عندما يتوجّه الوفد المصري إلى كيتو لحضور مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للإسكان والتنمية الحضرية المستدامة (الموئل الثالث) في الفترة بين 17 و20 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، الذي يشارك فيه عدد من المسؤولين الحكوميين ومخطّطي وخبراء المُدن، والذي يُعقد مرة يتيمة كل 20 عاماً، ستكون القضايا المُتواترة دوماً مثل توافر السكن بأسعار معقولة وكيفية التعامل مع انتشار المجتمعات العشوائية، على بساط البحث.

والواقع أن التقرير المصري الذي سيُقدّم في المؤتمر، والذي نُشر بالفعل، يتناول مثل هذه القضايا. بيد أن ثمّة موضوعاً مستجدّاً ومهمّاً قد لايكون موضع نقاش، ويتعلق بخطط مصر لبناء عاصمة جديدة. الحافز لبناء مثل هذه العاصمة يضرب جذوره في جوهر العوامل الدافعة إلى التمدّد المديني العشوائي في القاهرة. فأي زائر منتظم للقاهرة خلال العقود القليلة الماضية لابدّ وأنه لاحظ انتشار الضواحي حول المدينة، المُخصَّص بعضها للطبقة الوسطى وبعضها الآخر للمصريين الأكثر ثراءً.

كان يفترض بالمجتمعات المحليّة العمرانية الجديدة، التي أُطلقت على بعضها أسماء تيمّناً بأحداث مهمة في التاريخ السياسي للبلاد (العاشر من رمضان و15 مايو و6 أكتوبر)، أن تقلّل من الكثافة السكانية وتوفّر السكن بأسعار معقولة. لكنّ تقريراً صادراً عن معهد "تضامُن" للبحوث الحضرية يُظهر أن المجتمعات المحليّة الجديدة، بما فيها الأكثر نجاحاً (6 أكتوبر والقاهرة الجديدة)، لم تستقطب سوى نحو ربع السكان المُستهدفين.

وفي الوقت نفسه تكاثرت المناطق العشوائية غير المرخّصة حكوميّاً، والتي يقطنها الآن مابين 40 و67 في المئة من سكان القاهرة. هذا في حين يواصل المسؤولون المصريون الحديث عن الحاجة الملحّة لبناء مساكن، ولسببٍ ما غالباً مايطرحون رقم مليون وحدة سكنية، فيما تعجّ المجلات الاقتصادية بتقارير عن الفرص الاستثمارية في قطاع البناء.

تُرى، ما وراء تلك الرغبة الجامحة في بناء أعداد كبيرة من الوحدات السكنية، فيما الكثير منها يَقبع شاغراً؟ ولماذا لاتتم مراعاة أفضل القواعد العالمية، من خلال توفير البنية التحتية والخدمات للمجتمعات السكانية العشوائية، وكذلك تطوير المساكن القائمة بمشاركة السكان المحليّين خلال مرحلة التخطيط؟ يردّ معهد التضامن للبحوث الحضرية على هذه التساؤلات بالقول إن الحكومة المصرية لاتزال تطلّ على المناطق العشوائية باعتبارها أزقّة فقيرة يتعيّن استئصالها، على الرغم من أنها تحتضن الكثير من المساكن ذات البنيان المتين، ويسكنها مهنيّون من الطبقة المتوسطة وعاملون في الحكومة. ومع ذلك، تمضي الخطط قدماً لتنفيذ عملية إعادة توطين قسرية لآلاف الأشخاص وإعادة إسكانهم في مناطق بديلة جرى بناؤها مؤخراً.

وجدت الاندفاعة المتواصلة بدأب لبناء مجتمعات محليّة جديدة (يقع معظمها في الأراضي الصحراوية)، تعبيرها الأكثر طموحاً إلى الآن في خطة الرئيس عبد الفتاح السيسي لبناء مركز حكومي جديد إلى الشرق من القاهرة؛ وهي الخطة التي كشف هذا الأخير النقاب عنها في قمة شرم الشيخ الاقتصادية للعام 2015. العاصمة الجديدة التي أُعلن عنها، كمشروع بكلفة 45 مليار دولار ويستغرق إنجازه مابين خمس وسبع سنوات، أصبح لها الآن موقع على شبكة الإنترنت. يستعرض هذا الموقع عملية تطوير ضخمة لاتشمل إنشاء مكاتب حكومية وحسب، بل أيضاً مناطق تجارية ومصانع للطاقة ومطاراً دولياً ومتنزهاً، إضافةً (بالطبع) إلى مليون ومئة ألف وحدة سكنية، وذلك ضمن مركز حَضَري حديث يضم ناطحات سحاب على الطراز الإماراتي، خلافاً لكل ماهو موجود في مصر اليوم. والواقع أنه كان من المقرّر أصلاً أن تتولّى شركة إماراتية بناء المدينة، لكن في أعقاب إحدى حالات سوء الفهم العديدة التي ابتُليت بها مشاريع السيسي العملاقة، عمدت مصر الآن إلى تغيير شركائها في المشروع، إذ ستتولّى شركة الصين للبناء إنجاز المرحلة الأولى من المشروع (المباني الحكومية ومرافق المؤتمرات) بقيمة تصل إلى 2.7 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بما إذا كان إنجاز المباني الحكومية الجديدة وجميع المرافق اللازمة لخدمة العاملين في الحكومة، سيسهم في إنعاش المدينة كما تَعِد الخطط؟ خبير الاقتصاد والتخطيط الحضري في الجامعة الأميركية بالقاهرة ديفيد سيمز يردّ بصراحة، قائلاً: "لاتحتاج مصر إلى عاصمة جديدة". وهو يرى في كل أعمال التطوير الجديدة حول القاهرة "إخفاقات كبيرة لايمكن تحمّلها" تلتهم موارد هائلة ولم تَفِد سوى حفنة من أفراد النخبة، في حين يُترك الملايين من أبناء الطبقة الوسطى والدنيا من سكان القاهرة كي يتدبّروا أمورهم بأنفسهم في المناطق العشوائية.

افترضت الحكومة المصرية منذ عقود، كما يقول المهندس خالد أدهم، أن "بيع الأراضي الصحراوية، من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة لموارد ولأرباح الحكومة وفئة جديدة من رجال الأعمال الذين تربطهم علاقات بها وبالشركات الدولية". والواقع أن إنشاء المرافق والخدمات في الضواحي الجديدة، وترك الخدمات تتدهور في المجتمعات العمرانية وسط المدينة القديمة، دفعا المصريين الأكثر ثراءً إلى شراء عقارات في المجتمعات المحليّة الجديدة.

استفحل هذا الميل إلى تبنّي خطط الإسكان والبنية التحتية التي تقوم على تحقيق الأرباح بدلاً من تلبية احتياجات المواطنين (أو حتى الطلب في السوق) في ظل حكومة السيسي، التي اتّسع فيها دور الجيش في توجيه مشاريع البنية التحتية. ففي شباط/فبراير 2016، أصدر السيسي قراراً منح بموجبه جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة سلطة إقامة مشروعات مشتركة مع شركات القطاع الخاص، فضلاً عن تفويضها بتولّي زمام الأمور في العاصمة الجديدة وفي مشروع سكني آخر في ضاحية الشيخ زايد في القاهرة. وقد جرت محاولات بعد انتفاضة العام 2011 لإشراك المواطنين أكثر في تخطيط وإدارة المناطق الحَضَرية، غير أن المهندس كريم ابراهيم يلاحظ أنها جميعاً أخفقت في نهاية المطاف.

يُفترض أن يوافق الوفد المصري المشارك في مؤتمر "الموئل الثالث"، وفق مايقتضيه العُرف، على الأجندة العمرانية الجديدة التي ستصدر في المؤتمر، والتي تدعو إلى "تنمية محورها الإنسان" و"عمليات تخطيط شاملة". لكن يُستبعد أن يسعى هذا الوفد إلى إجراء أي مشاورات حول صوابية بناء عاصمة مصرية جديدة في الصحراء. فالمشروع من بنات أفكار عبد الفتاح السيسي، وبالتالي فهو غير قابل للنقاش.