يُحيي قسم من اللبنانيين في 14 أيلول/سبتمبر من كل عام، ذكرى اغتيال بشير الجميّل. كان الجميّل، زعيم ميليشيا القوات اللبنانية آنذاك، قد أمضى 21 يوماً في منصب رئيس منتخب للبلاد في العام 1982، قبل مصرعه جرّاء انفجار عبوة ناسفة. وشكّل اغتياله حدثاً محورياً، في واحدة من أشدّ المراحل اضطراباً في النزاع اللبناني، ولاتزال تأثيرات ذلك مستمرة حتى اليوم.

ليس إحياء الذكرى مجرّد مناسبة للتذكرة أو الحداد أو الاحتفال، بل يجب أن يشكّل أيضاً محطة استشرافية ننظر من خلالها إلى الوراء، ونقيس التغيّرات أو التطورات أو الانتكاسات. وحين نتمعّن اليوم في مرحلة شكّلت تحوّلاً دراماتيكياً في حرب لبنان الطويلة، يمكن استخلاص عِبَر ودروس عن الثابت والمُتغيّر في البلاد.

قضى بشير بسنّ الرابعة والثلاثين، بعد صعوده الكاسح وانتقاله من الحراك الجامعي إلى قيادة ميليشيا، وصولاً إلى رئاسة الجمهورية، بفعل سلسلة من الخطوات الجريئة والقاسية. شكّل حالة شاذّة نوعاً ما: كان شاباً أنتجه نظامٌ سياسي شخصياته أكبر منه سنّاً بكثير، وورثوا السلطة، بشكلٍ عام، إبان وفاة آبائهم. كان بشير نجل بيار الجميّل، الزعيم البارز لحزب الكتائب الذي كان الحزب السياسي المسيحي الأهم في ذلك الوقت والذي استمر بعد رحيله.

أتاحت الحرب الفرصة لبشير الجميّل للالتفاف على الأعراف والتقاليد. فتمرّد على والده والأعضاء الأكبر سنّاً في حزب الكتائب، وأقام علاقات متشنّجة مع شقيقه الأكبر أمين الذي كان يملك الحظوظ الأوفر ليرث رئاسة الحزب. وهكذا عمد إلى إحاطة نفسه بجيل جديد من أقرانه شبه العسكريين، والتكنوقراط، والمغامِرين من الطبقة الوسطى الذين ارتقوا معه في صفوف القوات اللبنانية. وشكّل هذا الأسلوب قطيعة مع النمط المسيحي التقليدي – خصوصاً الماروني – القائم على التوريث النُخبوي للمناصب.

وفي العقود التي أعقبت وفاته، بدأ أتباعه في الطيف المتشدّد من المشهد السياسي المسيحي مسيراتهم كمتمرّدين على الطبقة السياسية التقليدية، قبل أن يصبحوا جزءاً من النظام السياسي شبه الإقطاعي المتحجّر نفسه الذي كان يمثّله أعضاء تلك الطبقة.

يؤدّي ميشال عون، قائد الجيش سابقاً، دور الحكَم الآن بين صهرَيه الطموحَين لتحديد الحصّة التي سيحصل عليها كل منهما من إرثه. وسمير جعجع، الذي يَفيد حتى تاريخه من التطلعات المارونية الصلفة، يتزعم الهيكلية الحزبية المُحكَمة جداً للقوات اللبنانية، مع عقيلته وعدد قليل من الموالين. وحزب الكتائب الذي خضع مؤقتاً، في مرحلة سابقة، إلى سيطرة شخصيات موالية للنظام السوري، عاد من جديد إلى آل الجميّل، مع تولّي سامي الجميّل، نجل أمين، رئاسة الحزب. أما باقي القيادات السياسية المسيحية فتسير أيضاً على نهج استنساخ الذات، بعيداً جدّاً عن نظام الجدارة الذي يُزعَم أن بشير جسّده وحمل لواءه.

على الصعيد الوطني، أبدى بشير الجميّل رغبة في التخلّي عن الميثاق الوطني للعام 1943، الذي أرسى نظاماً سياسياً قائماً على التوافق وتقاسم السلطة، وأدّى في معظم الأحيان إلى الشلل والفساد. كان يفضّل دولة أكثر مركزية، ذات طابع سلطوي على الأرجح، بقيادة المسيحيين طبعاً. وجاء موقفه هذا بعد مرحلةٍ روادته فيها فكرة الانفصالية المسيحية، في إطار سعيه إلى فرض التجانس الطائفي والهيمنة على المسيحيين.

في الواقع، بقي النظام الطائفي قائماً بعد وفاة بشير وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، على الرغم من المشاريع العديدة الأخرى التي أُطلِقت من أجل إجراء تغيير جذري فيه. وقد تعاظمت شوائب هذا النظام، وأبرزها حصول المذاهب المختلفة على قدر أكبر من الحكم الذاتي، والتعطيل المستمر للشؤون العامة، ومنح الشرعية لتنظيم مسلّح هو حزب الله الذي حل مكان منظمة التحرير الفلسطينية في موقع "الدولة ضمن الدولة" التي بنى بشير أسطورته من خلال معركته ضدّها.

غير أن سخرية القدر الكبرى هي أنه في حين أن صعود بشير إلى السلطة جسّد ذروة التطلعات السياسية المارونية، إلا أن اغتياله أنذر بأفول الهيمنة المارونية، لابل دشّنه فعلياً، فحلّ مكانها لبنان جديد يتنافس فيه السنّة والشيعة على تأدية الدور الذي كان منوطاً بالموارنة.

أخيراً، ثمة تباين لافت في السياق الإقليمي بين العام 1982 وبين المرحلة الراهنة. ففي ذلك الوقت، خاضت إسرائيل إحدى آخر حروبها الكبرى في الشرق الأوسط، عبر شنّها اجتياحاً واسعاً ومديداً وشديد التنظيم أوصل قواتها إلى أول (وآخر) عاصمة عربية احتلّتها في تاريخها.

لقد شكّلت العلاقة بين المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية من جهة، وبشير الجميّل من جهة ثانية، مثالاً عن الاستراتيجية الإسرائيلية لبناء تحالفات مع بلدان وأقلّيات في الشرق الأوسط الأوسع وأفريقيا، كوسيلة لاحتواء أعداء إسرائيل. لكننا نعلم أيضاً أن حرب لبنان، مع نتائجها الكارثية على إسرائيل وقسم من قيادتها السياسية بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، قرعت ناقوس الموت معلنةً سقوط هذا النهج. فمنذ ذلك الحين، لم تتحالف إسرائيل من جديد مع مجموعة عربية يمكن أن تتخلّى عنها أو تخدعها لاحقاً.

كان الاجتياح أيضاً محاولة من إسرائيل لإعادة صوغ العلاقات مع الفلسطينيين بما يصبّ في مصلحتها، ويؤدّي إلى إنشاء نظام جديد في لبنان، وذلك تحقيقاً لحلم ديفيد بن غوريون وموشيه دايان بالعثور على "ضابط مسيحي" تستطيع إسرائيل إبرام سلامٍ معه، بما يتيح لها ضمان أمن حدودها الشمالية. بيد أن إسرائيل لاتُظهر اليوم أي ميل إلى تكرار هذه التجربة. فبعد 34 عاماً من تدخّلها لفرض انتخاب رئيس في دولة عربية، يُعتبر الآن صمتها مدوِّياً في خضم دورة الاضطرابات الأخطر التي تشهدها المنطقة العربية منذ العام 1948.