نادراً ماتُثير الانتخابات البلدية اهتماماً دولياً. لكن حين حُدِّدَ موعد الانتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، شكّل ذلك حدثاً مهمّاً، ربما لأنها قد توفّر فرصة نادرة  للتخلّص من العفن الذي ينخر جسد المؤسسات الفلسطينية. كما أنها كانت ستشكّل الانتخابات الكاملة الأولى في الضفة الغربية وغزة منذ 2004-2005. 

كان من المقرر أن تتم عمليات الاقتراع في 416 بلدية – 391 بلدية في الضفة الغربية و25 في غزة – لاختيار المجالس المحلية المسؤولة عن تأمين خدمات كالماء والكهرباء. لكن لسوء الحظ لمّا يحدث ذلك. ففي مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، قضت محكمة العدل العليا الفلسطينية (التي تنظر في الدعاوى الخاصة بالإجراءات الرسمية)، بتعليق الانتخابات مؤقّتاً، لإفساح المجال أمامها للنظر أولاً في شرعية القرارات الصادرة عن المحاكم في غزة، وأيضاً لبحث  المسألة المتعلقة بعدم إجراء انتخابات في القدس. وحدّدت المحكمة يوم الحادي والعشرين من أيلول/سبتمبر لإعادة النظر في القضية. 

لكن حين اكتفت المحكمة، لدى انعقادها في ذلك التاريخ، بإرجاء الجلسة إلى الثالث من تشرين الأول/أكتوبر المقبل، وجدت لجنة الانتخابات المركزية نفسها مضطرة إلى الإقرار بأن لا أمل في إجراء الانتخابات في الموعد المحدّد. والأسوأ أنه بدا أن المحكمة العليا تُقرّ الحجج التي ساقتها نقابة المحامين الفلسطينيين الخاضعة إلى سيطرة فتح؛ ما  يشي بأن التأجيل قد يستمر لوقت طويل جدّاً، ولاسيما لدى اقترانه بالمأزق السياسي الذي يكتسح مختلف المستويات.

تتّصل المسألة القانونية التي أثارتها نقابة المحامين بصدور قرار عن المحاكم الخاضعة إلى سيطرة حماس في القطاع، يقضي بتجريد قوائم فتح في غزة من أهلية الترشّح. وقد خلصت محكمة العدل العليا إلى أن إجراءات المحاكم في غزة غير قانونية. 

يُذكر أنه حينما انقسمت السلطة الفلسطينية في العام 2007، رفض معظم القضاة في غزة العمل لحساب حكومة حماس، فأقدمت هذه الأخيرة على تعيين قضاة جدد. وإذا واصلت المحكمة العليا في رام الله  رفض قيام المحاكم التي عيّنت حماس قضاتها بأيّ دورٍ في موضوع الانتخابات المحليّة، سيعني ذلك فعليّاً أن الفلسطينيين لن يتمكّنوا من التصويت في الانتخابات البلدية قبل التوحيد التام للسلطة القضائية.

 بيد أن هذا ليس كل شيء. فقرار محكمة العدل العليا بتعليق الانتخابات، سببه أيضاً أن القدس الشرقية لن تشهد عملية اقتراع. والمفارقة أن القدس الشرقية لم تقترع أيضاً في الانتخابات البلدية في العام 2004-2005، ومع ذلك لم يجرِ تعطيل الانتخابات، لا بل نُظِّمت عملية اقتراع محليّة محدودة النطاق في أجزاء من الضفة الغربية في العام 2012، من دون أن يصدر أي اعتراض عن محكمة العدل العليا. (في السابق، شارك الفلسطينيون في القدس في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية من خلال مجموعة من الترتيبات ثقيلة الوطأة التي تم التوصّل إليها عبر التفاوض مع إسرائيل).

لقد وضع قضاة المحكمة العليا، عبر فرضهم ضرورة التوصّل إلى مصالحة فلسطينية وإلى اتفاق إسرائيلي-فلسطيني حول القدس، شروطاً يتعذّر عملياً الوفاء بها راهنا، مجازِفين بهدر ثمانية ملايين دولار أُنفِقت على تمويل الانتخابات. وإذا لم تعدل المحكمة عن قرارها، قد تحرم أيضاً أولاد الفلسطينيين وأحفادهم من فرصة التوجّه إلى صناديق الاقتراع.

لماذا اجتمع الضدّان على إجراء الانتخابات؟

آليات الانتخابات الفلسطينية معقّدة. إذ تتولّى لجنة الانتخابات المركزية الإشراف على الانتخابات البلدية – وهي هيئة غير حزبية بكل ماللكلمة من معنى، في مشهدٍ سياسي حيث تستطيع قلّة من الكيانات الأخرى ادّعاء عدم التحزّب. وتستند هذه الآليات أيضاً إلى منظومة من التمثيل النسبي الكامل مع اعتماد القوائم المغلقة.

يُبدي الفلسطينيون اهتماماً كبيراً بالانتخابات. قبل صدور الحكم عن محكمة العدل العليا، كان كل من الحزبَين السياسيين الأكبر، فتح وحماس، قد شكّل قوائمه الانتخابية، ولو أجريت الانتخابات، لكانت هذه هي المرة الأولى التي يخوضان فيها منافسة في مابينهما منذ انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في العام 2006. وقد بذلت حماس، من جهتها، مجهوداً كبيراً لدعم مجموعة منوّعة من القوائم المستقلة بالاستناد إلى المهن والوظائف التي يشغلها المرشّحون، بدلاً من التركيز حصراً على القوائم ذات الانتماءات الحزبية. علاوةً على ذلك، شكّلت خمسة أحزاب يسارية للمرة الأولى تحالفاً بهدف الترشّح على قائمة موحّدة. وجرى أيضاً تحضير عدد كبير من القوائم الأخرى المستقلة الأصغر حجماً.

مع سيطرة فتح على الضفة الغربية وتولّي حماس مقاليد الحكم في غزة، كان على الطرفَين الاتفاق كي تتمكن لجنة الانتخابات المركزية من القيام بعملها. فكيف تمكّنت هاتان القوّتان السياسيتان المتخاصمتان من الاتفاق على تنظيم الانتخابات المحليّة؟

رأت حركة فتح في هذه الانتخابات فرصة لتجديد مكانتها لدى الفلسطينيين، بعد أن مزّقتها الصراعات الداخلية لقادتها، وسادها التخبّط بسبب انحسار شأنها. لقد دُفِعت الحركة نحو الانتقال إلى العمل السرّي في غزة، وكانت إمكانية تواجدها ثانيةً في القطاع قد تتيح لها استئناف أنشطتها السياسية هناك للمرة الأولى منذ عقد. بيد أن الانتخابات المحليّة تضمّنت أيضاً في تضاعيفها خطرَين حقيقيّين لحركة فتح: أوّلهما احتمال أن تتعرّض إلى الهزيمة في عدد كبير من الدوائر، وثانيهما خطر تصدُّع صفوفها بسبب التجاذبات الداخلية. وقد سبق أن انقلب هذان الخطران إلى واقع في الماضي.

واجهت حركة حماس مجموعة مماثلة من الحسابات والالتباسات. فقد كانت معرَّضة إلى خطر حدوث رد فعل شعبي عنيف ضد حكمها في غزة، حتى ولو كان يلوح في الأفق احتمال صعودها من جديد في الضفة الغربية. لاتثق حماس بأن حركة فتح أو القيادة السياسية في رام الله مستعدّة لتنظيم انتخابات نزيهة أو الالتزام بالنتائج، إلا أنها تُبدي على مضض احتراماً للجنة الانتخابات المركزية.

أما إسرائيل فكان بإمكانها عرقلة الانتخابات، لكن غالب الظن أنها غير قادرة على تعطيلها بالكامل. (في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ينبغي على الفلسطينيين الاقتراع في مناطق خاضعة إلى السيطرة الإسرائيلية المباشرة، كما أن هذه الانتخابات تقتضي أن يتمتّع المسؤولون الانتخابيون بقدرة أكبر بكثير على التنقّل، ولايمكن بالتالي إجراؤها من دون موافقة إسرائيل). صحيحٌ أن من شأن صعود نجم حماس من جديد في الضفة الغربية أن يشكّل تطوّراً مقيتاً جدّاً في نظر إسرائيل، إلا أن المسؤولين الإسرائيليين يميلون إلى التزام الصمت في موضوع الانتخابات البلدية. قد يكون السبب أن إسرائيل ترحّب ربما بظهور مجموعة حيوية من الحكومات المحليّة، لأن ذلك قد يساعدها على الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية في الضفة الغربية من دون أن تُثقِل كاهلها بتأمين الخدمات.

التجديد المحلّي قد يبقى مؤجّلاً 

إذا أُلغيت الانتخابات فعلياً، لن يقتصر تأثير ذلك على الخدمات البلدية الفلسطينية، التي سيستمرّ تأمينها، على أي حال، بطريقة متفاوتة كما يحصل راهناً. صحيحٌ أنه نادراً ما اعتُبِرت الانتخابات الفلسطينية دواءً ناجعاً لعدد كبير من الأمراض السياسية التي تعاني منها فلسطين، إلا أنها كانت لتفرض على القادة المنهَكين مواجهة شعبهم، ولتضخّ دماً جديداً في النظام، وتحشد الاهتمام، لابل المشاركة، من شعب يزداد نفوراً من السياسيين، وتساهم في انحسار الانقسام بين فتح وحماس. من الجدير ذكره هنا أن الانتخابات الوحيدة التي يُعوَّل عليها في فلسطين اليوم تحدث داخل حركة حماس – مايُساهم على الأرجح في تعزيز حيوية تلك المنظمة المتنوّعة، أو على الأقل في دعم قدرتها على البقاء.

في منطقةٍ تطغى فيها آليات الحوكمة شديدة المركزية وغير الخاضعة إلى المساءلة، كان السياسيون المحليّون الذين يملكون بعض الخبرة في مسائل الإدارة العامة ليشكّلوا عنصراً غير مألوف إنما مرحّباً به. لكن غالب الظن أنه سيكون على الفلسطينيين أن يتعلّموا العيش من دونهم.