يدفع القمع الشديد وبلا هوادة الذي تمارسه حكومة البحرين، والانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان التي ترتكبها بحق المعارضة السياسية، البلاد إلى لُجج عدم الاستقرار والتصاعد الحادّ للنزاع الداخلي. وسيكون للمسار الذي ستسلكه الأوضاع هناك، أهمية بالغة للولايات المتحدة التي تتّخذ من البحرين مقرّاً لأسطولها الخامس. 

يمكن أن يؤدّي استمرار فشل البحرين في تحقيق المصالحة مع المجموعات المعارِضة، إلى وضع الطاقم العسكري الأميركي في دائرة الخطر، ويتيح لإيران فرصة توسيع نفوذها في البحرين. كما أنه قد يُهدّد الوجود العسكري الأميركي في الخليج الفارسي، ويقوّض أمن منطقةٍ لاتزال حيوية للمصالح الأميركية. ينبغي على واشنطن أن تعمد إلى زيادة الضغوط إلى حدٍّ كبير على حكّام البحرين لتبنّي إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية جدّية من أجل درء هذه المخاطر.

منذ أن وصلت طلائع حمّى الربيع العربي إلى البحرين قبل خمسة أعوام، تجاهلت الحكومة مراراً وتكراراً الدعوات الأميركية والدولية إلى إجراء مزيد من الإصلاحات، وأدارت الظهر لها. وبعد حملة قمع قاسية شنّتها على المعارِضين في العام 2011، قطعت الأسرة الحاكمة وعداً بتحسين سيادة القانون ومساءلة عناصر الأجهزة الأمنية الذين ارتكبوا الانتهاكات الأكثر فظاعة، إلا أنها أخلّت لاحقاً بمعظم هذه التعهّدات.

وقد سدّدت إدارة أوباما، بعد أن أبدت اعتراضاً خفيف اللهجة على التجاوزات الحكومية، صفعة صغيرة على اليد للحكّام البحرينيين، حين علّقت مبيعات الأسلحة الخفيفة، لتستأنف لاحقاً البيع بعد مزيد من الوعود الفارعة حول التغيير.

اليوم، الأوضاع السياسية وظروف حقوق الإنسان في البحرين أسوأ مما كانت عليه قبل خمسة أعوام. ويقول نبيل رجب، وهو ناشط حقوقي بارز سُجِن مرّات عدّة، إن عدد السجناء السياسيين في المملكة يفوق الأربعة آلاف. وخلال الأشهر القليلة الماضية، جرّدت الحكومة الشيخ عيسى قاسم، الزعيم الروحي للشيعة في البحرين، من جنسيته، وأقدمت أيضاً على حل جمعية الوفاق، الجمعية السياسية الأكبر في البلاد، ومدّدت حكم السجن الصادر بحق زعيمها.

لقد أدان وزير الخارجية الأميركي جون كيري هذه الممارسات، مشيراً إلى أنها "لاتؤدّي سوى إلى تقويض تماسك البحرين وأمنها... كما أنها تتعارض مع المصالح الأميركية وتوتّر شراكتنا مع البحرين". إنه محق تماماً. لكن وكما كان فريدريك الكبير يقول: "الدبلوماسية من دون قوة رافعة، أشبه بالموسيقى من دون آلات".

دفعت واشنطن، من خلال ردودها على انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين، والتي اقتصرت على الوعظ الفارغ، بالمنامة إلى الاعتقاد بأن بإمكانها مواصلة مسارها المحفوف بالمخاطر من دون خشية من عواقب جدّية تفرضها الولايات المتحدة. بعبارة أخرى، وجّهت واشنطن رسالة إلى البحرين مفادها أنها مهمّة للغاية لها ولن تدعها تسقط، ماشجّعها على مواصلة سلوكها المتهوّر. لدى الولايات المتحدة مصلحة في الحفاظ على الاستقرار في البحرين، وعلى علاقتها مع حكومة موالية لها. لكن في الوقت نفسه، للإصلاحات التدريجية أهمية محورية بالنسبة إلى استقرار المملكة في المدى الطويل. بيد أن السياسات الداخلية غير الليبرالية التي تنتهجها البحرين ربما تهدّد هذا الهدف، عبر تمكين الفصائل المتشدّدة في أوساط المعارضة السياسية.

إذا ماكانت الحكومة الأميركية تعتقد أن القمع المتواصل سيؤدّي إلى انتشار العنف الداخلي على نطاق أوسع وإلى تصاعده باطّراد، فينبغي عليها أن توظّف عضلاتها الديبلوماسية دعماً لخطابها. يجدر بها، من أجل حماية مصالحها طويلة الأمد في الخليج الفارسي، أن تضع علاقتها الأمنية المخضرمة مع البحرين على المحك، من أجل دفع هذه الأخيرة إلى التوصّل إلى تسوية سياسية مع المعارضة. كما ينبغي على البنتاغون أن ينطلق في خططه المستقبلية في المنطقة من فرضية أن الوجود العسكري الأميركي الراهن في البحرين لن يكون مُستداماً إلا إذا سلكت الحكومة اتجاهاً سياسياً مختلفاً.

تلويح الولايات المتحدة بشبح التغيير، يمكن أن يدفع الحكومة البحرينية إلى اتخاذ موقف أكثر استيعاباً للمعارضة، لكن واشنطن غير قادرة على البلف، ولايجدر بها أن تتوقّع إحداث تغيير في السياسة البحرينية من خلال تلميحات مبطّنة أو حتى تهديدات واضحة غير مسلّحة بتحرّكات فعلية. ينبغي عليها، توخّياً للمصداقية، أن تتخذ القرار بالانسحاب وأن تباشر بتطبيقه، كي تتمكّن من ممارسة تأثير ما على الحسابات البحرينية. وإذا ماطرأ تغييرٌ دراماتيكي في الوضع السياسي، يمكن لها عندئذٍ إعادة تقييم قرارها.

أي قرار تتخذه الولايات المتحدة بسحب طواقمها وأعتدتها العسكرية من البحرين، سيكون محفوفاً بالمخاطر، كما أن آفاق نجاحه غير مؤكّدة. إذ من شأنه أن يثير ردود فعل سلبية لدى البحرين وحلفائها في مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما السعودية. سوف يدّعي البحرينيون أن أميركا تضحّي بهم من أجل مآرب أنانية. وسوف ترى بلدان مجلس التعاون الخليجي في الخطوة مؤشراً إضافياً عن تحوّل أميركي نحو إيران، وعن فك الارتباط الأميركي في الشرق الأوسط، كما أنها ستثير الشكوك حول مصداقية الالتزام الأمني الأميركي. وفي الداخل الأميركي، من شأن مثل هذه الخطوة أن تُعتبَر مؤشراً على الضعف والسعي إلى استرضاء إيران.

بيد أن الكثير من ردود الفعل السلبية هذه مبالَغ فيه ويمكن التخفيف من حدّته. بإمكان الولايات المتحدة أن تقلّص الوقع الذي قد يمارسه القرار، عبر اتخاذ خطوات عدّة منها: اقتراح خطة انتقالية تشمل السعي إلى الحصول على موافقة دول شريكة أخرى في مجلس التعاون الخليجي لاستضافة الطواقم والأعتدة العسكرية الأميركية التي سُحِبت من البحرين؛ وتعزيز وجود سلاح البحرية الأميركي في بحر العرب؛ وتنفيذ مزيد من التدريبات وعمليات الانتشار التي تتم مداورةً في المنطقة لطمأنة الحلفاء بشأن الالتزامات الأمنية للولايات المتحدة؛ وانخراط الجيش الأميركي ونظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي في عملية تخطيط مشتركة أكثر جدّية للتعامل مع الحالات الطارئة.

علاوةً على ذلك، وفي حين أن دول الخليج قد تعمد في البداية إلى رصّ صفوفها خلف البحرين، لاينبغي الافتراض بأن حنقها سيكون شديداً أو سيستمر طويلاً. فلدى حكّام الخليج مصلحة في إبقاء طواقم وأعتدة تابعة لسلاح البحرية الأميركي متمركزة في منطقتهم، وهم يدركون أنه لايمكن أن يحلّ بديل روسي أو صيني أو أوروبي عن الضمانة الأمنية الأميركية. ليس مستبعداً أن تبدي كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة استعدادها لاستضافة القوات البحرية والجوية التي سُحِبت من البحرين، وأن تسعيا، من خلال خطابٍ غاضب رداً على القرار الأميركي، إلى انتزاع أفضل الشروط لاستضافة القوات الأميركية على أراضيهما.

ليس مؤكّداً ما إذا كانت الضغوط التي يمكن أن تمارسها الولايات المتحدة على البحرين لإجراء إصلاحات سوف تتكلّل بالنجاح. فالملك وبعض أعضاء الأسرة الحاكمة يَرَوْن إلى الشيعة على أنهم تهديد وجودي، ويعتقدون أن أي تنازل من جانبهم يمكن أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى سقوطهم. ويعوّلون أيضاً على السعوديين كي يهبّوا لنجدتهم في حال أصبح ظهرهم إلى الحائط. سيكون من الصعب على الولايات المتحدة تغيير هذه الذهنية، أو تغيير الاعتقاد الذي يتشاركه كثرٌ في العائلة المالكة، بأن تكتيكات الأرض المحروقة التي يعتمدونها سوف تُبقي العنف تحت السيطرة.

فضلاً عن ذلك، حتى لو قرّر حكّام البحرين اعتماد مقاربة أكثر وفاقية مع المعارضة، قد يكون التوصل إلى صفقة مقبولة من الطرفَين أمراً بعيد المنال. فليس هناك اهتمام بتقاسم فعلي للسلطة في البحرين، أو خبرة في هذا المجال، والسياسة بمختلف أوجهها في ذلك البلد هي لعبة غالب ومغلوب. كما أن المعارضة الشيعية المنقسمة، أضعفت موقفها عبر إثارة الشكوك في صفوف المتشددين البحرينيين حول قدرة جمعية الوفاق على تلبية تطلعات ناخبيها في أي تسوية يتم التوصل إليها مع الأسرة الحاكمة.

مع ذلك، لاتزال ثمة بارقة أمل لتحقيق المصالحة الوطنية. فهناك معتدلون في المعسكرَين الشيعي والسنّي لازالوا مستعدّين للتوصل إلى تسوية مع الحكومة تحظى بمقبولية متبادَلة. لايؤيّد جميع الشيعة نظام "الصوت الواحد للشخص الواحد"، وقد دعا البعض إلى اعتماد نظام ملكي دستوري وليس نظاماً جمهورياً. وليس جميع السنّة موالين متشدّدين للنظام أو مناهضين للشيعة. ثمة أفراد في الأسرة الحاكمة، على غرار ولي العهد، يدركون الحاجة الماسّة إلى معالجة المظالم بطرق فعلية ومستدامة من أجل تحقيق الأمن في المدى الطويل. غير أن الوقت يداهم، وعلى هذه القلة القليلة أن تتحلّى سريعاً بالشجاعة وقوة الإرادة.

التقاعس محفوف بالمخاطر أيضاً. فالدعم الأميركي لاستراتيجية التشبّث بالمواقف التي تنتهجها العائلة المالكة، يُشرعن اعتقاد الحكّام بأن الحكومة لاتستطيع أن تمنح شيئاً لمواطنيها خوفاً من أن يؤدّي ذلك إلى خدمة إيران. بيد أن العكس هو الصحيح: إذا تجاهلت الحكومة المطالب المشروعة وواصلت جهودها لسحق المعارضة، فغالب الظن أن الشيعة الناقمين (والسنّة غير الراضين عن الظروف في المملكة)، سينزعون أكثر نحو التشدّد والتطرّف، مايتيح فرصاً أكبر أمام إيران للتدخّل. وإذا فشلت واشنطن في تأمين إنزال سلس للأسطول الخامس في مكان آخر في المنطقة، فقد تُضطرّ إلى سحب قواتها من البحرين على عجل، الأمر الذي قد تصوّره إيران وأعداء أميركا في المنطقة بأنه هزيمة مذلّة. في حال الانسحاب السريع، ستصبح الولايات المتحدة في موقف تفاوضي أضعف بكثير في المباحثات مع دول الخليج الأخرى حول الترتيبات العسكرية الجديدة وتدابير تقاسم الأكلاف.

من نافلة القول إن هناك مقاومة قوية داخل الحكومة الأميركية لتوتير العلاقات مع البحرين. غير أن الأشهر القليلة المقبلة تتيح فرصة أمام إدارة أوباما لجسّ النبض. وهنا، ينبغي عليها أن تطلب من وزارة الدفاع رفع تقرير إلى الكونغرس حول خطة الطوارئ الخاصة بالخروج من البحرين، بما في ذلك خيارات تمويل تكاليف الانتقال إلى مكان آخر. من شأن هذه الخطوة أن توجّه رسالة قوية إلى البحرينيين بأن الأمور لن تستمر كالمعتاد.

لايشكّل الحلفاء غير المستقرين قيمة مُجدية للولايات المتحدة. ومن الضروري والممكن في آنٍ استنباط صيغة مختلفة لوضعية القوة الأميركية في الخليج الفارسي، بمايؤمّن حماية أفضل للمصالح الأميركية في المنطقة خلال العقد المقبل، مع خفض المخاطر والأكلاف.

إن الحكومة البحرينية تسير بخطى متسارعة نحو الهاوية، وعلى الولايات المتحدة ألا تحذو حذوها.