فيما جُلّ أنظار العالم مسلّطة على غرب سورية، ولاسيما على معارك حلب، انحسر الاهتمام بمنطقة شرق سورية، التي يتحدّر الكثير من سكّانها من أصلٍ قَبَلي عربي.

تترافق هذه الإطلالة مع وجهة نظر متنامية تقول إن النظام السوري وروسيا يعتقدان أنه يمكن حسم الصراع الدائر في البلاد عسكريّاً، ويصبّان تركيزهما راهناً على المناطق السكانية الكُبرى في غرب البلاد، الممتدّة من دمشق إلى الحدود التركية، وجنوباً نحو الأردن. لكن، لن يتحقّق أي انتصار ما لم يُبلور نظام الأسد استراتيجية تشمل كذلك شرق سورية.

على الرغم من اختفاء البداوة في سورية اليوم، إلا أن المواطنين الذين يقطنون مدن شرق سورية فخورون بإرثهم القَبَلي، وغالباً مايستشهدون بمناحٍ معيّنة تتّسم بها قبيلتهم لشرح سلوكهم السياسي. وقد بات هذا النهج طاغياً خصوصاً منذ اندلاع الثورة في العام 2011. فقد عَزَف مختلف الأفرقاء في منطقة شرق سورية، التي تضمّ محافظات دير الزور والرقّة والحسكة، على وتر الهويات القَبَلية لتحفيز السكان على الانضواء تحت لواء قضيتهم، كما ادّعى شيوخ القبائل أحياناً أنهم يحظون بتأييد قبيلتهم بأسرها، في معرض الإفصاح عن ولائهم للمعارضة أو للنظام.

بيد أن واقع الحال ليس كذلك. إذ غالباً ما أيّد أفراد القبيلة نفسها جانبين متعارضين في النزاع السوري، حتى أن الشيوخ التقليديين للقبيلة الواحدة كانوا يتبنّون أحياناً مواقف متناقضة، فيؤيّد بعضهم النظام في دمشق، فيما يدعم آخرون دوائر المعارضة في تركيا. ويُعزى ذلك إلى أن الهويات ذات الطابع المحلّي - المُرتبطة بالحيّ أو القرية أو البلدة - لدى القبائل السورية، غالباً ماتطغى على روابط التضامن القَبَلي في تحديد السلوكيات العملية.

تكشّفت النزعة المحلّاوية هذه قبل نشوب الصراع السوري في العام 2011، بيد أن الحرب عزّزتها، ما أفسح المجال أمام النظام السوري والمجموعات الإسلامية المتطرّفة والأكراد وأفراد القبائل الذين لايضطلعون بدورٍ قيادي في الهياكل القَبَلية الرسمية، لترويج أجنداتهم الخاصة داخل المجتمعات القَبَلية.

وتفسّر هذه الحقيقة لماذا لن يكون من السهل على النظام إحكام قبضته مجدّداً على شرق سورية: أوّلاً، تشكّل وحدات حماية الشعب الكردية وتنظيم الدولة الإسلامية أبرز خصمين للنظام هناك. وبالتالي ليس ثمة قوى معارضة موحّدة، كما في حلب، يمكن للنظام محاصرتها وإلحاق الهزيمة بها. وثانياً، إسباغ الطابع المحلّي على القبائل يعني أن النظام مضطرٌّ إلى التعامل مع مروحة معقّدة من الوقائع المحليّة، في خضمّ سعيه للعودة إلى المنطقة مجدّداً.

ما من "مجتمع قَبَلي" خارج سيطرة الدولة

لم تولَد محلّاوية الفئات السورية التي تتحدّر من أصول قَبَلية بين ليلةٍ وضحاها، بل استغرقت ردحاً طويلاً من الزمن. فقد تبدّد "المجتمع القَبَلي" المتفلّت من قبضة الدولة منذ أن أحكمت الدولة المركزية قبضتها على مناطق يقطنها أفراد القبائل، وهي عملية انطلقت في عهد الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، واكتملت فصولاً تحت حكم الانتداب الفرنسي في ثلاثينات وأربعينيات القرن المنصرم.

نتيجةً لذلك، أضحى أفراد القبائل يعتمدون على الدولة، لا على الزعماء القبليين، للحصول على الموارد وضمان الحماية. واستفاد العديد من هؤلاء من المؤسسات التعليمية والاجتماعية والسياسية التابعة للدولة واندمجوا بالمجتمع الحَضَري، فغدوا أطبّاء ومحامين ورجال أعمال. وهكذا انتفى السبب الرئيس لتبعيّة أفراد القبائل التقليدية لزعمائهم القَبَليين، وبات من الصعب تمييزهم عن نظرائهم في المدن والقرى. ومع توطيد الرئيس حافظ الأسد أركان حكمه في السبعينيات، اضطرّ زعماء القبيلة الواحدة إلى التنافس مع بعضهم البعض للحصول على رعاية الدولة، بما في ذلك التعيينات البرلمانية.

تبدّت بجلاء تداعيات عقودٍ من هذا الحكم خلال النزاع السوري، حين أرغمت أعمال العنف المجتمعات المحليّة على الاختيار بين الانحياز إلى مختلف فصائل المعارضة أو إلى النظام السوري. على سبيل المثال، تقطن عشيرة البوسرايا، التي يؤيّد العديد من شيوخها نظام الأسد، في بلدة بُقرص الواقعة في شرق محافظة دير الزور، لكن تحيط بها بلدات يتحدّر مواطنوها من أفراد ينتمون إلى فرع البوشامل من قبيلة العقيدات، التي انحاز مواطنوها إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو جبهة النصرة. وحين تصاعدت حدّة القتال بين أبناء البوسرايا والمجموعات الإسلامية المتطرّفة في المناطق الغربية من محافظة دير الزور، تمسّك أبناء البوسرايا في بُقرص بهويّتهم المحليّة لحماية أنفسهم، معلنين أن ولاءهم الأول هو لبلدتهم، لا لأبناء عشيرتهم المنخرطين في القتال ضدّ المجموعات الإسلامية.

مدّ الجذور في المناطق القَبَلية

على الرغم من هذه النزعة المحلّاوية، يسعى الكثير من الأفرقاء المنخرطين في الصراع السوري إلى إضفاء شرعية على أجنداتهم السياسية، عبر تلقّي شكلٍ من أشكال الدعم القَبَلي. وقد أدّى البحث عن شركاء قَبَليين إلى نشوب منافسات داخل المجتمعات ذات الأصول القَبَلية. فعندما ينجح فريق في الحصول على حليف محلّي، يدفع ذلك سائر الأفرقاء إلى تعبئة الفئات الأخرى في القبيلة نفسها، بغية تعزيز مشروعهم السياسي. تجلّى هذا الأمر بوضوح في التنافس الدائر بين تنظيمَي الدولة الإسلامية وجبهة النصرة في دير الزور، إذ مدّت كل مجموعة جذوراً  لها في الأُسر والبلدات ذات الأصول القَبَلية كي تشكّل قاعدة لتوسّعها التدريجي، ما أسفر عن انخراط المجتمعات المحلية في القتال ضدّ بعضها البعض، وبشكلٍ عنيف أحياناً.

مع أن مشروع تنظيم الدولة الإسلامية بات أكثر هشاشة من أي وقتٍ مضى، إلا أن تحرير السكان الذين كانوا يرزحون تحت سطوته لن يكون خاتمة المطاف. فقد تحاول قوى سياسية أخرى ملء الفراغ الذي سيخلّفه التنظيم في شرق سورية، وستشمل خططها إبرام التحالف مع السكان المحليّين المتحدّرين من أصول قَبَلية، وهذا أيضاً ماسيسعى خصومهم إلى تحقيقه مع فئات أخرى ضمن القبيلة نفسها. وسترسم الديناميكيات الناجمة عن هذه العملية معالم مستقبل شرق سورية، كما ستحدّد إن كانت هذه المنطقة ستلقى المصير نفسه الذي آل إليه غرب سورية.