في مايلي الحلقة الثانية من مقال آرون لاند، الباحث غير المقيم في كارنيغي، الذي يستطلع فيه سياسات المُتنافسَين الرئيسسَين على منصب الرئاسة الأميركية دونالد ترامب وهيلاري كلينتون. الحلقة الأولى كانت حول سياسات ترامب ونُشرت يوم الجمعة الماضي. يمكن قراءتها هنا.

فيما يتمرّغ ترامب في وحول الفضيحة، يبدو محتملاً للغاية أن تصبح هيلاري كلينتون الرئيس الـ45 للولايات المتحدة؛ وهي الدولة التي تتحكّم بالمفاصل الرئيسة لمستقبل سورية السياسي.

ماذا قد تعني رئاسة كلينتون لسورية؟

إنها ربما تضمن، من جهة، قدراً من الاستمرارية في التوجهات الأميركية الراهنة التي لعبت هيلاري كلينتون دوراً حاسماً في وضع أسسها حين كانت وزيرةً للخارجية بين عامَي 2009 و2013. بيد أن هيلاري، من جهة ثانية، سبق لها أن انتقدت تمنُّع الرئيس باراك أوباما عن تصعيد الموقف ضد الحكومة السورية وحلفائها الروس والإيرانيين

جاء في الموقع الإلكتروني لحملة كلينتون، أن هذه الأخيرة "ستشنّ غارات جوية أكثر كثافة وفعالية"، و"ستوفّر مزيداً من الدعم للقوات الكردية والسنّية المتمردة". كما أنها "ستشكّل تحالفاً لفرض منطقة حظر طيران في الجو، جنباً إلى جنب مع إقامة مناطق آمنة على الأرض". مثل هذه الخطوات لاتستهدف مباشرةً إطاحة الرئيس بشار الأسد، بل هي مسعى لتنفيذ خطوات إنسانية، في الوقت نفسه الذي "يجري فيه بلورة ضغوط وزخم لتحقيق حل دبلوماسي يؤدي إلى تنحية الأسد عن السلطة ولمّ شمل الطوائف السورية" لمقارعة تنظيم الدولة الاسلامية. لايزال هذا موقف كلينتون الرسمي، وفق ما أكّدته في المناظرة الرئاسية في 9 تشرين الأول/أكتوبر.

مثل هذه الآراء تضع كلينتون على طرفي نقيض مع ترامب، المرشّح المفضل لدى الروس والذي تشي ميوله المناوئة للتدخل بأنه ربما يسعى إلى النأي بالنفس عن أي نزاع مع دمشق وموسكو. لكن ماكان يَعِد بأن يصبح نقاشاً ثرياً ومُترحاً بالايديولوجيا بين المرشّحَين حول مواقفهما المتضاربة في سياق الطيف السياسي العام، لم ير النور. السبب؟ إنه يكمن في الطبيعة المشوّشة لحملة ترامب الانتخابية ولعدم اهتمامه الفاقع بالسياسة الخارجية. وهذا بالتحديد ماسمح لكلينتون بمواصلة الغموض إزاء نواياها المستقبلية في سورية.

نقض أوباما

من النافل القول إن كلينتون تُقارب النزاع السوري باهتمام مشبوب. ويتذكّر ستيفن سايمون، في مقابلة عبر البريد الإلكتروني، أن هيلاري "نشطت بدأب ومثابرة خلال تولّيها وزارة الخارجية في إدارة أوباما لتنظيم المعارضة السورية وإطلاق عملية الانتقال السياسي، وتوفير جهود إغاثة ضخمة للاجئين والنازحين السوريين". سايمون هذا هو أستاذ تاريخ في كلية أمهرست، وعمل كمدير أول لدائرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي في الفترة بين 2011 و2012.

لكن كلينتون أخفقت في نهاية المطاف في إقناع أوباما بجدوى ممارسة استراتيجية أكثر تحدّياً. ففي صيف العام 2012، ساندت اقتراحاً من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي. أي. آي) لتزويد المعارضة السورية مباشرة بالأسلحة، بيد أن أوباما رفض الاقتراح مفضّلاً عليه خيار التنسيق وتقديم دعم غير فتّاك ومحدود.

ويبدو أن البيت الأبيض لم يوافق رسمياً على التسليح المباشر للمتمرّدين السوريين، إلا بعد أن غادرت كلينتون منصبها في شباط/فبراير 2013. ووفقاً لديريك تشوليت، من مؤسسة "جيرمان مارشال فاند" (German Marshall Fund)، الذي كان آنذاك مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية والذي تجاذبتُ أطراف الحديث معه على الهاتف خلال هذا الصيف: "باتت الإدارة الأميركية في ذلك الوقت أكثر ثقة بأن إمدادات الأسلحة يمكن أن تُحقّق بالفعل النتائج المرجوة، لا أن تجعل الأمور أكثر سوءا".

صقر أم حمامة؟

عزّز دعم كلينتون تسليح المتمرّدين السوريين في بدايات الصراع السوري، التصوّرَ السائد بأنها تتبنّى سياسات خارجية هجومية ومتشدّدة. تجلّى هذا الانطباع أيضاً من خلال لمحة عن حياتها نُشرت في صحيفة "نيويورك تايمز" وحظيت باهتمام واسع، سلّطت الضوء على الاهتمام الكبير الذي توليه كلينتون للشؤون العسكرية، والعلاقات التي تربطها بدوائر ناشطة ومؤثرة في مجال السياسة الخارجية. بيد أن وجهة النظر هذه لاتحظى بالإجماع.

ضمّت كلينتون إلى حملتها الانتخابية كوكبةً فذّة من مسؤولين سابقين وخبراء مخضرمين في السياسة الخارجية، شكّلوا مُجتمعين شبكةً فضفاضة برئاسة لورا روزنبرغر وجايك سوليفان، المسؤولين السابقين في وزارة الخارجية. وتُوِّج ذلك بتشكيل فريق عمل متخصّص في شؤون الشرق الأوسط يقوده، حسبما ذُكر، كلٌّ من ديريك تشوليت وتمارا كوفمان ويتس وبريم كومار.

يمثّل فريق كلينتون طيفاً واسعاً من الآراء، بحسب معايير واشنطن، ويشمل خبراء رفيعي المستوى يشكّكون في جدوى التصعيد الأميركي، مثل تشوليت وفيليب غوردون، الذي كان معنيّاً بشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي وجادل بأن على الإدارة الأميركية وقف الحملة التي تشنّها ضد الأسد. بدوره، اقترح كومار "تجميد" الصراع أيضاً، عوضاً عن السعي إلى تنحية الأسد. لكن إذا ما أخذنا كل الأمور في الحسبان، يتبيّن أن معظم هذه الشخصيات البارزة تميل إلى تبنّي سياسة التدخّل الليبرالية التي تنتهجها كلينتون، ولاسيما أن العديد منهم حملوا على حذر أوباما المفرط في مقاربة الملف السوري. وجادلت ويتس، التي شغلت سابقاً منصب مساعدة نائب وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، بألّا جدوى من محاولة إنقاذ فلول المؤسسات التابعة لحكومة مركزية بقيادة الأسد، وأن الهدف الأميركي الأول ينبغي أن ينصبّ على تحجيم النفوذ الإيراني في سورية. إلى ذلك، تدعم ميشيل فلورنوي، التي تولّت سابقاً منصب نائب وزير الدفاع وتُعتبر المرشّحة الأوفر حظاً لتبوّؤ منصب وزيرة الدفاع في حال فازت كلينتون بالانتخابات الرئاسية، استخدامَ "قوة عسكرية ضاربة محدودة" لتوطيد النفوذ الأميركي في سورية وإطاحة الأسد. وما يعزّز أكثر هذا التوجّه النشط الذي يتسم به فريق كلينتون السياسي، هو تسمية تيم كاين ليكون نائب الرئيس، ذلك أن هذا السيناتور عن ولاية فيرجينيا يُعدّ من أبرز الداعين إلى عدم "استخدام سوى النزر القليل من القوة العسكرية" في سورية. 

لكن يجادل البعض بأن سُمعة كلينتون الذائعة بأنها من غلاة التدخليين مبالغٌ به. إذ يعتبر آرون ديفيد ميلر، من مركز وودرو ويلسون الأميركي للدراسات والذي عمل في شؤون الشرق الأوسط خلال الإدارات الديمقراطية والجمهورية، أن "الحملات الانتخابية شيءٌ، والحكم شيءٌ آخر". وقال، في مقابلة هاتفية في وقتٍ سابق من هذا العام، إن كلينتون شخصية سياسية حذرة في الحقيقة، ويُرجّح أن تنهمك بالدرجة الأولى في التركيز على القضايا المحلية، باعتبار أن البلاد تحتاج إلى قسط من الوقت كي تتعافى من الأزمة الاقتصادية، ومن انتخابات رئاسية دقّت إسفيناً في صفوف الشعب الأميركي. وتساءل في هذا الصدد: "هل ستقوم كلينتون بمراجعة الخيارات المتاحة أمامنا حول التعامل مع كلٍّ من المعارضة السورية والروس؟" ومن ثم أضاف:

"أجل، قد تفعل ذلك. لكن حين تدقّ ساعة اتخاذ القرارات، أعتقد أن الأمر سيكون صعباً وموجعاً، تماماً كما هي الحال مع الرئيس أوباما. وهذا يعني أنه إذا ما أردت المشاركة في اللعبة مع أفرقاء آخرين مستعدّين للتضحية بالغالي والنفيس، سيتعيّن عليك أن تكون بدورك مستعدّاً لوضع أوراق جديدة على الطاولة. لكنّني أجد هذا أمراً من الصعب تصديقه." 

في الواقع، يعارض كل مستشاري كلينتون تقريباً خوض غمار عملية عسكرية مباشرة لإطاحة الأسد، ويبدو أن الكثيرين يَعتقدون أن الطريق لتحقيق السلام في سورية يمرّ بطريقة أو بأخرى عبر موسكو. على سبيل المثال، كرّر سوليفان، في كلمة ألقاها أمام حشد من منظمة مجتمع آسيا (Asia Society) خلال أيار/مايو الماضي، الدعوة إلى إقامة مناطق آمنة تفرضها الولايات المتحدة في سورية، لكنه ذكر أيضاً أنه في نهاية المطاف "ما من حلّ لايَشمل تعاون الولايات المتحدة وروسيا معاً".

حين يصفع الواقع السوري

قال لي مسؤول سابق في الإدارة وأحد داعمي حملة كلينتون: "من الواضح أن هيلاري هي بالفطرة أكثر تشدّداً من أوباما، على الرغم من أنها ربما ليست متشدّدة بالقدر الذي تُصوّر به".

وثمة شخصية بارزة أخرى تبدو مؤيّدة لهذا الرأي هي السفير السابق في سورية روبرت أس. فورد، الذي يعمل حالياً كزميل أول في معهد الشرق الأوسط في واشنطن. فقد كاتبني في مقابلة عبر الإنترنت في وقت سابق من هذا العام قائلاً إنه "لاينبغي أن يتوقّعن أحد حدوث أي تغييرات سريعة وضخمة في سياسة الولايات المتحدة إزاء سورية، بغض النظر عن هوية الفائز في الانتخابات الرئاسية المرتقبة خلال تشرين الثاني/نوفمبر":

"ستميل كلينتون على الأرجح إلى مراكمة المزيد من النفوذ في سورية من أجل تحقيق مفاوضات سياسية حقيقية. بيد أن تواجد القوات الروسية في سورية بات أمراً واقعاً، ويتوجب على كلينتون، باعتبارها شخصية عملية، إيجاد وسائل لتوفير هذا النفوذ، من دون خوض مواجهة مباشرة مع القوات العسكرية الروسية داخل سورية. سيستغرق ذلك بعض الوقت، إذ مامن مقاربة من شأنها بضربة واحدة أن تعزّز المصداقية والنفوذ الأميركيين المتراجعيْن في سورية". 

ينحاز إلى هذا الرأي أيضاً فريدريك سي. هوف، الذي عمل سابقاً كمستشار كلينتون للشؤون السورية حتى أيلول/سبتمبر 2012 ويتبوّأ راهناً منصب مدير مركز رفيق الحريري التابع للمجلس الأطلسي. ففي مقابلة عبر البريد الإلكتروني خلال فصل الصيف، كتب أن كلينتون ستكون على الأرجح "منفتحةً أمام إجراء دراسة جادة للخطوات العسكرية المحدودة التي تهدف إلى فرض أثمان لعمليات القتل الجماعي" التي تنفّذها قوات الأسد والعمل على ردعها، لكنه حذّر من أن خياراتها في نهاية المطاف ستكون رهناً بواقع الأمور على الأرض في ربيع العام 2017: 

"موسكو وطهران تفهمان هذه الحقيقة، لهذا السبب تحاولان الآن منح الأسد نصراً عسكرياً، فيما البيت الأبيض مصاب بحالة شلل. إنهما تفترضان، بالطبع، أن باراك أوباما سيظل مكتوف اليدين مهما تفعلان هما والنظام التابع لهما."

باختصار، في حال وقع خيار الناخبين الأميركيين على هيلاري كلينتون، قد يؤدي ذلك حتماً إلى تعزيز الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في سورية. مع ذلك، لا تزال الضبابية تغشى العديد من النقاط في إشارات كلينتون حيال سورية، بما في ذلك التفاصيل حول اقتراحها إنشاء منطقة حظر جوي، وهو أمر لن تضطر إلى التعامل معه إلا بعد إجراء الانتخابات. وفي الوقت الذي يتسابق فيه عشرات المستشارين وكبار الموظفين المحتملين في الوقت الراهن للتأثير في مسار السياسات في المستقبل، وفيما يسعى الأسد وبوتين يسعيان إلى فرض حقائق على الأرض، لن يشكّل فوز كلينتون في انتخابات الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر من نواحٍ عدّة سوى بداية لجدل أميركي جديد حول سورية.