دخل مقاتل ليبي، في 28 آب/أغسطس الماضي، إلى مسجد قرطبة في سرت الذي جرى تحريره مؤخراً من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، ورفع الدعوة إلى الصلاة. كانت الوحدة التي ينتمي إليها الشاب، وهي فرقة مجهّزة جيّداً تُعرَف بالكتيبة 604 مشاة، مختلفة تماماً عن مئات المجموعات المسلّحة الأخرى التي يجمعها رابط فضفاض بالمجلس الرئاسي في طرابلس الذي كان قد فرض حصاراً لمدّة أشهر على مدينة سرت، معقل تنظيم الدولة الإسلامية على البحر المتوسط. وقد حمل وصول الكتيبة في ذلك اليوم إلى مسجد قرطبة الكهفي ذي الجدران البيضاء معنى فريداً وعاطفياً بالنسبة إلى أعضائها.

بدءاً من مطلع العام 2015، أطلق إمام قرطبة، وهو داعية سلفي محبوب يُدعى خالد بن رجب الفرجاني، انتقادات علنية لتنظيم الدولة الإسلامية ورفض منحه الإذن لاستخدام مسجده من أجل إلقاء الخطب. وفي ذلك الصيف، أقدم تنظيم الدولة الإسلامية على اغتياله، ما أدّى إلى اندلاع انتفاضة مسلّحة قام بها سكّان الحي الثالث في سرت، وكان معظم المنضوين فيها من أفراد عشيرة الفرجان التي ينتمي إليها الإمام. فشلت الانتفاضة، وسيّر تنظيم الدولة الإسلامية مدرّعات في الشوارع واستخدم الأسلحة الثقيلة لإخمادها، كما أعدم العشرات من عشيرة الفرجان في باحة مسجد قرطبة، وصلب آخرين على سقالة فولاذية عند دوّار الزعفران الذي بات اسمه مطبوعاً بهذا المشهد. ثمّ أنه غيّر اسم الجامع من مسجد قرطبة إلى مسجد أبو مصعب الزرقاوي.

في الأشهر اللاحقة، فرّ بعض مقاتلي عشيرة الفرجان من سرت إلى طرابلس، حيث كان شقيق الإمام الراحل قد شكّل الكتيبة 604 مشاة التي بدأت، بدعمٍ من قادة سلفيين نافذين في طرابلس، ولاسيما عبد الرؤوف كارة وقوات الردع الخاصة التي يتولى قيادتها وتتخذ من مطار معيتيقية مقراً لها، فضلاً عن سرية باب تاجوراء المجاورة – بدأت إذاً تدريبات عسكرية في معسكر في عين زارة وفي محمية طبيعية على الساحل. وبحلول أواخر العام 2015، كان عدد عناصرها قد وصل إلى أكثر من 450.

في أيار/مايو من العام الجاري، سنحت الفرصة أمام الكتيبة 604 مشاة للأخذ بالثأر. فقد انضمّت إلى ائتلاف واسع من المجموعات المسلحة تحت اسم "البنيان المرصوص"، في الهجوم على سرت. وعلى النقيض من وحدات مسلّحة أخرى جاء معظم أعضاؤها من مصراتة، تضمّ الكتيبة 604 أيضاً مقاتلين من سرت وبني وليد وطرابلس والزنتان وزليتن وسبها.

لكن الأهم هو أن جلّ عناصر الكتيبة تقريباً سلفيون، وهذا أمر يتسق مع منحى أوسع نطاقاً على مستوى البلاد في أوساط مايُسمّى السلفيين "الهادئين" الذين ينشطون الآن بشكل مطّرد في القتال ضد الدولة الإسلامية، وأيضاً ضد الفصائل الإسلامية المنافسة لهم.

عقيدة الطاعة المُستمدة من السعودية

يشير توصيف السلفيين الهادئين في ليبيا بشكلٍ أساسي إلى أتباع رجل الدين السعودي ربيع بن هادي المدخلي الذي يروّج لعقيدة الطاعة لولي الأمر، أي السلطة السياسية القائمة، متحاشياً النشاط الانتخابي أو المقاومة المسلّحة، حتى في وجه الحكم العلماني أو الاستبداد، خوفاً من الفتنة. وقد استخدمت الحكومة السعودية تعاليمه في الداخل في تسعينيات القرن الماضي لتشويه سمعة حركة الصحوة السلفية التي تشرّبت فكر الإخوان المسلمين وتحظى بشعبية واسعة. اليوم، المدخلي عدو لدود للإخوان المسلمين وكذلك للمجموعات السلفية الجهادية على غرار القاعدة والدولة الإسلامية.

للسلفية الهادئة في ليبيا أصولٌ تعود إلى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما وجّه نظام القذافي دعوة إلى أئمة من التيار السلفي السعودي للقدوم إلى ليبيا في سياق جهوده الأوسع لإعادة تأهيل الجهاديين السلفيين المنضمّين إلى صفوف الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة. بعد اندلاع الثورة في العام 2011، أصدر المدخلي توجيهاً ناشد فيه أنصاره الامتناع عن دعمها، وحافظ عدد كبير منهم على ولائهم للنظام أو وقفوا على الحياد، على الرغم من أن البعض انضمّوا في نهاية المطاف إلى انتفاضة 20 آب/أغسطس في طرابلس.

بعد سقوط القذافي، أقدم أتباع المدخلي في ليبيا، المعروفون بـ"المدخليين" (علماً بأنهم يرفضون هذه التسمية)، على هدم التراث الصوفي الليبي وحرق أدبيات الإخوان المسلمين. وشكّلوا أيضاً دوريات لمكافحة الرذيلة، ركّزت على محاربة تجارة المخدرات، واستهلاك الكحول، وسواها من الأنشطة التي اعتبروها غير إسلامية. وتجسّدت هذه الدوريات بشكل خاص في قوات الردع الخاصة بقيادة كارة والمجموعات ذات الصلة. مع اندلاع النزاع بين معسكرَي الكرامة والفجر في ليبيا في صيف 2014، ربطت مجموعات المدخلي المسلّحة نفسها بالفصائل المتناحرة. وتُواصل حالياً القتال إلى جانب الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر في الشرق، وكذلك إلى جانب المجموعات المسلحة المتحالفة مع المجلس الرئاسي الذي يتخذ من طرابلس مقراً له.

بيد أن المقابلات التي أجريتُها في طرابلس ومصراتة وسرت وبنغازي والبيضاء منذ أواخر العام 2015 حتى منتصف العام 2016 تكشف تململاً عميقاً في أوساط حلفاء المدخليين في الشرق كما في الغرب – أكانوا ضباطاً من الجيش الوطني الليبي أو قادة ميدانيين من مصراتة (بالزي العسكري ومدنيين على السواء)، أو مسؤولين في وزارة الداخلية لدى الطرفَين – إزاء النفوذ المتنامي للتيار المدخلي وأهدافه الخفية. تنطلق هذه الشكوك، في جزء منها، من التقارير التي تتحدّث عن تمويل سعودي وخليجي للتيار، وأيضاً من تصريحات المدخلي العلنية عن ليبيا، التي تُظهر تناقضاً في بعض الأحيان، والتي يبدي كثرٌ في ليبيا استياءهم منها إذ يرون فيها تدخلاً غير مسوَّغ في الشؤون الداخلية للبلاد.

التموضع لفرض التأثير في سرت

في الغرب، ينزعج بعض القادة المصراتيين في ائتلاف البنيان المرصوص من عداء الكتيبة 604 مشاة للوحدات ذات الميول الإسلامية التي تقاتل ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سرت، ولاسيما المجموعات المسلحة التابعة للإخوان المسلمين ومفتي البلاد الصادق الغرياني الذي يتخذ من طرابلس مقراً له، والذي حضّ المدخلي أتباعه مؤخراً على مواجهته. وتُطرَح علامات استفهام أيضاً حول أهداف المدخليين في سرت بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها، وسعيهم المحتمل إلى السيطرة على مؤسساتها الدينية وأجهزة الشرطة والأمن فيها.

قال لي ضابط في شرطة مصراتة ينتمي إلى ائتلاف البنيان المرصوص الصيف المنصرم: "لانثق بهم" مضيفاً: "يحاولون التسلل إلى شرطة سرت، تماماً كما فعل أنصار الشريعة مع اللجان الأمنية"، في إشارة إلى المجموعة السلفية الجهادية الليبية التي صنّفتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة في خانة التنظيمات الإرهابية.

لكن انعدام الثقة هذا ليس ديني الطابع وحسب، بل هو متجذّر في جزء منه في الخصومات العشائرية المعقّدة في سرت، لاسيما المخاوف التي تساور عائلات سرت المتحدّرة من مصراتة، أي أبناء عشيرة المعدان، من سيطرة عشيرتَي الفرجان وورفلة، اللتين يلتحق أبناؤهما السلفيون بصفوف الكتيبة 604 مشاة. هذه العداوات العشائرية المحلية هي التي أتاحت في المقام الأول، من بين أسباب أخرى، صعود تنظيم الدولة الإسلامية في سرت، والتي أحبطت أي مقاومة متماسكة ضد التنظيم الإرهابي.

من مصادر الاحتكاك الأخرى مع السلفيين الهادئين موقفهم الملتبس، أو حتى الداعِم لحفتر وحملته في الشرق.

قال لي أحد المقاتلين الشباب في الكتيبة 604 على جبهة حي الدولار في سرت، على مقربة من مصنع متفجرات تابع للدولة الإسلامية، في تموز/يوليو الماضي: "يخوض حفتر المعركة ضد [الدولة الإسلامية] في الشرق، ونحن نخوضها هنا في الغرب". هذا الكلام مختلف تماماً عن التوصيفات المُقذعة التي تُطلَق عادةً في أوساط المصراتيين والإخوان المسلمين على اللواء حفتر الذي كان جزءاً من طاقم نظام القذافي. هذا الأمر، فضلاً عن انتماء بعض أعضاء أعضاء الكتيبة 604 إلى عشيرتَي ورفلة والفرجان، أدّى إلى التهامس والوشوشات عن العشيرتَين بأنهما بمثابة خليتَين نائمتَين تابعتين لحفتر.

لكن في الوقت الراهن، تتراجع هذه الخلافات إلى المرتبة الثانية؛ فيما يحتل القتال ضد الدولة الإسلامية صدارة الاهتمامات. في تموز/يوليو الماضي، رأيتُ مقاتلين من الكتيبة 604 يعملون عن كثب مع مجموعات مسلحة مصراتية نافذة، إنما أقل عقائدية، لتنسيق تحركاتهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية في ساحة الوغى. لكن عدداً كبيراً من هؤلاء القادة المصراتيين يتساءل، في مجالسه الخاصة، عن مسار الأمور في سرت بعد انتهاء القتال ضد الدولة الإسلامية؛ وعمّا إذا كانت هذه التشنجات المستترة سوف تتفاقم.

تصاعد الضغوط في طرابلس وبنغازي

واقع الحال هو أن التشنجات تفاقمت فعلاً في العاصمة الليبية. فقد أثبتت قوات الردع الخاصة بقيادة كارة في طرابلس أنها حصن منيع لدعم المجلس الرئاسي المحاصَر. لقد دمّرت شبكات الدولة الإسلامية داخل العاصمة، فضلاً عن قيامها بمساعدة المقاتلين السلفيين الذين يلتقون معها على طريقة التفكير نفسها، في محاربة التنظيم الإرهابي في صبراتة، ومؤخراً في سرت. يدير كارة في مجمعه الفسيح في مطار معيتيقية الدولي برنامجاً لإعادة تأهيل السجناء وتدريبهم على القيام ببعض المهن. بعد الصفوف القرآنية في الصباح، يزاول السجناء – وهم مجموعة متنوّعة من الأشخاص المتّهمين بالإدمان على المخدرات، وتجارة المخدرات، والانتماء إلى الدولة الإسلامية – صناعة السجاد، وصناعة الخبز، والصيانة الكهربائية، ويتعلّمون القواعد الأساسية للإلمام باستعمال الكمبيوتر.

بيد أن الخصومات بين الأحياء والفصائل (حتى داخل مطار معيتيقية نفسه)، والخلافات الأيديولوجية مع الجماعات الإسلامية الأخرى، تفرض قيوداً على قدرة كارة على الوصول إلى مختلف أنحاء العاصمة. ويبرز ذلك في شكل خاص من خلال صداماته مع المفتي الصادق الغرياني. اعتقلت قوات كارة لفترة وجيزة عضواً رفيع المستوى في دار الإفتاء بتهمة دعم الدولة الإسلامية. وأوقف كارة، بحسب ما أُفيد، مقاتلين إسلاميين من بنغازي يحاربون حفتر في طرابلس ويحظون بالدعم من الغرياني. وقد أثارت هذه الممارسات، فضلاً عن موقف كارة المتقبِّل لسيطرة حفتر في الشرق، غضب الفصائل الأكثر ممانعة في طرابلس ومصراتة وبنغازي. أما رد كارة الذي عبّر لي عنه في آذار/مارس الماضي، فهو أنه بحسب العقيدة السلفية، "نحن ملزمون باتّباع ولي الأمر بغض النظر عن المكان الذي نتواجد فيه".

وفي الشرق، تسود تشنّجات مشابهة حول ولاء المدخليين ونواياهم.

خلال الاستعدادات لشن عملية الكرامة بقيادة حفتر، شطبت أجهزة الاستخبارات في الشرق أسماء شخصيات سلفية من قوائم المراقبة والرصد التي تتضمن رموزاً من حقبة القذافي، وبدأت ببذل جهود حثيثة لإشراكهم في القتال ضد الفصائل الجهادية والإسلامية في بنغازي. لم تكن هذه مهمة صعبة. كان بعضهم قد استُهدِف في سلسلة الاغتيالات التي هزّت بنغازي منذ منتصف العام 2013 حتى مطلع العام 2014. وقد شكّل مقتل العقيد كمال بزازة، الذي كان إماماً سلفياً محبوباً ورئيس دائرة الشؤون الإسلامية في مديرية الأمن في بنغازي، في العام 2013 الشرارة التي دفعت كثراً إلى التحرّك.

انضم بعض المدخليين الليبيين إلى وحدات الجيش الوطني الليبي المتحالفة مع حفتر. على سبيل المثال، التحق أشرف الميار الحاسي، وهو قائد ميداني سابق في كتيبة 17 شباط/فبراير، ونائبه نفاتي التاجوري، بقوات الصاعقة الخاصة. وانضم مدخليون آخرون إلى كتيبة التوحيد التي تتألف حصراً من سلفيين ويقودها عز الدين الترهوني. ورصّت وحدات قتالية سلفية مماثلة صفوفها في المرج حول حفتر، وفي البيضاء المجاورة.

بحسب روايات عديدة، حاربت المجموعات القتالية السلفية، ولاسيما كتيبة التوحيد، بطريقة فعّالة إلى جانب الجيش الوطني الليبي، ولاسيما إلى جانب المجموعات غير النظامية الخاصة بـ"الدفاع عن الأحياء السكنية" أو "قوات الدعم" الشبابية في مختلف أنحاء بنغازي. في حي الماجوري في بنغازي؛ مثلاً، تحدّث مقاتلون شباب من قوة حماية الماجوري أجريتُ مقابلات معهم في أيلول/سبتمبر الماضي، عن علاقة تكافلية مع السلفيين الذين كانوا حاضرين عند تأسيس القوة. وقد عمد مقاتلو الماجوري، خلال المعارك مع الدولة الإسلامية ومجلس شورى ثوار بنغازي، إلى بث خطب مسجّلة للإمام السلفي الراحل كمال بزازة عبر الخطوط الأمامية. وكما فعلت قوات الردع بقيادة كارة، توجّه رجال دين متحالفون مع كتيبة التوحيد إلى السجون الخاضعة إلى سيطرة الجيش الوطني الليبي لإعادة تلقين العقائد الدينية للمقاتلين المسجونين المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية وإلى جهاديي بنغازي.

روى لي أحدهم في بنغازي الخريف الماضي: "قبل أربعة أيام، توجّهت إلى السجون، وتحدّثت مع هؤلاء الشباب، وقلت لهم إنهم مخطئون تماماً بشأن الطاغوت والكفّار".

لكن، كما في الغرب، تساور عدد من الأفرقاء الأمنيين والشخصيات الاجتماعية في الشرق شكوكٌ حول أهداف السلفيين في المدى الطويل. قال لي أحد وجهاء القوم من عشيرة العبيدات من طبرق في أيلول/سبتمبر من العام الماضي: "نحن معهم الآن ضد الإخوان، لكنهم متطرفون، لديهم أسرارهم". وقد اعتبر مسؤول في وزارة الداخلية في بنغازي أنه ليس قراراً حكيماً أن يتركّزوا داخل كتيبتهم؛ مشيراً إلى أنه يجب تقسيمهم، ومنحهم أرقام تعريف خاصة بالجيش النظامي، ومن ثم توزيعهم عبر الجبهات الأمامية.

ساهم عدد من الديناميكيات المحلية والخارجية، بدءاً من مطلع العام 2015، في إحداث تحوّلات في المشهد السلفي. لقي الترهوني، آمر كتيبة التوحيد، مصرعه أثناء القتال في محور سوق الحوت في بنغازي في شباط/فبراير 2015. وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، أصدر ربيع بن هادي المدخلي، فتوى حظر بموجبها المشاركة في النزاع بين معسكرَي الفجر والكرامة، وذلك في سياق تحوّل أوسع نطاقاً في السياسة الإقليمية السعودية إبان ارتقاء الملك سلمان إلى سدّة العرش، والذي اشتمل على التقليل من شأن التهديد الإخواني وبذل جهود لتحقيق المصالحة بين الفصائل المتناحرة في ليبيا. وقد تفكّكت كتيبة التوحيد، والتحق أعضاؤها بالعديد من وحدات الجيش الوطني الليبي، منها الكتيبة 302 قوات خاصة، والقوات الخاصة البحرية، والكتيبة 210 مشاة آلية، وسواها.

لكن ماجرى كان تعديلاً في الشكل أكثر منه انحسار أو اضمحلال لتأثير السلفيين العسكري. فالعديد من هذه الوحدات العسكرية التابعة للجيش الوطني الليبي و"النظامية" ظاهرياً هي في الواقع سلفية ومذهبية إلى درجة كبيرة في نظرتها الاستشرافية، هذا مع احتفاظ الوحدات الفرعية باسم "كتيبة التوحيد"، ونشر خطب المدخلي وتصاريحه بوضوح عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي

علاوةً على ذلك، لم يختفِ السلفيون من ساحات المعارك. فقد تحرّكوا هذا الصيف ضد سرايا الدفاع عن بنغازي، وهي مجموعة مسلّحة إسلامية مناهضة لحفتر تحظى بالدعم من الصادق الغرياني وكانت قد تقدّمت من الغرب باتجاه بنغازي. وبدّل المدخلي موقفه من جديد، موجّهاً نداء علنياً إلى أتباعه الليبيين للتصدّي للسرايا التي نعتها بأنها مجموعة إخوانية.

خلاصة القول، تسلّط هذه الديناميكيات الضوء على النفوذ المتنامي للسلفيين، ولاسيما المدخليين منهم، وكذلك التدخل المستمر لدول الخليج العربي في الشؤون الأمنية الليبية. ويركّز الأفرقاء الدوليون، عن حق، على إلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية ورأب الانقسامات السياسية في ليبيا. إلا أنه يجب إيلاء اهتمام أيضاً للتصدّع المتعاظم في صفوف الإسلاميين. واقع الحال أن صعود مايُسمّى بالسلفيين الهادئين، ولاسيما في أجهزة الشرطة والأمن والمؤسسات الدينية، هو من نتاج النزاع المتفاقم في ليبيا، والتدخل الإقليمي في الشؤون الليبية، ومؤخراً، القتال ضد الدولة الإسلامية. يقرّ جميع الأفرقاء الأمنيين في طرابلس ومصراتة وبنغازي والبيضاء باستخدام النفوذ الذي تتمتع به الجماعات القتالية السلفية، في حملاتهم ضد الخصوم السياسيين والدولة الإسلامية. لكنهم صريحون بالدرجة نفسها في الإقرار بالتأثيرات المجهولة التي يمكن أن يمارسها هذا الاستيعاب للسلفيين على المستقبل الليبي.