلمين. كان الهدف استقطاب التمويل، والقول إن الإخوان لازالوا يتمتّعون بدرجة من الشرعية الجهادية بعد كل هذا الوقت، وذلك بفضل الروابط التي امتلكوها سابقاً مع الطليعة المقاتلة.

بيد أن المحاولة التي بذلها الإخوان للفوز بقلوب السنّة السوريين وعقولهم عبر استخدام ورقة الثمانينيات، لم تَسِر على مايرام في صفوف المعارضة الإسلامية. فقد تذكّر كثرٌ أنه على الرغم من التحالف بين الإخوان وبين الطليعة المقاتلة، كانت هذه الأخيرة هي التي أخذت على عاتقها الحيّز الأكبر من القتال – ودفعت بالتالي ثمناً باهظاً. خير تعبير عن هذه المرارة ماورد في تسجيل صوتي نُشِر عبر الإنترنت في العام 2013، وتضمّن إفادة مقاتل سابق في الطليعة المقاتلة عن تفاصيل التحالف مع الإخوان المسلمين في الثمانينيات ويتّهمهم بـ"الخيانة". وعلى إثر ذلك، شنّ فصيل ثوري مؤلّف من مقاتلين سابقين من مرحلة الثمانينيات، هجوماً لاذعاً على الإخوان متّهماً إياهم باستغلال الروابط مع الطليعة المقاتلة "عن طريق التحايل".

استخدام الماضي أداةً للتجنيد

ليس مفاجئاً أن السواد الأعظم من المجموعات الثورية التي تدّعي أن لديها رابطاً مع الطليعة المقاتلة يتركّز في حماه وريفها. فحماه كانت معقل الانتفاضة في العام 1964 ومن ثم في العام 1973، كما أنها مسقط رأس مروان حديد وقادة آخرين في الطليعة المقاتلة. لكن، وهنا، شهدت حماه إحدى أسوأ المجازر في الشرق الأوسط في شباط/فبراير 1982، عندما سحق نظام الأسد انتفاضة للإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة في المدينة، ما أسفر عن مقتل 25000 شخص معظمهم من المدنيين.

استعاد العديد من مجموعات الثوار والأحزاب المعارِضة، خلال الأعوام الخمسة الماضية، ذكرى مجزرة حماه في العام 1982. والمحاولة الأنجح حتى الآن قامت بها حركة أحرار الشام التي نشرت في العام 2015 مقطع فيديو يتضمن مشاهد حقيقية من المجزرة، ويربط التمرّد في الثمانينيات بالوضع الراهن، في مسعىً إلى تجنيد السكان المحليّين. يسمح شريط الفيديو هذا بتكوين فكرة عن الوسائل التي استخدمتها المجموعات الثورية الإسلامية التي يُنظَر إليها في الغرب بأنها "متشدّدة"، من أجل الاندماج في المجتمع المحلّي.

يبدأ مقطع الفيديو بتصوير المواجهة في الثمانينيات على أنها "نضال شعبي" ضد نخبة كافرة سعت إلى تغيير طابع حماه وإلغاء العادات والأعراف الاجتماعية والدينية المحليّة. ثم يدلي شخص من أبناء حماه كان عضواً في الطليعة المقاتلة، بشهادته بكل اعتزاز، مشيراً إلى أن المجموعة أدّت دوراً ريادياً في الأنشطة القتالية في سورية آنذاك. ولكن تبدو عليه بوضوح علامات الاضطراب عندما يبدأ بالحديث عن "الانتقام المروّع" الذي نفّذه النظام، وذبحه للنساء والأطفال والمسنّين.

أما ماتبقّى من مقطع الفيديو، فيتمحور في الجزء الأكبر منه على استخدام هذه الرواية لحضّ السكان على الانضمام إلى حركة أحرار الشام. ويعرض أغنية تتعهّد بـ"إغراق العاصي بالدماء" انتقاماً لـ"الشهداء" في الثمانينيات. ثم يُجري مقارنة مع الوضع الراهن في سورية، عبر القول إن "الأفراد الذين شاركوا في المسيرة في العام 2012 هم أبناء الذين قُتلوا في العام 1982"، ويناشد "أبناء حماه" هؤلاء "بالاستعداد للجهاد من أجل تحرير البلاد" لأنه "إذا كنتم من السنّة، سيقتلكم [النظام] في كل الأحوال".

الأوجه المتعدّدة "للتشدّد" 

تكاثُر الإشارات مؤخراً إلى الطليعة المقاتلة وجهاد الثمانينيات، هو بمثابة عيّنة جديرة بالدراسة عن المفارقات الكامنة خلف التأكيد بإصرار على جنوح الثوار المفترَض نحو التشدّد في في سورية. فالمجموعات التي غالباً ماتُعتبَر "متشدّدة" في الغرب، ربما لاتعتمد بشكل أساسي على أجندة "إسلامية" دينية وإيديولوجية لتجنيد العناصر في صفوفها، بل تجنّدهم على الرغم من أجندتها هذه. إذ أن العوامل التي قد تستقطب المقاتلين للانضمام إلى مجموعة ما، ترتبط أحياناً بقدرتها على تأطير لغتها بصورة تعكس الهويات والروايات المحليّة، أكثر منه بأي شيء آخر.

ربما حكمت "أحكام وقواعد حماه"، التي يُعتبَر بموجبها أن القمع الهمجي غالباً ماينجح في إسكات المعارضين، السياسة السورية على امتداد ثلاثين عاماً. غير أن انتفاضة العام 2011 وقيام فصائل المعارضة السورية الحالية بإعادة كتابة تاريخ الأحداث التي شهدتها السبعينيات والثمانينيات، يشيران إلى أن هذه القواعد لم تعد قابلة للتطبيق. وهكذا فإن المراجعة التاريخية التي تجريها المعارضة في هذا السياق، هي بمثابة تبنٍّ للعداء المستميت الذي أظهرته الطليعة المقاتلة تجاه النظام، أكثر منه لإيديولوجيتها الإسلامية المتشدّدة. بيد أن النظام يستغلّ الغموض الذي يظهره البعض في معسكر الثوار من أجل تشويه سمعتهم. ويبدو أن التاريخ نفسه أصبح ضحية من ضحايا الحرب