مع أن العراق يتخبّط في خضمّ أزمة اقتصادية كبيرة، إلّا أنه فقد وزير ماليته. ففي 21 أيلول/سبتمبر، وافق 158 نائباً على اقتراحٍ بسحب الثقة وتوجيه لوائح اتهام إلى هوشيار زيباري، الذي لم يستطع حشد سوى 77 نائباً لصالحه، وامتنع 14 نائباً عن التصويت. وقد وُجِّهت له اتّهامات بالفساد، بينها تأجير منازل من دون تراخيص، وتعيين 450 حارساً شخصياً، والاستيلاء على أموال المعاملات العقارية، فضلاً عن قصره في بغداد الذي يعتبره الكثير من العراقيين دليلاً على الثروة الطائلة التي جناها زيباري طوال فترة عمله كوزير.

تبدو الرغبة في اجتثاث الفساد في العراق خطوة ضرورية وتحظى بالترحيب. ويحق للكثير من العراقيين، الذين يعانون من صعوبات جمّة في حياتهم اليومية، إخضاع الطبقة السياسية إلى المساءلة وضمان ألّا يبقى أحدٌ فوق القانون. وقد فصّلت حنان الفتلاوي، وهي نائبٌ في البرلمان لعبت دوراً بارزاً في عزل زيباري، طريقة تورّط السياسيين العراقيين في الفساد، واعترفت قائلةً: "كلنا استفدنا".

لماذا تم استهداف زيباري تحديداً، في حين أن الكثير من السياسيين نجوا بجلدهم من العقوبات القانونية حتى الآن؟ يبدو أن هذه الخطوة هي استمرارٌ لحملة مكافحة الفساد التي طالت أعضاء راسخين ورفيعي المستوى من الطبقة السياسية، والتي بدأت بعد أن حجب البرلمان الثقة عن وزير الدفاع خالد العبيدي في آب/أغسطس الماضي على خلفية تهم بالفساد أيضاً. قد يكون رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، أكثر إلماماً بهذه المسألة، ذلك أن حلفاءه لعبوا دوراً كبيراً في اتّهام كلٍّ من العبيدي وزيباري. وبغضّ النظر عن انخراط زيباري في الفساد، إلا أن إقالته تبدو عبارة عن مناورة حاكها المالكي في خضمّ الصراع السياسي الدائر على السلطة في العراق.

شخصية كردية ذات شعبية

شكّل عزل زيباري مفاجأة للكثيرين. فهو شخصية تحظى بالشعبية في صفوف الأكراد والعرب على حدٍّ سواء. وما سهّل صعود نجمه السياسي هو أنه خال مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس إقليم كردستان. انخرط زيباري في الحياة السياسية الكردية منذ فترة طويلة كعضو بارز في الحزب الديمقراطي الكردستاني. كما أنه أحد الأشخاص القلائل الذين يتمتعون بعلاقات قوية في آن مع الحزبين الكرديّين الرئيسين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني. ويُعزى ذلك إلى أن زيباري تولّى سابقاً رئاسة الفرع الأوروبي لاتحاد طلبة كردستان، وتعرّف خلال تلك الفترة على مختلف الأفرقاء السياسيين الأكراد الفاعلين، وشقّ لنفسه طريقاً في الحركة الوطنية.

انخرط زيباري بنشاط في الشؤون السياسية العربية في العراق، وهذه ظاهرة نادرة في صفوف المسؤولين الأكراد. كما أنه يتحدث العربية بطلاقة، على عكس العديد من نظرائه في الحزب الديمقراطي الكردستاني. كان زيباري أيضاً شخصية رئيسة في المؤتمر الوطني العراقي بزعامة أحمد الجلبي، ونشط لإسقاط نظام صدام حسين في التسعينيات وأوائل العقد المنصرم. وبالتالي، تربطه علاقات وطيدة مع العديد من الأحزاب العربية.

يُعتبر زيباري أيضاً شخصية مُستحبّة في المشهد الدولي. فقد نسج، خلال السنوات الثماني التي قضاها وزيراً للخارجية (وهو الوزير الأطول خدمة في عراق مابعد العام 2003) علاقات واسعة على المستوى الدولي، كتلك التي جمعته مع أربعة وزراء خارجية أميركيين هم كولن باول وكوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون وجون كيري. كما أشاد دبلوماسيون دوليون آخرون بزيباري، مثل أنطوان سيفان، المساعد السابق لمدير دائرة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية، الذي أثنى في العام 2005، وفقاً لبرقية أميركية مسرّبة، على "فعّالية زيباري ودهائه كمحاور، مايشكّل استثناءً بين وزراء الحكومة الانتقالية العراقية".

حتى أثناء تولّيه منصب وزير المالية، واصل زيباري استخدام مهاراته الدبلوماسية لإبرام اتفاقات مالية واقتصادية تصبّ في صالح العراق. إذ قال مسؤول في صندوق النقد الدولي لكاتب هذه السطور إن إبرام اتفاق على قرض بقيمة 5.35 مليار دولار مع العراق، كان ليكون أصعب بكثير لولا زيباري. كما استغل هذا الأخير علاقاته مع البنك الدولي لتوقيع اتفاق مماثل بقيمة 1.2 مليار دولار.

رجلنا في بغداد

كان من المهمّ جدّاً بالنسبة إلى أكراد العراق، أن تتسنّم شخصية كردية منصب وزير الخارجية في أعقاب إطاحة صدام حسين. فقد كانت قيادة إقليم كردستان تنظر إلى السياسة الخارجية باعتبارها نافذةً على العالم، وعنصراً هامّاً لكيان حبيس (غير ساحلي) في منطقة تزخر بجيران مُعادين له تاريخياً؛ ناهيك عن أنها كانت متلهّفة للحصول على الاعتراف الدولي. وقد لعب زيباري دوراً رئيساً في الجهود الكردية الرامية إلى توسيع الحكم الذاتي لإقليم كردستان، ليس فقط عبر استخدام علاقاته كورقة ضغط في التعامل مع الدول الإقليمية غير الجديرة بالثقة، بل أيضاً عبر السماح بإرسال بعثات لتمثيل حكومة إقليم كردستان في الخارج، الأمر الذي تعارض مع الدستور العراقي. أي وزير خارجية آخر كان سيعارض خطوات كهذه.

واقع الحال أن زيباري نجح في ترقية كلٍّ من الحزب الديمقراطي الكردستاني وحكومة إقليم كردستان أثناء تولّيه منصب وزير الخارجية. ففي موضوع النزاع بين العرب والأكراد على كركوك، على سبيل المثال، عمل زيباري على إقناع الأطراف بإجراء استفتاء هناك من شأنه أن يؤدّي إلى إلحاق كركوك بإقليم كردستان.

وما ساعد زيباري في تحقيق مساعيه عدم وجود سياسة خارجية موحّدة في العراق. ففي حين أنه زعم في العام 2013، على سبيل المثال، "أن بلاده تلتزم إزاء محنة سورية موقفاً متوازناً، ولاتصطفّ في جبهة إيران والنظام وحزب الله ولا في جبهة أميركا والسعودية وقطر وتركيا"، إلا أن رئيس الوزراء نوري المالكي كان يعمل في غضون ذلك مع إيران لإرسال مقاتلين من الميليشيات العراقية إلى سورية لحماية دمشق ونظام الأسد. ومع أن ذلك زعزع موقف زيباري، إلا أن انعدام التجانس في السياسة الخارجية صبّ في خاتمة المطاف في صالح الأجندة الكردية.

رجلنا خارج بغداد

مع مرور الوقت، تصاعدت حدّة التوتّر بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وبين المالكي، بسبب الخلاف على اندفاع الأكراد نحو الحكم الذاتي. وبرز أحد المؤشرات على ذلك منذ أشهر، عندما زار المالكي السليمانية، معقل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة طالباني، وليس أربيل، حيث يسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني. في  خضمّ هذا الاحتكاك المتواصل، استخدم المالكي حلفاءه، مثل النائب هيثم الجبوري، الذي يرأس الهيئة المكلّفة التحقيق باتهامات الفساد والتابعة للبرلمان، للهجوم على معارضيه المحتملين، وأعلن أنه لا يمانع العودة إلى منصب رئاسة الوزراء، مشيراً إلى أن هدفه إضعاف حكومة حيدر العبادي. ويبدو أن زيباري وقع ضحية لعبة العروش السياسية هذه التي تجري كواليسها في بغداد.

تجسّد خطوة عزل زيباري، والتي يعتزم الطعن فيها، واقع الحال السائد في عراق مابعد بروز تنظيم الدولة الإسلامية، ويعبّر عن النفوذ الذي يتمتّع به المالكي وحلفاؤه في صفوف قوات الحشد الشعبي الشيعية، واستعدادهم لاستخدام وكلائهم لإسقاط خصومهم السياسيين، في إطار جهودهم الرامية إلى الهيمنة على الدولة. كما يكشف هذا الأمر أسباب إطاحة زيباري، في حين أن آخرين متّهمين بفسادٍ أوسع نطاقاً، مثل المالكي نفسه، لازالوا يسرحون ويمرحون.